islamaumaroc

من أعلام الأدب الاسباني: روبين داريو -2-

  دعوة الحق

العددان 88 و89

كانت الظروف التي أحاطت بنشأة روبن قاسية، مفرطة في القسوة، وبرغم ما كان يبذله قريباه من جعله لا يحس بشيء من ذلك فقد كانت الأيام ما تفتأ تهتك له من الحين للآخر ستارا عن فصل من المأساة الحزينة التي كان واحدا من أبطالها.. ولقد كانت قسوة ظروفه وإحساسه العميق بها هو الذي دفع به، على صغر سنه، إلى البحث عن مورد رزق من أجل الحياة، وكان أول ما اشتغل به مهنة التدريس، ولكنه لم يمارسها إلا فترة قصيرة، ثم تركها، وكان عمره أربعة عشر ربيعا حين غادر مدينة ليون Leon إلى منكوا Mangua ليس معه إلا قليل من مال ودعاء السيدة برناردا سار مينطو، وهنالك هيأت له الأقدار منصبا بالمكتبة الوطنية. قد أتاح له هذا المنصب فرصة تنمية مواهبه الأدبية وصقلها وتهذيبها بالقراءة الغزيرة والاطلاع المتواصل(1)، ويتحدث الأستاذ الناقد خوان أنطونيو ثابناس في كتابه الممتع عن روبن داريو إثر توظفه بالمكتبة الوطنية بمنكوا: "روبن بدأ يوسع ثقافته، يقرأ بشوق تحت توجيه شاعر عجوز هو المكتبي أنطونيو دي أراكون". لقد اطلع، يومئذ، بصورة واسعة على آثار الكلاسيكيين الاسبان وذخائر الرومنطيقيين الفرنسيين والاسبان(2)، وفي هذه المكتبة كانت لقاءاته مع ليولا وهوميروس وفيرخيليو ودانتي، ويطراكا، وشكسبير، وسرفنطيس، وكونكوره، وهوجو، وجوته، المعالم العظيمة الرائعة المنتصبة على طريق الفن والأخلاق والجمال، قرأ إنتاج هؤلاء وغيرهم من العباقرة بتمعن وروية حتى ترسب في نفسه من آثارهم خطوط وظلال كانت له رصيدا ثرا يستمد منه فيما يكتبه من أعمال في مستقبل الأيام.
و يذكر روبن نفسه بأنه قرأ "في تلك الفترة مداخل مكتبة المؤلفين الاسبان" كما صادق نخبة من الأدباء والمؤرخين والمربين، وكما أفاد من صحبة هؤلاء أفاد من مواظبته على حضور تلك الندوات الأدبية والفكرية، فكان حقا في تلك السن المبكرة من ثمره كما وصفه الأستاذ كابتاس "اسفنجة تمتص العصارات المختلفة للثقافة"(3)
لم يستقر به المقام طويلا في منكوا، ذلك لأن قلقا نفسيا، وتطلعا إلى "مثل" يبتغيه فلا يجده، وشغفا بذرع أرض الله، كل ذلك كان حافزا له على عدم الاستقرار في بقعة يحل بها.. لقد ترك منكوا ميمما وجهه شطر جمهورية سلفادور، فما كاد يمضي بها أياما حتى دعي للتحرير في صحافتها المشهورة يومئذ، غير أنه لم يقم هناك طويلا، فلقد حمل ذات يوم حقيبته وودع سلفادور عائدا إلى وطنه لينفق به فترة يشغل خلالها منصب كاتب بسكرتارية الرئاسة، ويدبج مقالات ويكتب شعرا تزدان به أعمدة الصحف النيكاراكوية.
وفي غضون سنة 1885، شهدت الأسواق الأدبية بمنكوا صدور أول ديوان لروبن، سماه: رسائل وقصائد Epistolas y Poemas وكان طبيعيا أن تعكس صفحات هذا الديوان تأثر روبن المحسوس الملموس - إلى حد التكرارية والاجترارية - بمن كان يقرأ لهم يومئذ من رواد الرومنطقية في القرن التاسع عشر.. ومن ثم قيل عن ديوانه هذا بأنه يتضمن قصائد تافهة ليست إلا صدى أو "مسخ" لشعر بيكير وكاميواموروثوريا وفيكتور هوجو، والحقيقة أن أشعار روبن التي كتبها وهو في مطلع حياته الأدبية مترعة بالثقافة والإحساس الرومنطيقي، وليست تعكس شخصيته كما ستعكسها آثاره الأخرى فيما بعد، وإنما كانت آثاره الأولى تحمل أنفاس بيكير وكاميو أومور ونونييت دي أرثي وهوجو، وتتسم بميسم البارناسيين(4)Parnasianos Carnasianos وأصحاب الأغاني وبرثيو وكونكورة.
ومرة أخرى يترك روبن داريو وطنه نيكاراكوا، متوجها إلى جمهورية الشيلي نتيجة لهزة عاطفية كما يزعم هو نفسه، وفي ربوع الشيلي الجميلة الفاتنة أقام روبن ثلاث سنوات "1886-1889" اشتغل أثناءها محررا بجريدة الفترة La época ومراسلا لعدة صحف ذائعة الصيت، منها جريدة الأمة La Nacion التي كانت تصدر ببوينس إيريس عاصمة الأرجنتين.
وتعد هذه السنوات الثلاث التي قضاها روبن في جمهورية الشيلي انطلاقة الخصب الأدبي الممتاز والعطاء الشعري الجيد في حياة روبن، فإلى جانب المقالات المتعددة التي كانت تنشرها له صحف الشيلي ومجلاتها، أصدر روبن ديوانين يتضمنان قصائد رومنطقية، أولهما: هو آلام: Abrojas، "سنتياكو 1887"، والثاني هو: الورود الأندينية (5) La rosas andinas، "فاليريو 1888"، واشترك معه في هذا الديوان الشاعر روبن روبي، كما كتب روبن داريو بالاشتراك مع الكاتب ادواردوبيرريبو قصة طويلة بعنوان إملينا Emelina، فاليويو 1887: نشرت مجلة منجمة في إحدى صحف الشيلي.
على أن كل ذلك جميعه لم يذع اسم روبن في أقطار الدنيا ولم يلفت إليه أنظار الأدباء والنقاد في مختلف الأصقاع كما سيمكن له ذلك كتابه الرائع الخالد "أزرق Azul" الذي أصدره في فاليريو سنة 1888.
وفي معرض الحديث عن رائعة روبن الخالدة "أزرق" يصور الأستاذ خوان أنطونيو كابناس(6) إحساس عمال المطبعة وهم منهمكون في تصفيف حروف كلمات "أزرق"، فهم يبصرون قصورا وجنانا ونساء "ميثولوجيات" عاريات وعصافير وأميرات "الركوكو" الجميلات، وهم - أي العمال- يصغون إلى أنغام منومة، ويستنشقون الأنسام العلية، وفوقهم نشرت الملكة "ساب" الشعر الأزرق للأحلام الحلوة، إن عمال مطبعة "فاليريو" مأخوذون وهم لا يفهمون هذا النثر وهذا الشعر، الكلمات ليست هي الكلمات التي ألفوا خروجها من صناديقهم، ماذا جرى؟ كيف يتحول الرصاص ذهبا ومرمرا وجوهرا؟ وكيف يتحول، أيضا، إوزا ونجمة وزهرة؟ إن الكلمات لتبدو لهم حديثة عهد بالحياة، ليسوا يعرفونها هم الذين "صففوا" نثر وشعر كبار الأساتذة الاسبان.
هل يكفي ذلك لتصوير روعة "أزرق" هذا الكتاب الذي طار باسم روبن كل مطار، وخفق به في كل سماء؟
بصدور "أزرق" شغل روبن بأدبه الدنيا والناس، ولفتهم جميعا إلى نيكاركوا، الأرض الطيبة التي أنبتت هذا النبوغ عديم القرين.
وارتفعت صيحات الإعجاب والتقدير من حناجر كبار النقاد، فهذا كولد برج يؤكد بأن "أزرق" هو الصاروخ الذي أعلن مولد "المودرنسيم" في الأدب الاسباني، وهذا ضون خوان فاليرا يكتب إلى روبن - بعد قراءة أزرق - ليقول له: "أنت لست رومنطقيا ولا طبيعيا ولاعصبيا ولا متخلفا ولا رمزيا ولا بارناسيا"، وهذا يعني أن روبن كل ذلك، ولكنه بالإضافة روبن داريو الذي قدم للعالم عسله المصفى وسمه المقطر: شعره.
يقول الأستاذ كابثاس: بعد صدور "أزرق" وجد شيء جديد في عالم الأشكال المثالية، شيء حلو، كعطر جديد، ولون جديد، ونغم ملذ جديد، اللون الأزرق انفلت من قوس قزح ليغذو مرتعشا في صفحات روبن، كما من قبل في لوحات الرسامين البدائيين.(7)
ويقول روبن نفسه:
"الأزرق هو بالنسبة إلي لون الحلم، لون الفن، اللون الإغريقي و"الهومروسي(8)"، لون المحيطات والسماوات".
إن روبن، بتحفته الفاتنة "أزرق" أقبل على آفاق الفن الرحيبة بما يقبل به عادة كل شاعر أصيل، شكل جديد للإحساس بالجمال والتعبير عنه، فليست أقاصيص "أزرق" وقصائده إلا سمفونية، عبقرية، ملذة، تعزفها رحاب الكون لكل ما ومن في الكون.
لقد رحب كبار أدباء الكلمة الاسبانية يوئذ بـ "أزرق" روبن، وتضمن سجل الأدب الاسباني عبارات وتقدير وإعجاب وافتتان من طرف ضون خوان فاليرا، وإميليو كاسطلار وكاسيار نونييت أرثي ورامون دي كامبوأمور وأيوبلدوالاس "كلارين" وخوسي ثورييا، وغيرهم، وغيرهم كثير.
إن "أزرق" - بعبارة موجزة - هو الكتاب الذي أعطى شهرة وذيوع صيت في عالم الأدب، وهو النور المشع الدي أرهص بانبثاق فجر جديد في آفاق الآداب الاسبانية، واذا كان روبن يبدو في ديوانه الأول "رسائل وقصائد" مقلدا مرددا لأخيلة وصور ومضامين رواد الرومانطقية فإنه في "أزرق" يسجل تخلصه من التبعية والتقليد واجترار ما قاله غنائيو الأدب الاسباني في القرن التاسع عشر، وليس يعني هذا أن صفحات "أزرق" تخلو من أي تأثير خارجي، بل إنها تنضح بتأثيرات كثيرة ومختلفة، ولكنها مهضومة ومتمثلة.
-
(1) انظر : ? t ,Hisoria de la Civilizacion
(2) انظر : Antologia de la Gerarda Diego, Poesia espanola cotemporanea
(3) راجع: Juan Antonio Cabeaas, Rabén Dario( un poeta y una vida) c, Austral; Segunda edicion
(4) اليارناس – هو فيما تتحدث به الاساطير الإغريقية جبل كان مستقرا للهة الشعر، وانتسب اليه جيل من الشعراء الفرنسيين في القرن التاسع عشر، فسموا" يارنسيين"ومن اروع انتاجه: السعادة
(5) والعدالة. La justicia .
    نسبة إلى سلسلة جبال اندس Andes بامريكا الجنوبية، تمتد من وادي اطراطو إلى رأس ارنوس، وهي تشغل مسافة 1.800.000 كلم2 وتمتد 7.500 كلم، وبها يقيم الهنود الحمر – راجع دائرة المعارف Monitore ص 323 ج 1
(6) انظر كتابه: 62 Rabén Diario (un poeta y una vida) c Austral,segunda edition, p
(7) المصدر السابق
(8) نسبة إلى الشاعر هو ميروس

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here