islamaumaroc

وسائل تكوين الملكة الفنية

  دعوة الحق

العددان 88 و89

في المقال الماضي حاولت ان ابحث عن وسائل تكوين الملكة الفنية، ملتمسا هذه الوسائل فيما ياتي: اخلاص المتادب للحياة، وتعشقه لجمالها و تذوقه لروائعها، واستجابته لاحداثها و مجرياتها، مع تحمله لكل ما قد يتطلبه ذلك من الام واحزان، كضريبة يؤديها مقابل ربحه الادبي الذي يكون عمدته عندما  ينتج الادب و يبدع الفن، ثم حاولت ان ابحث عن و سيلة اخرى في كون المتادب لا يقف من الحياة موقف المتفرج المتلقي، المتاثر فقط، و انما يحاول – جهد امكانه - ان يؤثر، و ذلك بمحاولته ان يقول شيئا، و يكتب شيئا مهما كانت قيمة هذا الذي يقول، و هذا الذي يكتب، فحسبه انه قال و كتب بخلاص و صدق، و هذا من شانه ان يدله على عيوبه الادبية، وثغراته الفكرية ليتلاقاها فيما بعد كما انه يتيح الفرصة لموهبته ان تمر بتطور التجربة الفنية، فتتفتح و تتوهج، تماما كما يحدث للزهرة المضمومة للاكمام عندما تختلف عليها عوامل الطبيعة من هواء و شمس و ماء، فتزهو متالقة فوق فننها الريان.
تلك كانت محاولتي في المقال الماضي، و الان اعود الى نفس الموضوع لالتمس و سائل اخرى لتكوين الملكة الفنية، غير مدع لها لهذا اني اريد الاطاحة بجميع تلك الوسائل، فهذا فوق طاقة انسان اذ ان الملكة الفنية كائن معقد اشد التعقيد، يخضع في تلك لعوامل كثيرة، من الواضح و منها الغامض، منها ما يخضع للبحث و الدرس، ومنها ما هو محفوف بطبقة كثيفة من غيوم الابهام، ذلك ان الحياة بجميع مجالاتها و نواحيها توحي بوسائل لتكوين هذه الملكة. فموجة تتكسر على صخور الشاطىء، او خيط من خيوط الشمس يتسلل الى حجرة غارقة في الظلال، او اهتزاز زهرة يداعبها النسيم، او كلمة مشرقة في كتاب، او نغم شجي في لحن، او لمسة ساحرة في لوحة، او فشل في حب، او خيبة في مسعى، او رعشى في قلب، او طيف في خيال، او حلم في يقظة، كل ذلك و غيره مما لا يمكن حصره، قد يساهم في تكوين الملكة الفنية بطريقة من الطرق، الامر الذي يجعل الاديب مدينا بملكته الفنية للحياة. فكل حرف جميل يخطه، و كل كلمة عذبة يترنم بها، يدين بهما لهذه الام السخية، الغنية، الوفية، الكبيرة القلب، الحياة.
لذلك ليس في امكاننا الا ان نختار و نصطفي عندما نبحث عن وسائل تكوين هذه الملكة، مراعين ما بين تلك الوسائل من تفاوت من حيث الاهمية، حيث نضع اصابعنا على ابرزها تاركين الباقي لفطنة القارىء.
و هنا اجدني امام وسيلة فعالة في هذا الصدد، و هي القراءة الجادة و الهادفة، ولست تجد اثنين يختلفان في مدى فعالية القراء  و تاثيرها على المواهب الفردية، فهذا شىء معلوم بحكم الضرورة، ولكن ما اكثر ما يستكن تحت عملية القراءة من الغوامض، التي اذا كانت غير خافية على الاديب الالمعي، فهي جد خافية على المتادب، طفل الحساة الادبية، فاطلاعه عليها يضبط خطواته، و يبصره بموضع قدميه، ويرفع امامه لا فتات تدل على الغاية التي يهدف اليها.
لذلك، فحديثي في هذه المسالة موجه الى المتادبين بصفة خاصة، هؤلاء الذي يحتاجون الى سند في سيرهم المتعثر، وخطواتهم المضطربة، و حيرتهم التي لا يجدون منها مخرجا. و ما اكثر ما يحيط المتادب من عوامل الحيرة: لماذا يقرا؟ و ماذا يقرا؟ و كيف يقرا؟ و لمن يقرا؟ ماذا ياخذ و ماذا يدع مما يقرا؟  اسئلة يقف امامها حائرا موزعا بين التيارات و الاتجاهات المتعارضة.
و سوف لا اتناول من مشاكل القراءة الا ما يتصل بالناحية التي تعنيني هنا، و هي تكوين الملكة الفنية، واول ما احب ان انبه اليه هنا، هو ان القراءة الحية هي في الحقيقة لون من الوان الحياة، وضرب من ضروب العيش، معنى ذلك اننا عندما نقرا الاعمال الادبية ينبغي الا نعتبرها مجرد معن مصوغة في الفاظ، و الا نكون قد حكمنا عليها بالموت، الموت، الدبي في ابشع معانيه، و احلناها الى مجرد هيكل عظمي لا اثر للحياة فيه. فالمعاني و الالفاظ لا تهمنا لذاتها و انما لكونها تمثل نوعا من الاحساس بالحياة في موقف من مواقفها، و تدل على نفس انسانية في حالة من حالاتها. و مهما قيل عن بعض الاعمال الادبية من انها خالية من التجربة الحياتية و هذا صحيح الى حد ما فانها لا تخلو من دلالة على نفس صاحبها، و لو من زاوية ضيقة فهي قبل كل شيء ادب، و الادب هو نفس الاديب مصوغة في الفاظ، قد لا يحسن هذا الاديب التعبير عن نفسه، و عن تجربته، و قد لا يثير عمله الادبي فينا احساسا قويا، و لكن هذا نفسه فيه دلالة على نفسه، كما تتلقى مؤثرات الحياة، و كما تعبر عنها و كما تعيها. و لولا هذا لما تاتى للمؤرخين، ان يتتبعوا اطوار الشخصية الادبية من خلال انتاجها المتفاوت الدي يمثل طور التسكع، و طور التفتح، و طور الازدهار  و النضج، بحيث تكون دلالة العمل الادبي البسيط، كدلالة العمل الادبي القوي، من حيث تعبيرهما عن النفس، في مختلف اطوارها.
انا لا انكر ان الاعمال الادبية الناضجة تتيح لنا ان نحياها بكل قوانا، لانها هي نفسها حية في ذاتها، قادرة على الالهام و الايحاء، غنية بالملامح الانسانية، ولكن الاعمال الادبية البسيطة لا تخلو من دلالة على نفس صاحبها، مهما كانت قيمتها الفنية.
هذا مع العلم، بان ليست النفوس العالمية المعقدة وحدها هي التي ينبغي ان تحظى باهتمامنا، عند تناول للاعمال الادبية، بل ينبغي ان نتعرف حتى على تلك النفوس العادية الخالية من أي تعقيد، و التي تستجيب للحياة باسلوب لا التواء فيه. فدلالة النص الادبي على النفوس المترفة العالية، كدلالته على النفوس العادية، اذ ان هذه ايضا لها الحق في ان تعبر عن نفسها بطريقتها الخاصة، فتجد لها صدى في اوساط القراء، فيحصل التجاوب الذي يدخل على هذه النفوس نوعا من الطمانينة، ويشعرها بانها ليست ضائعة في هذا العلم.
هكذا ينبغي ان ننظر الى الاعمال الادبية، صورا من الحياة، فيها ما في الحياة من نواحي النقص و نواحي الكمال، من مظاهر الضعف و مظاهر القدرة، من حالات السمو، و حالات الاسفاف، من واحات الهدوء و اعاصير الاضطراب، من دواعي اللذة ودواعي الالم. فان نحن فعلينا اتيح لنا ان نشارك الادباء احداث حياتهم، و اسرار نفوسهم، فنحن نتشائم مع ابي العلاء، و نزهد مع ابي العتاهية، و نمرح مع ابي نواس، ونخوض المعارك مع ابي فراس، ونهيم مع قيس ليلى، نفعل دلك ولو الى حين، فاذا نحن نضيف تجارب الاخرين الى تجاربنا وننظر الى الحياة من الزوايا المختلفة التي نظروا منها اليها. و اثناء ذلك تثار مواهبنا، وتستدعي ملكاتنا، فتتفتح، و تتوهج وترتعش، لكونها خضعت لسلطان عظيم ، هو سلطان الاداب و الفنون، ومسها تيار، من نفوس حساسة مرهفة، قادرة على الايحاء و الاثارة.
قارن هذا بما يمكن ان يحدث، عندما ننظر الى الادب على انه معاني مصوغة في الفاظ لا اقل و لا اكثر. فان الاعمال الادبية تستحيل بين ايدينا حينئذ الى مادة ميتة، يحف فيها ماء الحياة، وتعجز عن ان ترفعنا  شبرا واحدا، و عن ان تنسينا نفوسنا، حينا لتلحق بنا في عوالم اخرى تختلف مناخاتها عن مناخاتنا، ولذلك فهي لا تؤدي بالنسبة الينا رسالة الادب الاساسية، و هي ايصال، ايصال نفس الى نفس، و قلب الى قلب، و حياة الى حياة.
فاذا استطعنا ان نحيا الاعمال الادبية على النحو الذي شرحناه، غير واقفين عند حدود اللفظ و المعنى، بل منسابين الى ما وراءهما من الوان الحس، و خصائص الشعور، متمثلين نوع الحياة التي تنبثق عنها نصوص الادب، كانت القراءة بالنسبة الينا نوعا من التجول في رحاب النفس الانسانية و افاقها، نتبين فيه طبائعها و خصائصها و مميزاتها، في حالات قوتها و ضعفها، سعادتها و شقائها ياسها و املها، انغلاقها وتفتحها. و بذلك تتحول لكلمات عندنا الى انفاس تتردد في الصدر، و الحروف الى دم يجري في العروق، لانها ارتفعت عن ان تكون مجرد اصوات لا تتجاوز منا الحواس.
و نحن اذ نحيا الاعمال الادبية، لا بد ان نقرا ما بين سطورها، و ما بين السطور هو ما لم يقله الكاتب او الشاعر، و انما يوحي به ما قاله و كتبه فعلا.
و الكتاب و الشعراء لا يستطيعون ان يقولوا لنا كل شيء في نفوسهم، و لو بذلوا في ذلك اقصى الجهود، فدائما تبقى في قرارة نفوسهم خواطر و مشاعر لا سبيل الى نقلها على الورق، لانها اقوى من اللغة، و اقوى من كل وسائل التعبير التي يعرفها الانسان، ولان الاحساس بها يكون عادة غامضا، لا يتبينه صاحبه بوضوح، و من ثم يمتنع عليه و يابى ان يخضع لقيود اللغة، هذه التي تريد ان تحبس مشاعرنا و خيالاتنا وافكارنا في قماقم ، و لكنها احيانا تضيق و تضيق، عن بعضى ما نحس و ما نشعر، و هذا هو السر في كونك تجد الاديب الذي يعاود الموضوع الواحد مرات عديدة، وباساليب مختلفة، قصد استنفاذ كل ما في نفسه عن هذا الموضوع، فتكون النتيجة ان يملا عشرات الصفحات ان لم اقل المئات و مع ذلك فهو يعجز اخيرا عن ان ينقل الينا كل ارتعاشة من ارتعاشات روحه، و كل نبضة من نبضات قلبه، فيكون معوله علينا نحن القراء في ان نستشعر ما لم يكتب، وانما اوحى به، و اشار اليه عن طريق الرمز، فاذا نحن لم نفعل، و لم نستطع، فاتنا ادراك كثير من اسرار النفس الانسانية و كانت علاعمال الادبية بين ايدينا مفاتيح لا نعرف كيف نستعملها، لفتح خزائن من الكنوز العظيمة. و ما دمنا عاجزين عن قراءة ما بين السطور،  لا تكون قرائتنا للادب عميقة، قادرة على ان تريب فينا الذوق، وتفتح افاق التفكير الواسعة، وتثير المواهب، و تدفع بها نحو التفتح.
ما بين السطور هو الخاطر الطليق من القيود هو الطائر الهارب من القفص، هو المعنى الشرود الجامح، هو الفراشة التي تروقك بالوانها الزاهية، و حركاتها الرشيقة، ولكن من يصعب عليك ان تمسها باصابعك. هو امل الاديب الذي لم يتحقق، هو المنطقة الحرام، التي لم يستطع الاديب ان يركز فيها قدميه، و اعلام انتصاراته وفتوحاته.  هو الافق البعيد الفاتن بلونه الازوردي، فتنة و سحر ولا شيء بعد ذلك.
فاقرا ما بين السطور، اذا اردت ان تقرا دواوين الشعر التي لم تكتب، و تلتقط انفاس الاديب التي لم تنتظم في كلمات، وتحيا المعاني الكبيرة التي كبرت ان تخضع للفظ المحدود، لكونها غير محدودة، و انما هي الحرية كل الحرية، و من الخير ان تكون كذلك، لتبقى دائما مصدر الهام وايحاء. فلو اننا عرفنا كل ما في نفوسنا واحطنا به، ووضعناه في قماقم لغتنا، لجفت ينابيع الادب في نفوسنا، و سكتت البلابل الصداحة على افنان عواطفنا، و خبت الشعلة الذكية بين اضلعنا، و ما اجمل ان يبقى في اعماقنا دائما شيء لا نفهمه شيء يحيرنا يوسوس لنا، يفتن اذاننا بالنغم، ويسكر عيوننا بالاحلام، فيشوقنا الى ادراكه و تبيانه، متوسلين الى ذلك بصور التبيان، و شاعرية الاسلوب، وتهاويل الخيال، فلا نبلغ منها شيئا، الا اوهاما جميلة و احلاما مذهبه الحواشي، و بذلك يبقى لدى نفوسنا دائما شيء تعطيه، لكونها مملوءة بالاسرار و نفس بلا اسرار، هي نفس فقيرة جافة، عاجزة عن الالهام.
و بديهي - في عرف النقاد - اذ ننسى انفسنا و لو الى حين، لنتقمص شخصيات من نقرا لهم من الكتاب و الشعراء. نستعير اساليبهم في التفكير و الشعور بالحياة والاشياء. فاذا نحن لم نتنازل عن شيء واحد من منطقة نفوسنا، كان ذلك حائلا بيننا و بين نفوس هؤلاء. و لذلك فنحن نلعن ابا نواس اذا كنا محافظين، و نحتقر الشنفري اذا كنا اغنياء، ونذم ابي العلاء و ابي العتاهية اذا كنا عاشقين للحياة و زخارفها، ناظرين شزرا الى المتنبي الذي يرى المجد في الجلاد والطعن، اذا كنا نوثر نفوسنا بالعافية، ونجنبها العقبات. وهكذا فطبائعنا الخاصة، ما لم ننسها عند انهماكنا في القراءة تفسد علينا متعتنا و تحدث هوة بيننا و بين عوالم الاخرين.
و لكن اذا استطعنا ان ننسى انفسنا اثناء القراءة، فنحن لا نستطيع الغائها الا اذا كنا نستطيع ان نلغي الوان عيوننا وشعورنا وجلودنا و ان نغير من امتداد قاماتنا. نحن لا نقصد الالغاء اذن، و انما نقصد النسيان فقط، و هو في امكاننا بشىء من اللباقة الفنية، و عدتنا في ذلك الخيال، هذا الطائر العجيب الذي ينقلنا على جناحيه الى الاجواء التي لم يصلها لا صاروخ، و لا قمر صناعي، و بالسرعة، التي ليس في امكان الوسائل الصناعية ان تحققها. فبالخيال نسهر مع العاشق المتيم، و نبكي مع جريح الفؤاد، و نشارك المتشكك عذاب الحيرة  و محنة القلق، ولبس مع المتشائم منظاره الاسود، وننتشي مع العابث اللاهي، و نسير تارة، ونرقص اخرى، و قد نهدو عدوا، او نتباطؤ في تؤدة، حسب مناخات الادباء الذين نقرا لهم، و حسب طبائعهم المتجلية في اعمالهم.
و عندما نسترد انفسنا بعد فراغنا من القراءة، تخلف فينا هذه الجولات كثيرا من الاراء، التي يكون  لها الاثر الفعال في صياغة اذواقنا، و تكوين ملكاتنا، و توجيه طبائعنا الفنية، اردنا ذلك لم لم نرده، فهذا يتم في بعد عن ارادتنا، اذ انه يدخل ضمن ما تفعله بنا الحياة، عندما نتقلب بين احداثها و مجرياتها، و تهب علينا رياحها من كل جانب، فتنقل الينا كثيرا من غبار احداثها، ورائحة عرقها، و ربما كان تاثير الاعمال الادبية اقوى تاثيرا من مؤثرات ظروف الحياة العملية، لانها صادرة عن بعض الارواح العظيمة، و الطبائع الخلاقة، التي تضاعف الاحساس بالحياة، و تضع في الاشياء مغازي تحولها امامنا الى كائنات اخرى، تثير الدهشة، وتدعو الى الاعجاب، و توحي بالتامل.
و من معجزات النفس الانسانية انها ستفيد من كل ما يمر بها، فكلمة شاردة تطرق اسماعنا، او همسة انسلت الينا على حين غفلة، او سطور قليلة مررنا بها عابرين في صحيفة او كتاب، او حديث سريع جرى بيننا  و بين بعض من نعرفهم من الناس، او حكاية قصتها علينا جداتنا و نحن الاطفال، او تعرضنا لاصطدام مع شخص ما، كل ذلك و غيره تستمد منه نفوسنا عناصر وجودها الادبي، حيث تكون من هذا الخليط شيئا يسمى ذوقا تارة، وفكرا تارة اخرى. و اذا كانت نفوسنا تستمند بعض عناصر وجودها الادبي من هذا الخليط العجيب، الذي لا يخضع لاي قاعدة او نظام، فكيف بها عندما تعاشر الاداب و الفنون، في دقتها وانسجامها و تناسقها، و تركيزها لشوارد الحياة و مغازيها و ابعادها في وحدة فنية يسودها النظام، هو نظام الفكر المنسق، و الصناعة الحاذقة؟  واعتقد ان هذا من مزايا الاداب الهامة، التي تجعلها اجدى من غيرها على المتادب، فهي تاخذ خامتها من صميم الحياة، و لكنها تسلكها في سياق منظم، و تاخذها بالتهذيب و الصقل، و تصل بعضها ببعض، بخيوط من الفكر و العاطفة و الخيال، حتى تكون منها اخيرا كائنا حيا، ماثلا للفهم، محدد الملامح و الصفات.
و قد يكون من مصادفات القراءة العجيبة، ان القارىء عندما ينسى نفسه، ليستعير نفوس من يقرا لهم من الادباء، ربما يصادف ذلك الاديب الذي يملك عليه كل مشاعره، و يثير مكامن اعجابه، ويهيمن على حاسته النفسية، فيصبح له عليه سلطان قد لا يستطيع الفكاك منه سنين عديدة، فهو اذا فكر فبفكره، و اذا شعر بعاطفته، واذا راى فبمنظاره، و اذا تحدث فباسلوبه، و اذا تذوق فبذوقه. وهذا يحدث لكثيرين من المتادبين، فلا يتاح لهم ان يتحرروا من هذا الاستبداد الفكري، الا بعد جهد كبير. و اعتقد ان خير ما يفعله المتادب، حتى لا يقع في شرك بعض الطبائع الادبية، القوية، هو الا يهب نفسه لاديب واحد، يدمن على اعماله وحدها، و انما ينوع من قراءته، متنقلا من جو الى جو، و من مناخ الى مناخ، كما تنقل النحلة بين فنون الزهر. فاذا كان خضوعنا لاتجاه اديب ما، وفلسفته في الادب و الفن لا يلغي شخصياتنا، وانما يتسع لها، و يتيح لها ان تبرز متميزة بطوابعها الخاصة، فلا ضرر منه اطلاقا، خذ لذلك مثلا فلسفة الوجودية، فانك تراهم يمذهبون بمذهب واحد، هو المذهب الوجودي، ولكن تبقى كع ذلك لكل واحد منهم شخصيته المستقلة، فسارتر و كامو، و كولن ويلسون، ليسوا نسخا متكررة لاصل واحد، و انما لكل واحد منهم ابعاده الخاصة، و ارضيته التي يركز فيها ارائه و نظرياته في قضايا الحياة ومشاكلها. و المدارس الادبية  والفلسفية المعروفة، يحتل فيها ادباء بارزون مكان الصدارة، ويلتف حولهم اتباع المدرسة كما تلتف النجوم بالقمر، و لكن هذا لا يمنع من ان يتخذوا اتجاهات متعارضة في فهم المذهب الفكري او الادبي وتفسيره وادراك المشاكل و القضايا المنبعثة عنه، و هذا شيء طبيعي ما دام الناس يختلفون في طرق تفكيرهم، والوان امزجتهم، و اساليب استجابتهم للاحداث، ومقدار ما حصلوا من ثقافة.
و القراءة الحية التي تنمي المواهب، وتكون الملكات هي تلك التي تسلم الى جو من التامل، بعد الانتهاء منها، بحيث لا ننتهي من التفكير فور اغلاقنا للكتاب او رمينا بالمجلة اوالصحيفة، و انما نبقى – ولو الى حين – في اخذ ورد، بيننا و بين من قرانا لهم من جهة، و بيننا و بين انفسنا من جهة اخرى. نحاكم، وننقد، ونامل، ونحاول ان نجعل من العمل الادبي الذي انتهينا منه، صديقا ولى عنا على امل ،في لقاء، ولكنه ترك لنا ذكراه، ذكراه التي تدعونا اليها بين حين وحين، كلما تطلب ذلك دافع من دوافعنا الكثيرة فاذا انتهينا من العمل الادبي، و انتهى بذلك كل اتصال لنا به، الا ما كان من قبيل التاثر التلقائي، كانت قراءتنا طيا للصفحات تلو الصفحات، كاننا في سيارة تنهب الارض نهبا، دون ان نحيا ما تركته فينا من اثار.
العمل الادبي كوردة عاطرة نلمسها، فتترك نفحات من عطرها على اصابعنا، او كالكلمة الطيبة نسمعها فتترك وقعها الجميل في نفوسنا، او كالربيع الاخضر، يخلف بقاياه على الروابي و الحقول بعد قفوله. فعواطف الشعراء واحلامهم، و افكار الكتاب و قضاياهم، لا تحدها جلدة الكتاب، و لا غلاف المجلة، و لا يحول توقيع اصحابها في نهايتها دون انطلاقتها، اذ انها كائنات حية، تتنفس تضطرب، و تتحرك، و تسير، فينبغي ان نفسح لها الطريق، لتعيش بيننا، لا بكيفية محض تلقائية، فهذا لا فضل لنا فيه، و انما بكيفية واعية متبصرة، يتاح لنا معها ان نعاشر هذه الكائنات، على اساس من التفاهم، و الادراك والتامل. و لو فعلنا لوجدنا نفوسنا في حشد من العقول الكبيرة، و الارواح العظيمة، و الطبائع الجبارة، تملا علينا وحدتنا، ونشعر في صحيبتها بالدف و الالفة والايناس و العمق الانساني.
و لا خير في الادب و لا في قرائه اذا لم يترك فيهم صداه، فعيونهم و اذانهم، وعقولهم و اخيلتهم مطلة على عالم مسحور، كل ما فيه حي نابض، جياش بالحركة، مفعم بالحب، هائم في البحث عن الحقيقة، التي يدعيها الشاعر، ويدعيها صاحب الفن، فتملك من الازياء المتنوعة ما تبرز به امام كل واحد منهم جذابة مواتية، توهمه انها له وحجه دون الاخرين، وان هي الا شيء واحد مهما تعددت ازياؤها، وتنوعت مظاهرها. و ليست العبرة هاهنا بالحقيقة نفسها، بقدر ما هي في البحث عنها، و السعي وراءها، مع ما يتطلبها ذلك من اعمال الفكر، و استخدام الحواس، و استدعاء لكل الطاقات المبدعة، فطريق الحقيقة الطويل، هو اعظم ما امتحنت به مدارك الانسان منذ ان وجد الى اليوم، والى ما شاء الله.
و الادباء الذي نقرا لهم كلهم يبحثون عن هذه الحقيقة، كل بطريقته الخاصة، فهذا يطلها بقوة، متسلحا باسلحة العلم، متجها تحوها لا يلوي على شيء، و قد يخطىء الطريق. و هذا يطلبها بلباقة و وكياسة، متلطفا لها، ملتمسا اليها كل الوسائل المحتالة، يراوغها، و ينصب له الاحابيل، واخر يطلبها خاشعا متبتلا، يخرق البخور، و يتقدم بين يديها بروحه الوالهة النشوى. و اخر يتوسل اليها بترقيص الالفاظ، و موسقة العبارات، وتنغيم الحرف، و تمويه الخيال، وجمال الوهم، والقارىء يخرج من كل هذه المحاولات مملوء اليدين، مغمورا من فرع راسه الى اخمص قدميه بالظلال و الالوان، و اللفتات الذهنية، و الاهتزازت العاطفية، و الشحطات الصوفية، والاوهام و الرؤى الجميلة، ياخذ بخيوط هذه الانسجة المختلفة، ليصل بعضها الى بعض، ففكرة عند هذا الكاتب، تسندها فكرة عند كاتب اخر، و راى عند هذا المفكر يجد صداه، في راي مفكر ثان، وهكذا المذاهب والاتجاهات. تلتقي جميعها فيه، لتتجاوب و تتبادل الاصداء، فاذا كان القارىء عاديا، بقي حائرا مضطربا، لا يخلص له وجه الحقيقة بين هذه الاتجاهات المتعارضة، واذا كان قارئا ممتازا مبدعا في قراءته، عرف كيف يستفيد منها كلها، ليكون له رايا مستقلا، و يقيم لنفسه بناء اختلفت الحجارة التي يتالف منها، و لكن تبدو عليه الوحدة والتفرد.
وادن فالقراءة ليست مجرد طي الصفحات، و القفز بين الكتب، بخفة بهلوان، و ما كانت القراءة هكذا الا عند مراهقي الفكر، المفتقرين لشيء من العمق الانساني، العاطلين عن القلق الفكري المجردين عن الوعي الصحيح، و عن نفوسهم و ما يجري حولهم، و ما يكتنفهم من كل جهة في هذا العالم. القراءة الجديرة بتفجير الطاقات، وبعث المواهب، وتكوين الملكات هي ما كان فيها ابداع وخلق.
نعم، ليس الادباء المنتجون وحدهم هم المطالبين بالابداع، بل حتى القراء ايضا. فالاديب المبدع، لا يكون كفاء له الا قارىء مبدع، تغنيه اللمحة، و تكفيه الاشارة، سريع الخاطر، حاضر البديهة، لبق في الادراك، رشيق حركة الخيال، ذكي العين، موسيقى الاذن، صاحب مرونة يستطيع بها ان يتنفس في كل الاجواء، في الجور الصارم، و الجو الضاحك، و الجو الحزين، والجو المظلم، و الجو المشرق، و الجو الطاهر، والجو الملوث، لان الادب هو هذه الاجواء جميعا، و ليس الادب في البعض منها دون البعض الاخر.
و القراء المبدعون يساهمون في النهوض بالحياة الادبية، لانهم يحملون الادباء على الجادة، و استكمال وسائل الابداع الفني، اذ يدخلون في حسابهم عندما ينتجون، ان هناك جمهورا من القراء، دقيق الحس رقيق الذوق، واسع الادراك، يتعشق الانسجام، و الاناقة في اللفظ، و السمو في المضمون و الفكرة، يهيم بمظاهر الجمال، بقدر ما يشمئز من مظاهر البشاعة، يستفسر العبارات، ويستنطق الالفاظ و يستوحي الاسلوب، لا يقنع بما دون المستوى الجيد في فنون القول.
فاذا ابتلي اديب مبدع بقارىء عاطل عن مقومات القراءة الحية، فتلك هي ماساة الزهرة المغموسة في الوحل، و الاغنية الجميلة تلقى الى الصم، و اللوحة الفنية تباح للعمي، و ايات الله تتلى على موتى الضمائر، وغلف البصائر.
و قد يجد القارىء نفسه احيانا امام بعض الاعمال الادبية الكبيرة، التي لا تبوح باسرارها دفعة واحدة، لانها فن عظيم، انفق فيه صاحبه عصارة فكره وذوب روحه، و عالجه بتؤدة و حسن تاني و جاء خلاصة تجربة طويلة غنية، استهلكت السنين ذوات العدد، فكان من الطبيعي ان يتطلب من قارئه مثل ما تطلب من منتجه من جهد و مصابرة، ليتفتح عن محتوياته الثمينة، فيكون متعة للنفس، و ثقافة للفكر، و نزهة للخاطر.
و كم هو ممتع و لذيذ هذا الجهد الذي نبذله من اجل استنطاق عمل ادبي كبير، فالتجربة في ذاتها جميلة، غنية بالمعاني، اذ نجد قوانا المعنوية تعمل وتتحرك، و تعالج معضلات الفن في صبر و اخلاص، تذلل العقبات تلو العقبات، وتفتح الاقفال تلو الاقفال، من اجل الوصول الى كنز من الاطياف مخبوء في لفظ، او ذخيرة من العواطف كامنة في عبارة، او خاطرة عبقرية مندسة بين السطور، بعيدة كالقريبة، قريبة كالبعيدة، تتخايل لنا بالف لون، والف صورة، نعاني منها كثيرا قبل معاناتها هي نفسها. انه حب الجمال، اي جمال، شقاؤه سعادة والمه لذة، ومتاعبه متعة.
و هكذا نفائس الحياة كلها، لا تبذل نفسها بسهولة، فمعادن الذهب الكامنة في اعماق الارض، و اللالىء المستقرة في اعماق البحر، و المعاني القوية الكامنة في الاشياء و المغازي العظيمة المكنونة في الاساطير، وما الى ذلك، كلها بعيدة المنال، صعبة المرتقى، لا يصل اليها الا قوي، شجاع القلب، جرىء الطبع. و لكن ما اطيب الراحة بعد التعب، والاستقرار بعد اضطراب، والوصال بعد فراق.
فلا يياس المتادب من الاعمال الادبية الكبيرة، اذا لم تكن واضحة كما يريدها، و ليعالجها متحملا كل مشاق البحث، ومصاعب التجربة، فان الجنة لا ندخلها الا بعد ان نموت !!
و هنا يجب ان نفرق بين نوعين من الاعمال الادبية المستعصية على القارىء، فهناك العمل الادبي الذي يحتوي فكره قوية، او مشاعر عميقة، و مع ذلك تراه معقد الاسلوب، كثيف اللفظ ، ملتوي الاداء و هذا نبعده من دائرة الفن الرفيع، لانه تعمية على القارىء، و ايهام له و تغطية للفقر الفكري بالالفاظ الرنانة، و العبارات ذات الفرقعة والضجيج. و هناك العمل الادبي الذي ينبع غموض اسلوبه من ضخامة الفكرة و دفة المشاعر، و سمو القالب الفني، وهذا هو المقصود عندي و انا ادعو المتادب الى المصابرة الطويلة، امام الفن الادبي البعيد المنال.
و لكن كيف يتاتى للمتادب ان يفرق بين النوعين؟ هنا ياتي دور النقاد، فهم بما يملكون من وسائل البحث الدقيقة، والاوذاق المتمرنة على تذوق شتى الطعوم الادبية، قادرون على ان يدلوا المتادب على الغث و السمين، الاصيل و الزائف، من اعمال الادباء. و على المتادب نفسه ان يستفيد من تجاربه الماضية، للاستعانة بها في هذا الصدد، بحيث لا يقف مكتوف اليدين، منتظرا ان تكون المبادرة الاولى من طرف الناقد، و قد لا يكون هذا الناقد في بلد كالمغرب ما زال متخلفا من الناحية الادبية، و حينئذ يكون المتادب مدعوا للاعتماد على نفسه و مواهبه، في التمييز بين ما يقرا من نصوص الادب.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here