islamaumaroc

[كتاب] مقدمة ابن خلدون في طبعتها الجديدة (تقديم كتاب) و"ديوان بشار"

  دعوة الحق

العددان 88 و89

لعل ابن خلدون من الشخصيات العالمية الجديرة بقول الشاعر العربي:
هل غادر الشعراء من متردم..؟
فهل غادر الكتاب والباحثون والدارسون من متردم في شان ابن خلدون وتراثه الفكري الخالد..؟ وهل أصبح الكلام في هذا الموضوع من الحديث المعاد والكلام المكرر الذي يمله الكاتب والقارئ والسامع.؟ أظن. لا
فتراث ابن خلدون عرف معرفة سطحية.. ولنا على ذلك دليل بسيط وهو أن هذا التراث ما زال لم يتم إخراجه في طبعات علمية متقنة تعطينا صورة حقيقية عما خطته أصابع ذلك العبقري الطموح..
فكتاب العبر رغم أهميته التاريخية طبع مرات، وفي كل طبعة نجد عيوبا لا تحصى.. وفي كل طبعة نجد نقصا وتشويها مختلف الأسباب والأنواع.
والمقدمة رغم أهميتها الفلسفية والاجتماعية والأدبية طبعت عدة مرات في أوربا والشرق.. وفي كل طبعة نجد من النقص والتحريف والتشويه والحذف ما يشوه كلام ابن خلدون ويبعثر أفكاره ويضفي عليه سجوفا من الغموض والركاكة والإبهام.. وهناك آثار أخرى لابن خلدون نالت حظها من التخريج العلمي وهي تلك الآثار التي كان من حسن حظها أن تناولتها أياد مغربية كان لها الفضل الذي لا يجحد.. ونعني بذلك آثار ابن خلدون التي أخرجها الأستاذ محمد ابن تاويت الطنجي في كل من تركيا.. ومصر.. منذ سنوات خلت.
ونعود إلى المقدمة.. ومن منا لم يصادق المقدمة.؟ ومن منا لم يرجع إليها عدة مرات..؟ ومن منا يستطيع أن يبحث في موضوع من موضوعات الحضارة أو الثقافة في الفكر الإسلامي.. ولا تكون المقدمة هي دليله ورائده ومرشده ومزوده بالملاحظة الصائبة والمعلومات العميقة. والفكرة الناضجة..؟
ولكن المقدمة منذ طبعت في باريز منذ ما يقرب من قرن من الزمن.. ظلت تطبع طبعات تجارية تتفق على الخطأ وتتفق على النقص.. وتتفق على التشويه..
ويأتي الباحثون فينقلون نصوص ابن خلدون على ما هي عليه في هذه الطبعات، وبذلك تكون المشكلة خطيرة ومعقدة.. فتارة نتهم هؤلاء الباحثين بالجهل.. وتارة نتهم ابن خلدون.. والحقيقة أن المتهم الرئيسي هو من طبع هذا الكتاب من غير تحقيق ولا تمحيص ولا تخريج علمي يليق به باعتباره من النصوص الممتازة في الفكر الإسلامي.
كل هذا كان يدور بخلدي كلما كنت مضطرا إلى مراجعة فصل من فصول مقدمة ابن خلدون في إحدى طبعاتها السقيمة التي لا أجد غيرها.. وحتى إذا وجدته كان لا يقل عما بين يدي في التحريف والتشويه..
واليوم تحقق المطبعة العربية كما يحقق البحث العلمي نصرا جديدا وأملا طالما تمنيناه بفارغ الصبر.. حيث يعمد الدكتور «علي عبد الواحد وافي» إلى إخراج مقدمة ابن خلدون إخراجا علميا دقيقا ويأخذ على عاتقه القيام بهذا العمل في صبر وأناة وإخلاص..
والدكتور علي وافي رجل جامعي يحمل شهادات وألقابا.. وهو بذلك رجل موسوعي له أبحاث اجتماعية ناضجة، وله أبحاث لغوية صارت مادة لدراسة فقه اللغة في كثير من الجامعات الشرقية.. وإلى جانب هذا صاحب ابن خلدون في مقدمته سنوات طويلة وجمع نصوصها من عدة طبعات ومن عدة مخطوطات موزعة بين مكاتب أروبا وتركيا والبلاد العربية.. فاجتمع له من ذلك ما يزيد على مائة صفحة كانت محذوفة من الطبعات الشرقية وكان بعض هذه الصفحات موجودا في طبعة باريز..
وقبل أن يقدم لنا المخرج نصوص المقدمة قام بدراسة منهجية شاملة للمقدمة ونسخها المطبوعة والمخطوطة.. وقد استغرقت هذه الدراسة أكثر من مائتي صفحة أحاط فيها الدكتور علي وافي بكل شاذة وفادة عن هذا التراث النفيس.. وذكر محاسن ومساوي كل من تناول هذا الكتاب من قريب أو بعيد من الباحثين شرقا وغربا بالعربية أو بإحدى اللغات الأوربية الشهيرة.. كما فضح تلاعب الناشرين من تجار الثقافة بهذا الكتاب وكيف شوهوه بجهلهم وعبثهم..!
ثم تناول في نحو مائة صفحة أخرى مناقشة آراء ابن خلدون وبيان مقاصده من بعض الكلمات التي تعرض بسببها إلى النقد والتجريح.. وهذه الصفحات التي استغرقت معظم الجزء الأول هي وحدها دليل على أهمية الطبعة العلمية الجديدة التي اخترنا تقديمها كنموذج للبحث العلمي السامي في التعبير والتفكير والمضمون..
وأهم ما تمتاز به آراء الدكتور وافي على العموم هو الأسلوب العلمي والنقاش المنطقي والتجرد أمام صراع المبادئ والآراء والأفكار.. فابن خلدون إنسان يخطئ ويصيب.. وآراؤه لها مقاييس واعتبارات يدخل فيها عامل الزمان والمكان والبيئة والمزاج..
ثم إن آراء ابن خلدون منها ما هو وليد مشاهدة وتجربة ومنها ما هو وليد الحكم العقلي والاجتماعي الشخصي، وكلا النوعين قابل للخطأ والصواب، فمن جهة كان ابن خلدون يؤسس علما جديدا هو علم الاجتماع البشري.. وتأسيس العلم لا يخلو من أخطاء غير مقصودة ولكنها وليدة التجربة الناقصة والاستقراء الناقص.. ومن جهة أخرى.. كان ابن خلدون يهدم أفكار السذج والبسطاء.. والهدم لا يخلو من نشوة تخامر الهادم فيظن أنه طمس المعالم وأتى على الآثار.. لكنه لا يلبث أن يكتشف هو نفسه أو يكتشف الناس أن القضية أعمق وأعقد.
والقيمة الحقيقية لآراء ابن خلدون هي أنه استطاع أن يكون فكرة شخصية لها ألوان علمية وأصول فكرية وحجج منطقية.. وأن يتخطى الجزئيات إلى الكليات والبسائط إلى المركبات. ويربط بين الحضارات والثقافات والدول برباط من المنطق التاريخي -إن صح هذا التعبير- وأن يقدم دراسة شاملة عن الفكر العلمي والسياسي -والاجتماعي.. وعن طرق الحكم ومحاسنها ومساويها، وعن طبيعة الغرائز الإنسانية بين القوي والضعيف والغالب والمغلوب..
كما أن عبقرية ابن خلدون تتجلى في كونه جعل للحضارة دولابا يتحرك حركات أمامية وخلفية وجانبية، وهو في حركاته لا ينفك يرفع ويضع ويعطي ويمنع بتأثير قانون القوة والغلبة والعصبية..
فالحضارة لها عمر.. والدولة لها عمر.. والأفكار لهم عمر -وهذا العمر يطول ويقصر طبقا لعدة نواميس اكتشف بعضها ابن خلدون.. ونادى الناس بمحاولة اكتشاف بعضها الآخر حتى لا تصدمهم الأحداث التاريخية فيحارون في التعليل ورد الأسباب إلى مسبباتها..
ولا يملك الإنسان نفسه حينما يجد هذه الآراء قد كونها ابن خلدون من خلال الحوادث التاريخية التي عاشها في فاس وتلمسان وبجاية وتونس وغرناطة ودمشق والقاهرة.. فيتعجب من هضم هذا المفكر أحداث عصره بخيرها وشرها.. لا ليعتبر فحسب، بل يقدم عنها فلسفة علمية وخبرة اجتماعية وسياسية واقتصادية متشعبة المسالك والألوان والصور معقدة الأسباب والمسببات..
هذه بعض الارتسامات عن مقدمة ابن خلدون في طبعتها الجديدة، لكن مخرج هذه الطبعة لا يريد من قارئها أن يأخذ ارتسامات أو صورا.. ولكنه يريد منه أن يعي سلسلة من الأفكار هي قبل كل شيء ترجع إلى:

1- منطق التاريخ.
2- منطق السياسة.
3- دولاب الحضارة.
4- دولاب الثقافة.
5- النقد بسائر مقاييسه.
وهاته الأشياء ليست سبلا ممهدة ولكنها مسالك وعرة زلق فيها ابن خلدون نفسه وأخطأ أخطاء كان هو المسؤول عنها قبل غيره من الناس، وقد أخذ الدكتور وافي يناقش ابن خلدون في هذه الأشياء مناقشة هادئة ولكنها محرجة للغاية، والغريب أن ابن خلدون كثيرا ما يغالط نفسه ويخالف القواعد التي قعدها.. وينسى الملاحظات التي سجلها..
وكثيرا ما يرد الدكتور وافي على ابن خلدون بمنطق ابن خلدون.. وتفكير ابن خلدون.. ونقد ابن خلدون.. ولكن رغم ذلك فأخطاؤه ليست أخطاء ساذجة ولكنها أخطاء تعليل وتدعيم لأشياء تختلف فيها وجهات النظر باختلاف المقاييس والعصور.
قدر الدكتور وافي أن يخرج بالمقدمة في خمسة أجزاء وفعلا أخرج الأجزاء الأربعة الأولى وما زلنا ننتظر الجزء الخامس وهو خاص بالفهارس المتنوعة لفصول المقدمة ومحتوياتها من أعلام واصلاحات وكلمات وأسماء البقاع وغير ذلك..
فماذا أفادتنا هذه الطبعة؟ وما هي المميزات التي اكتسبتها بهذا الإخراج العلمي؟ إن عمل المخرج كان متسعا بحيث يمكننا أن نرسم له خطوطا عريضة أولية مع إشارة إلى ما أغفلناه مما لا يتسع له هذا العرض.
فالعمل الأول: هو تحرير النص من التحريف وتقديمه في صيغته التي يغلب على الظن أنها هي صيغة المؤلف الحقيقية.. وهذا العمل استغرق جهودا في المقارنة والمقابلة والتصحيح والترجيح.. بحيث يمكننا أن نقول مطمئنين إن النص الذي بين أيدينا نص علمي صحيح المتن مبني على تخريج له قواعده وحيثياته..
ولا ننسى أن المخرج يتعمد أن يجعل في الهامش نصوص الطبعات الأخرى والمخطوطات ويعلل لك سبب اختياره وتصحيحه بما لا يدع أمام الباحث أي شك أن ما يقرأ هو كلام ابن خلدون في صورة مقبولة مفهومة سواء كان ابن خلدون مصيبا أو مخطئا لأن المهم أن نقرأ نصه الحقيقي.. والبون شاسع بين نصوص هذه الطبعة ونصوص الطبعات الأخرى في الكم والكيف والإخراج والتبويب والتنظيم والترتيب..
والعمل الثاني: هو التعليق على كلام المؤلف وشرح ما فيه من غموض أو تعارض سابق أو لاحق بنصوص أخرى في نفس المقدمة ولنفس المؤلف.
وهذا يعني أن المخرج لم يقدم لنا نصوصا صماء ولكنها حية نابضة طافحة بالمقارنات والمقاييس والنقد أحيانا والتصويب أخرى.. وإن كان هناك ما ينتقد على الدكتور وافي فهو أنه أسرف على نفسه كما أسرف على القراء في تتبع آراء ابن خلدون بالنقد والمقارنة بينها وبين الآراء الجديدة في الموضوع.. ومع فارق الزمان والمكان فإن الدكتور يأبى إلا أن يقول: الصواب كذا.. والواقع كذا.. ولعل الأنسب أن يقول المخرج: إن الفكر تطور من عهد ابن خلدون إلى الآن -وجدت آراء ونظريات أخرى..
والعمل الثالث: هو تكميل الأجزاء الناقصة في الطبعات الأخرى، وهو عمل لا شك في فائدته العلمية بالنسبة للباحثين، وفي انتظار الجزء الخامس من المقدمة.. نرجو أن نكون قد أعطينا هذا التراث بعض ما يستحق من اهتمام وتقدير.. كما نرجو أن تجد الآثار العلمية الهادفة مكانتها وتملأ الفراغ الفكري الذي أصبح يملأ بالكتب السخيفة الفارغة.. والعابثة أيضا..

2- ديوان بشار
كان بشار بن برد جسرا أدبيا عبرت عليه أجيال من الشعر من عصر إلى عصر، ومن اتجاه شعري إلى اتجاه آخر.. وكان إلى جانب ذلك شخصية شقي بالناس وشقوا به.. وشغل بالناس وشغلوا به.
فهو إلى جانب عاهة العمى التي جعلته سيئ الظن بالحياة والأحياء.. ينتمي إلى أصول فارسية كان لها مجد وعصبية ونفوذ في خراسان.. وهو إلى جانب ذلك ينتسب إلى بعض القبائل العربية بالولاء المعروف في عصره.. وكل ذلك عرضه لمتاعب محرجة.. زيادة على ما كان يتصف به من تهالك على متع الحياة وإقبال على اللذات ومزاحمة الآخرين في فنون اللهو والمجون.
فإذا افتخر العرب بأصولهم العربية.. افتخر بشار بأصوله الفارسية.. وإذا أظهر بعض الشعراء العرب العصبية لقبيلة ما قام بشار ليظهر عصبيته للقبيلة العربية التي ينتمي إليها بالولاء.. وإذا عيره الشعراء بعاهة العمى.. عيرهم بالبلادة والجبن والخضوع والذل والتملق.
ولا يكتفي بشار بذلك بل إنه يهجم على أهل عصره يهجو ويفتخر ولا تعوزه الحجة ولا يعدم الدليل.. ولاسيما وهو يعتقد أنه من قريش العجم حيث يقول:
نمتْ في الكرام بني عامر  
فروعي وأصلي قريش العجم

كما أنه يعتقد أن أمه رومية حيث يقول:
وقيصر خالي إذا    عددت يوما نسبي

وعاش بشار في عصر خرج فيه مارد الحرية من محبسه فظهرت ألوان من الجد والهزل وفنون من العادات والأخلاق والسلوك الشخصي والاجتماعي، وكانت البصرة -وهي مسقط رأسه- تعج بصنوف من الرجال ذوي الرغبات والأخلاق المتناقضة، فإلى جانب أهل التصوف والدين هناك أهل البطالة والدعارة والمجون..
وبشار أخذ حظه من كل شيء، فجد مع الجادين وعبث مع العابثين وملأ حياته بصخب وضوضاء وبلغ الستين من عمره وهو يقول :
وحسبك أني منذ ستين حجة   أكيد عفاريت العدا وأكاد

فهو يكيد ويكاد.. ويشقى بالمعاصرين.. ويشقون به.. وقد عاش ثلث حياته في عصر الأمويين... كما عاش ثلثيه في عصر العباسيين.. وفي كل عصر كانت له معارك صاخبة خرج منها منتصرا قويا، وبذلك اكتسب شهرة ونبوغا ضرب بهما المثل
وكان بشار يخشى هجو أمثاله من أهل الدعارة والمجون.. ولا يخشى هجو أهل التصوف والعفة.. فقد روى الرواة أن بشارا كان يعطي الشاعر الماجن المعروف بأبي الشمقمق مائتي درهم كل سنة ليلا يهجوه ولئلا ينشر في الناس مساوئه.
كما أنه كان يحضر مجلسا يجتمع فيه جماعة من الشعراء يتهارشون ويتماجنون حتى إذا أعياهم هجو الناس هجا بعضهم بعضا وسخر بعضهم من بعض وكان العبث فكاهتهم والمجون لذتهم..
وكان ذلك سببا في اشتهاره بالمجون مع عصابته.. لكن العصر العباسي كانت لساسته اتجاهات في الدعاية غريبة.. فقد استغلوا مجون بشار ليزجوا به في حمأة الانتقام..!
نعم في حماة الانتقام السياسي..؟
كان بشار أمويا في أعماق نفسه وقد نال عزا ومجدا ومالا في عصر بني أمية.. وكان على صلة بولاتهم يمدحهم وينشر دعوتهم.. وقد حفظ الناس شعره فيهم..
فلما ظهر العباسيون جامل ونافق ومدح الخلفاء العباسيين .. لكنهم كانوا ينظرون إليه نظرة احتقار وحقد وصغار..!
ولما ثار الطالبيون عليهم كان من جملة الشعراء الذين مدحوا أهل البيت وحثوهم على أخذ الخلافة بدلا من العباسيين..
تم كل هذا وبشار يظن أنه يلعب على الحبلين، ولكن العباسيين نصبوا له فخ الزندقة والإلحاد.. فأشاعوا أنه زنديق، ومعنى الزندقة عندهم هو أنه يظهر الإسلام ويخفي المجوسية.. وبذلك ألبوا عليه الناس عامتهم وخاصتهم وقتلوه.. سنة 167ه..!! بتهمة الزندقة..
هذا بشار في شخصيته.. أما بشار في ديوانه الذي نقدم اليوم طبعته الجديدة التي أخرجها «الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور» شيخ جامع الزيتونة.. فهو شيء آخر..
ظل ديوان بشار مجهولا ومقبورا طيلة قرون، وظل شعره موزعا مبعثرا هنا وهناك.. وأول مجموعة شعرية ظهرت لهذا الشاعر هي كتاب «المختار من شعر بشار»، وهي من تأليف مؤلف عاش في القرن الرابع الهجري، ولكن هذه المجموعة كانت لا تضم إلا نسبة ضئيلة من شعر هذا الشاعر الكبير.
وقد ظفر الشيخ ابن عاشور بجزء من هذا الديوان مرتب على الحروف من الهمزة إلى الدال، فشرحه شرحا علميا مفيدا وقدم له بمقدمة علمية حلل فيها عناصر شعر بشار وترجمته ثم طبعه طبعة مثالية في الدقة والاهتمام. ويصح لنا أن نقول إن هذا الديوان بهذه الصورة يمكن أن يكون نموذجا للإخراج العلمي في المغرب العربي.
فالشاعر يبدو من خلال قصائد الديوان شاعرا رصين الأسلوب قوي العارضة طويل النفس متين اللغة.. يذكرنا بزهير ابن أبي سلمى وطرفة والنابغة.. وتبلغ قصائد بشار في الديوان أحيانا أكثر من مائتي بيت.. لا تجد منها إلا الرصين الجزل القوي الأسلوب البليغ المعنى.. الصحيح اللغة والعروض..
أما موضوعات الديوان أو بالأحرى هذا الجزء المنشور من الديوان فهي موضوعات متنوعة فيها الغزل بنوعيه العفيف والماجن.. وإن كان النقاد يقولون إن بشارا لم يكن عفيفا، ونحن هنا نعني عفة الشعر لا عفة الشاعر..! كما أن في موضوعاته المدح والهجو والوصف والفخر والحماسة..
أما ما يسمى بالزندقة بمعناها الإلحادي فإننا لا نجد لها ظلا في هذا الجزء المنشور من الديوان.
وهناك ناحية لمسناها في قراءة شعر بشار وهي أنه يؤرخ عصره تأريخا يكاد يكون كاملا، ففي شعره تلمس صدى الأحداث التي مرت بالبصرة وبغداد والحجاز.. كما أنك تجد به صدى الشخصيات العلمية والأدبية والسياسية..
ولعل صدور هذا الديوان يجعل نقاد الأدب يراجعون آراءهم في بشار لا من الناحية الشعرية فقط.. بل ومن الناحية التاريخية أيضا..
وقبل أن نودع الديوان نشير إلى أن الدراسات التي ظهرت عنه من قبل كانت تعتمد على ما احتفظ به أبو الفرج الأصبهاني من شعر بشار في كتاب «الأغاني»، وقد استطاع مخرج الديوان أن يميز بين شعر بشار الحقيقي وشعر بشار المنحول..
لأن كل شعر فيه هيام بالخمر والغزل نسب إلى أبي نواس.. وكل شعر فيه هجو ومجون نسب إلى بشار.. وكان صاحب الأغاني يجمع كل ما قيل.. فلذلك كانت الدراسات رغم قتلها عن بشار تظهره بمظهر غير حقيقي..
أما الصورة الحقيقية فهي صورته في شعر الديوان الذي يضم قصائد ما أجدر النقاد بدراستها من جديد، وقد ربح الأدبي العربي من نشر هذا الديوان ربحا آخر وهو أن أحد علماء الهند لما رأى عمل الشيخ ابن عاشور.. قام يبحث في أمهات كتب الأدب المخطوطة والمطبوعة وأخرج لهذا الديوان -ذيلا- جميلا أنيقا استدرك فيه قصائد ومقطعات أخرى وطبعه في بيروت..
وبذلك حظي بشار في السنوات الأخيرة بما لم يحظ به من قبل..

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here