islamaumaroc

الأدب ومشاكل العصر

  دعوة الحق

العددان 88 و89

يعيش الادب، منذ ظهر الى الوجود، في تطور مستمر و رقي مطرد و تغير متواصل شانه في ذلك شان الانسان الذي لم يفتا يترعرع و يتطور و يرتقي و يتغير الى التطور و التغير و ليس في وسع الادب ان لا يساير الانسان في تطوراته و تحولاته و تقلباته و هو لا يعد و ان يكون اداة التعبير. عما يجول في خاطر الانسان من مشاعر وخوالج و ما يخامره من نوازع و لواعج و ما يضطرب في احشائه من انفعالاات ذاتية و احساسية فردية هي نفسها وليدة الظروف التي يحياها الانسان و صنيعة الاحداث و التقلبات التي تطرا عليه و على المحيط الذي يعيش فيه و البيئة التي ينتمي اليها و المجتمع أي ينشا و ينمو في احضانه.
و لعل هذا ما جعل الادب يتطور و يتقدم عند الاقطار و القارات المتقدمة و يتخلف و يتاخر عند الشعوب التي مازالت تجر اذيال التخلف و تذوق وبال امره.
و مما لا شك فيه ان من علامات حياة الادب في مختلف اشكاله و انواعه و فنونه و اماراته نهوضه و نموه قبرله لمسايرة التطور البشري و التقدم الانساني في شتى العهود و العصور و استعدادع لمواكبة الانسان في مختلف مجالي الحياة و التلاؤم مع مقتضيات الرقي الفكري و النمو العقلي و النشاط الاجتماعي و الالتزام بخدمة الانسان كلما دعا هذا الاخير للقيام بما تستوحيه المسؤولية الملقاة على عاتقه.
و ما المدارس الادبية المتعددة التي عرفها الميدان الادب و المذاهب الكثيرة التي تقلب فيها العمل الادبي الا دليل ساطع على صحة ما قدمناه حتى الان لانها تشهد بتطور الادب و تكيفه مع العقليات المختلفة و مسايرته للاتجاهات التي تغزو المجتمعات البشرية في كل وقت و حين و التي اصبحت اليوم تكتسي جلالا خاصا و خطورة شديدة الباس نظرا للتقلبات المهمولة التي يعرفها العصر الحاضر و التحولات الجذرية التي طرات على المجتمع الانساني بصفة عامة و على مجتمعنا المغربي بصفة خاصة.
ان تاثير الادب في الشعوب امر بديهي لا يحتاج الى دليل، و سيكون تاثير الادب الحالي على الاجيال الصاعدة اعظم و اقوى من تاثير أي ادب سابق نظرا للتبعات الجليلة الملقاة على كاهل ارباب الاقلام الذي يتعين عليهم ان يشعروا شعولهم و بيئاتهم بما طرا على الكون من تطورات جزيلة وتحولات و بما قد ينتج عن هذه التقلبات من تغيير لبعض المفاهيم و تضعضع لبعض القيم و المقاييس.
و قد اصبح من المعين على كل من سبيته دولة القلم ان ينغمر وسط الاحداث التي تهز العالم وان لا يظل بعيدا عنها في الوقت الدقيق الذي يتحدد فيه مصير الدنيا و ترتسم فيه صور عالم جديد مازالت التجارب العلمية و الاكتشافات  الفضائية و التطورات التقنية تتبارى في تخطيطها و تتنافس في اظهارها.
 و سوف لا يتاتى للادب ان يضطلع بالمهمة المنوطة به الا اذا قام رجال الادب ودعاته بتوضيح العلاقات التي يجب ان تكون بين الشخص و بين الواقع مهما تغير هذا الواقع و تطور و لن يتسنى لرجال الادب القيام بهذا العمل الا اذا زودوا انفسهم بالافكارالمعاصرة و الصور الحية و مزجوا بينها و بين مكتسبات العقل و الفكر و  جمعوا بين الثقافة التقليدية المتينة و الثقافة العصرية المتجددة التي تنفتح لاستيعاب مشاكل العصر و قضايا القرن العشرين فكيف يعقل ان يلم الاديب بثقافة عصره و مشاكل مواطنيه اذا ظل منزويا في بيته قابعا في برجه العاجي بعيدا عن الاحداث التي تجري على مسلاح العالم نائيا بجانبه عن المكاسب و الانتصارات التي يظفر بها العلم في كل وقت وحين؟
ان مشاكل الثقافة العصرية هي مشاكل العالم الحديث، و المثقف الحق هو الذي ينكب على دراسة الماسي التي يتخبط فيها رجل القرن العشرين متحملا في ذلك التبعية التي ينبغي ان يتحملها ازاء الانسانية على العموم متدبرا سائر العواقب الوخيمة التي يمكن ان يؤدي اليها كل عمل مشين قد يضر بالمعجزات التي حققها الانسان و يصمم المخترعات الجديدة و المكتشفات الحديثة لانها سبب خراب العالم ودماره لا سبب رقيه و انطلاقه وازدهاره.
ان المدينة الحديثة و الحضارة العصرية تتطلبان المزيد من اليقظة و الحذر لان ما تحملانه من فتح مبين لرقي البشرية لا يخلو من شوائب مضرة و جوانب غامضة مازالت في حاجة الى التبيين و التوضيح و التاكيد و الترسيخ و هذا جانب كبير من المسؤولية العظمى التي يتعين ان يضطلع بها كل مثقف و قف حياته و مواهبه لخدمة العالم و لاثقافة و الحضارة لان الانسانية تواقة الى من يساعدها على تفهم مشاكل العصر و اشعارها بالتبعات المنوطة بها وتقوية وعيها بعظمة المكتسبات التي توصلت الى الظفر بها كما انها راغبة في اتباع كل من يحاول ارشادها اثناء مرحلة التحول التي تعيشها الان و السير على نهج كل من يود ان ييسر لها سبيل ارتقائها المنشود و تطورها المامول.
ان مهمة المثقف في النصف الثاني من القرن العشرين تتلخص في تلقف كل جديد و طريف و الاحاطة به من سائر جوانبه و التوقف في ادراك ما ينطوي عليه و الشعور بكل ما يحتوي عليه هذا الجديد من امكانيات قد تساعد على نفتق الفكر البشري لاستيعاب المعلومات و المعارف العصرية وهضمها و تفتح العقل الانساني للتعامل بها و التصرف فيها بعد ما تصبح ملكا له.
و سوف لا يتم الوجود و الخلود في هذا العصر لاي عمل ادبي الا اذا جعل هدفه الانسان الجديد و ما يتطلبه تكوين هذا الانسان و اعداده حتى يصير بحق، رجل المستقبل الذي يحقق في طياته عالما قد يختلف في كثير من الوجوه من عالم اليوم و حتى تتجلى له حقيقة الغد واضحة و يغدو واقع ذلك الغد مالوفا ملموسا و حتى لا يضيع هذا الانسان في متاهات فكرية و مجالات علمية غريبة عنه و يتطلب هذا العمل من المثقفين و المتادبين تحليل جميع عناصر الوجود و التعمق في الاحداث الجارية و سبر اغوارها و النظر اليه بنظرة المستقبل لا بنظرة الماضي و محاولة التاثر بها و التاثير فيها. و قد سبق للكاتب الروسي الكبير "جوركي" ان عرف هذه النظرة تعريفا حقيقيا عندما قال: يتعين علينا ان نعرف واقعا ثالثا هو واقع المستقبل كما يتعين علينا ان ندرج هذا الواقع الثالث في كل ما نعمل وان نصفه وصفا يقربه الى الاذهان".
و كيف يتسنى للمثقف سواء كان ادبيا او كاتبا او شاعرا او استاذا او غير ذلك ان يقوم بهذا العمل اذا لم يدرك المسؤوليات التي ترجع اليه بصفته عنصرا فعالا في توعية الشعوب و اشعارها بما ينتظرها؟  ان الفن الذي تتوق اليه الشعوب النامية ليس هو الفن الذي يرضي النخبة المثقفة او الطبقة الواعية كما ان العمل الادبي الذي تنتظره الامم الساعية الى الرقي و التطور و المتمشية في طريق التحول و التقلب ليس بالعمل الادبي الذي يخاطب العقل و الوجدان ويدغدغ روح الانسان و لكنه الانتاج الادبي القوي الذي يخاطب القلب و العقل و ينفذ الى اعماق القارىء او المستمع محاولا انتشال كل منهما من دركات الخمول و الانحطاط و الزج بهما في معركة الحياة الدائمة المتجددة و مساعدتهما على الطريق التي يتعين ان يسيرا فيها و التي ينبغي ان يجرا اليها بيئتهما و مجتمعهما و لن يستطيع ان يؤدي هذه المهمة العسيرة الا العمل الفني الذي يحلل القضايا الاجتماعية الكبرى التي تواجهها شعوبنا النزاعة الى اصلاح نفسها الميالة الى الارتقاء و النمو الذي يبث خلال هذا التحليل، المسائل الفلسفية الثقافية و الاقتصادية بثا يجعلها تنفذ الى القلوب و الاسماع و تعمل عملها البناء في تركيز المبادىء الانسانية الخالدة و لعل هذا ما حدا بالكاتب الروسي "ليونوف" ان يقول في سنة ثلاث و ثلاثين و تسعمائة والف:
"يجب ان يكون الفن مراة تنعكس عليها اقوى عواطف الشعوب و اعمقها و اشد الطبائع باسا و حولا".
و قد اصبح من المتعين ان تتطور اساليب الادبية لتنسجم مع ما تفرضه هذه المرحلة الجديدة من التطور التاريخي الذي دخلت فيه البشرية باسرها و الذي لن يستطيع الخروج منه احد، و قد صار هذا "الانطلاق التاريخي الكبير" كما يعبر عنه "ليونوف" يؤدي الى ضرورة تحديد الهدف الذي يرمي اليه الادب بصفة عامة سواء كان هذا الادب قصة او شعر او غير ذلك.
فقد مر على الانسانية حين من الدهر كان الادب فيه عبارة عن مداعبات و مساجلات يتبادلها رجال الثقافة و العلم و الادب فيما بينهم كما كان الادب فيه تراشقا بالنكت و تفاخرا بين القبائل و تبادلا بالقذائف والشتائم بين الافراد المتخاصمين عدا ما كان يزخر به الادب عموما، و ادبنا العربي خصوصا من غزل و مدح و قد اصبح لزاما على الادب اذا اراد الخلود ان يتجاوب مع مشاعر المواطنين في كل مكان وزمان وان يساعدهم على  رفع مستواهم و ان يلعب دورا خطيرا في التقارب بين الامم و الشعوب و استتباب قواعد التعايش السلمي في عالمنا الحاضر و ترسيخ المعارف الجديدة في النفوس، لقد كان القمر الى حين قريب، محط انظار مختلف السكان الارض و مناط امالهم وقبلى ابصارهم، و كان لغزا مبهما يتجه اليه الناس لاستكشاف غوامض مشاعرهم ويلجاون اليه الاستيحاء والاستلهام، كان يسلبهم بناصع بياضه و يستولي على ابصارهم بعجيب شكله و غريب جماله فيتطلعون اليه كلما الم بهم امر و تسرح في مجاليه اخيلتهم و ترعرع فيه صورهم، و قد اصبح القمر اليوم او كاد ان يصبح فلكا معروفا و مقصدا مالوفا، و هذا في حد ذاته، تغيير قد يرى البعض انه يمس الطبيعة وحدها و لكنه في الواقع حدث ينطوي على حقائق جديدة و قد تؤدي هي بدورها الى مكتشفات اخرى قد تكون اشد غرابة مما وصل اليه الفكر البشري حتى الان و ان من مهمة الادب ان يعمل على التعريف مثل هذه الحقائق و توعية الناس بها حتى لا تظل بعيدة عليهم او مجهولة عندهم.
ان البشرية تجتاز اليوم مرحلة تحول عسيرة، و ليس من السهل على مطلق العقول ان تدرك ما يحيط بها من حوادث و ما يلم بها من قضايا، واذا كان التعليم و التربية نصيب وافر في تكوين عناصر واعية لهذه التقلبات فان الحصة الكبرى في هذه التوعية ترجع الى المثقفين من كتاب و شعراء و فنانين أي يتعين عليهم ان يقربوا هذه الحقائق الى اذهان الدهماء حتى لا يظل الناس في الضلال يهمعون.
و ما الفرد البشري الا جزء من هذه الطبيعة التي اخذت تتطور و تتغير، فمن الواجب عليه ان يتطور معها حتى لا تكون الطبيعة  سباقة الى التطور و يكون هو ختملا في التقهقر و التاخر، و ان من مهمة الادب الحق ان يتبع الانسان عن كثب اثناء هذه المرحلة، و ان على الكاتب او الشاعر ان يتفهم رجل هذا العصر و يدرس تطوره جسميا وعقليا قبل ان يصفه في كتبه و يشرحه في انتاجه و يقدمه لجماهير القراء كنموذج مثالي حي للانسان المعاصر الذي لا يتنافى في حياته و سلوكه و تفكيره مع العصر الذي يعيش فيه.
واذا كان على الادب المعاصر ان تقتدي بالادب الاتباعي او الابداعي فان الواجب يفرض عليه ان لا يفرغ هذا الاقتداء في قالب التقليد لان الادب كان يعنى فيما يبق، باشخاص قد عفا عليهم الزمان بينما الادب المعاصر يعنى برجال العصر فلنتعلم من الاتباعيين اساليبهم و لناخذ طرقهم و لنهضم بعض عناصر مهنتهم دون ان نقلدهم في تحليلاتهم و متابعتهم في عرض نماذجهم فقد كان رجل القرن السابع عشر الميلادي مثال البورجوازي الخالص الذي يحسن التعامل مع العناصر المنتمية لطبقته و الذي يجيد القاء بعض الاشعار و يلم بالثقافة السائدة في عصره و الذي يتقن الحديث الجميل في المجالس و الصالونات، و كان هذا الرجل المعيار الذي ينسج عليه الادباء و الكتاب و الشعراء ابطالهم، فمن قاربه او شابهه كان قمينا بالفلاح و من ابتعد عنه كان العنصر الذي يتعين اجتنابه و تلزم محاربته، اما رجل القرن الثامن عشر فكان الفيلسوف المثالي الذي يدافع عن المظلومين و المنكوبين و المفكر الواعي الدي يدعو الى الحرية و محاكاة الطبيعة وينبذ التعصب الديني و الطبقي و الاستغلال الفردي او الجامعي و لذلك جعل الكتاب و الشعراء نموذجهم المتبع و نهجهم المقتدى به ومقياسهم الذي يبنون عليه شخصيات قصصهم ورواياتهم و ام ان بزغ فجر القرن التاسع عشر حتى استولى الياس على النفوس و حطمه داء العصر، فلا الحرية التي يتمتع بها ترضيه و لا بداية التطور الصناعي تغريه و لا الاكتشافات الحديثة تستحوذ على قلبه و تدفعه الى العمل بعدما تغرس في روعه بذور الانتعاش والامل، و لهذا اضطر الى السياحة في الارض و احتلال الامصار البعيدة و التحكم في رقاب شعوب اخرى غير ان هذه السيطرة التي كان يمليها الياس من الحياة داخل حدود الوطن الام و الرغبة في استعباد الغير لم تعتم ان تحطمت عندما استفاقت الشعوب المغلوبة على امرها واخذت تدافع عن حقوقها، و هكذا لم يجد هذا الرجل اليائس وسط التطور الصناعي و الرقي الاجتماعي و الازدهار الاقتصادي مفرا غير تخطي هذه الارض و اجتيازها و محاولة استكشاف كواكب اخرى كالقمر و المريخ و الزهرة و غيرها عساه يجد فيها  ضالته و يشفي بواسطتها غليله في السلب و النهب والاستيلاء، فنحن اذن، امام انسان ما فتىء يتطور و يتغير و يتقلب و يتحول و لن يستطيع الادب القوي ان يؤدي مهمته على اكمل وجه الا اذا تتبع هذا الانسان في مختلف مراحل حياته وتطوره حتى يكون الابطال و الاشخاص في الروايات و القصص مماثلين حقيقة لهذا الانسان، و حتى يشعر القارىء و المستمع من خلال حوارهم و احاديثهم الى ان النماذج و الشخصيات التي يقدمها الكتاب و الشعراء شخصيات معاصرة له وحتى لا يظهر بلون شاسع بين الفن و الحياة، و ان من دواعي الحسرة و الاسف ان نلاحظ ان الحياة تتطور و تتحول اكثر مما يتطور الفن و اكبر مما يتحول الادب وانها، و ايم الحق لظاهرة اليمة قد تؤدي بالفنون على اختلاف اشكالها وانواعها الى الاضمحلال و الانمحاء مادامت هذه الفنون لا تساير الحياة المتقلبة المتغيرة و لا تواكب سير الاحداث الجارية في العالم.
فهل اصبح الادباء عاجزين عن مسايرة التطورات التي عرفها ميدان العلم و الصناعة؟ ام ان كتابنا لم يتدربوا بعد على استعمال "الكلمات التي تتفجر عند كتابتها في الورقة او الصحيفة" كما يقول "ليونوف؟"
ان الادب اليوم لا يكتفي بالعبارات الرقيقة والالفاظ الدقيقة و الكلمات الجميلة، لقد اصبح الادب من اقوى الادوات و اكبر الوسائل التي تستعمل لتكوين الافراد و الجماعات، و هو لذلك ملزم بخلق نماذج جديدة تستطيع ان تنسجم مع مقتضيات التطور الحديثة كما انه ملزم باعداد مواطنين سالمين في تفكيرهم متفتحين على ما يجري في العالم، بل هو ملزم بوضع اخلاق جديدة تتلاءم و متطلبات التطور الحديث، وقد تعتبر كل نغمة فاسدة يرسلها احد رجالات الفكر و الادب عرقلة في طريق تحقيق هذا التحول الفكري المنشود لانها لا ستحول دون ظهور الحقيقة التي ينبغي للادب ان يكشف جوانبها الغامضة.
فما على الكتاب و الشعراء الا ان ياخذوا مصادر رواياتهم و مراجع كتاباتهم من "ءافاق المستقبل" ، و من خلال العمل المدهش الذي يقوم به العملة و الشغالون في المعمل و المختبرات والاوراش و الدي يسعى الى تغيير وجه العالم وان يعرضوا عن المغمرات الغرامية التي اخنى عليها الدهر.
و ما دمنا بصدد الكلام عن الانواع الادبية، فمن الواجب ان نشير الى الدور العظيم الذي مازال على المسرح ان يقوم به خلافا لاولئك الذي يدعون بان نجم المسرح قد افل الى غير رجعة ان المسرحية اشرف الانواع الادبية و اجلها لانها انفذ الى النفوس و اسرع الى القلوب و هي اكثر هذه الانواع تاثيرا لانها تدفع بالمتفرج الى المساهمة في حركتها الدائرة بعد ما تشغل باله و تستولي على تفكيره، و هي بهذه المثابة اداة فعالة في تكوين الفرد و المجتمع لذلك يتعين الاهتمام بها واعطاؤها ما تستحقه من العناية و حشوها بالمواضيع المفيدة المنشرة في القرن الحالي حتى لا تكون مواضيعها بعيدة عن اهتمام الجماهير الشعبية التي يتعين ان يستفيد منها اعظم الاستفادة ولن تستفيد الجماهير من هذا المسرح الا اذا تخلى هذا الاخير عن الاشتغال بالعواطف الكاذبة و الموضوعات البعيدة عن المجتمع و اقبل على كتابة موضوعات التي تاخذ بلب الجماهير و تستحوذ على اهتماتها الخاصة والعامة، فهل يستطيع المسرح ان يعد رجل الغد ويهيئه لتحمل المسؤوليات التي تنتظره في المستقبل القريب اذا ما اكتفى بترديد ما كان يقوله السابقون و باحصاء الجزئيات البسيطة التي تزخر بها حياتنا اليومية؟
ان المسرح لن يستطيع الاضطلاع بالمهمة التربوية  الملقاة على عاتقه واداء الدورالخطير في التكوين و التوعية الذي اسند اليه الا اذا تغذى بقضايا العصر التي تشغل بال رجال القرن العشرين وتزود بالمشاكل الشائكة التي تواجه هذا الرجل و التي تتطلب منه تحولا فكريا و عمليا و الا اذا تطرق للتطورات المدهشة التي يفتخر بها هذا القرن.
فالامل مازال معقودا على المسرح حتى يلعب دوره كاملا في تكوين الانسانية و رفع مستوى تفكير ابنائها و مساعدتهم على مواجهة الحياة و تقريب التطورات الجديدة الى افهامهم و فتح اذهانهم على ما يجرو فوق الكرة الارضية و ما يدور بين هذه الارض و الافلاك المحيطة بها.
 و ما يقال عن المسرح يمكن ان يقال عن السينما و التلفزة و الاذاعة و الصحافة و مختلف وسائل النشر و الدعية الحديثة فانها كلها لن تؤدي رسالتها على الوجه الاكمل الا اذا قدمت لجمهور القراء و المستمعين و المتفرجين نماذج حية من رجال العصر و ابرزت كيفية خوضهم لمعركة الحياة في هذا القرن و تغلبهم على المشاكل الجديدة سواء كانت اجتماعية او اقتصادية او سياسية او تربوية واقدمت على عرض هذه النماذج و المشكل في اساليب طريفة تجعلها تنفذ الى الاعماق في اتناد و هدوء و تتسرب الى الاذهان في اطمئنان ورضى
وخلاصة القول فان الاكتشافات الحديثة و التطورات الحالية قد فتحت امام الادب افاقا واسعة و مجالات جديدة يتيعن على هذا الادب ان ينسجم معها و ينفق تطوره مع تطورها حتى يكون في مستوى هذه الاكتشافات العجيبة و يكون بصدق واخلاص، اداة فعالة في طريق التقدم و النمو
و سوف لايتسنى للادب ان يلعب هذا الدور الا اذا كان العاملون في حقله ملمين بما يجري حولهم مومنين بما وصلت اليه البشرية من تقدم علمي و تطور مادي، مجدين في خدمة الاهداف الاخلاقية العليا التي سيظل الادب يخدمها من بين مختلف ميادين النشاط الانساني و التي سيبقى الادباء يحملون مشعلها الى ان يرث الله الدنيا و ما فيها.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here