islamaumaroc

حج الأدباء

  دعوة الحق

العددان 88 و89

ألا قاتل الله أبا نواس حين حج فراح يقول:
حججت وقلت حجت جنان           فيجمعنا وإياها المسير
فلقد دخل هذا البيت في وساوس فكري، وأنا قائم بلباس الإحرام، تحت رواق شاهق من مضارب الضيافة في بيداء عرفات ولم تكن الشمس لافحة هذا العام، فكان رقراق من النسيم يترامى ليبهج الحج ويحمل إليه رفاهية الجو الذي كم ألهب تحته الرؤوس
جلست أترشف القهوة المذابة بحب الهال، ثم لأعب بعدها كاسات الشاي، يدخل علينا بها نادل سخي مؤتمر بأمر سيده الوزير المضياف، وحان موعد راحتي فدلفت إلى خيمتي فإذا هي موقد تكثفت فيه أشعة الشمس من خلال ألوانه الحمراء والخضراء، وكان أشبه بمستحم تفصد فيه عرقي من عروقي، فجوزيت بما أكثرت من كاسات الشاي، ماء بللني
و كان يداعب خواطري الشعراء والأدباء الذين حجوا قبلي، فأخذت أفكر بالشاعر الغزل عمر بن أبي ربيعة، فأتمثل بصحبه وحشمه حاجا، وقد نهض بلباس إحرامه الأبيض، بض الوجه منسكب الزندين فارع القامة، مثلما وصف نفسه ذلك الزير للنساء، في جماله الذي كن يلحقنه إليه، وكان عمر بن أبي ربيعة يحج ومعه صديقه وصفيه خالد الخريت الذي كان يسمى بيته بالحب، وبين صويحباته، وكان يقيس للقائهن ذراعا، كلما قسن أصبعا، ولقد جعلت أشك بتلك الروايات من ملاحقة الشاعر في الحج لبنات عبد الملك وللغواني الأميرات، ثم عكفت عليه بالتلوام، وأنا أسدر بنظراتي إلى أمواج الخيام البيض متراصة بعرفات، كأنهن مبتهلات برؤوسهن إلى السماء، لقد عنفت على الشاعر الحجازي القديم في عصر بني أمية، كيف لها بالنساء والغزل والصيد عن داعية الوطن، والهبة بأهليه لحال أفضل غير المكاسب يومئذ والراحة وانتظار مواسم الحجيج، وقلت لو أن عمر بن أبي ربيعة انصرف عن النساء إلى حياة الوطن وغياث الأمة، لكان للحجاز غير ذلك الشأن في ظلال بني أمية الذين أفقدوه زعامته الفكرية ولم يستطيعوا أن يفقدوه زعامته الدينية
وجلست أقضي نهاري بالتسبيح الديني وغالبني التسبيح الأدبي، فقلت هذه الأبيات من شعري وأنا أناجي الشاعر الخالد أحمد شوقي شاعر القرن العشرين:
أمير القوافي جئت بالشعر هاديا        وخلفت فيه الذكر لله شاديا
 أيا شاعر الإسلام في نهج برده        تزملت حتى الحشر ريان حاليا
وسبحت خلاق البرية حيثما            وجدت سنيات المعاني بواقيا
فهل عرف التاريخ في الله شاعرا      يضاهيك؟ لا والله لم نلق ثانيا
فليتك جئت البيت تلق جماله            على مكة البطحاء بالخلد باديا
ومن حوله العبـاد بالوجد عكف        يناجون ربا للخليقة راعـيا

إذن لكتبت الشعر في وحي (أحمد)       وصغت الدراري في الزمان قوافيا
وإنه لحق، فلو أن (أحمد شوقي) حج لأعطى دنيا العروبة والإسلام آثارا من شعره لا تفنى، كما أعطى موطني العربي السوري من قصائده غرر شعره في وصف مباهج الشام، والدخول إلى دمشق، ورسم نهر بردى، وتصوير دمر والهامة، وما فيها من مناظر الجنات الخالدات، لكان وصف مكة والبيت العتيق وجبالها المحيطة بها، ولتغمر من زمزم حتى ارتوى، ولجاء مسجد رسول الله صلوات الرحمن عليه سادرا في غيابة التوله والابتهال الإلهي
ثم انقلبنا في في اليوم الثاني إلى المزدلفة وحللنا بمنى: ومنى مدينة ضاحية فيها مبان، ولها شارعان متسعان كبيران يحدق بهما جبلان متراميان قد ركبهما الحجاج بخيامهم، وانحطوا على السفح حتى دلفوا إلى الشوارع
وكانت رعاية القائمين على الحكم تبلغ حدود التفاني في خدمة الأمم الحاجة، وقد بلغت هذا العام ثلاثمائة ألف عدا حجيج المواطنين، رعاية ما شهد مثلها في السهر على ما يريح الحاج ويحفظ ماله وصحته، وفي مقدمة هؤلاء وزير الأدب والفكر الأستاذ الكبير محمد عمر توفيق وزير الحج والأوقاف
وحين أخذت أجول في شارع (منى) في زحام يوم الحشر، أمضي إلى رمي الجمار مع وفود متراصة متسابقة إلى رجم إبليس، وحين بلغت في أشد التزاحم، ذلك المكان من "حجرة العقبة" كادت تصيبني شظايا الحجارة المسماة بالجمرات، وقد تراكض القوم بالجموع المسلمة لرمي الشيطان، وفي قلب كل منهم غل عليه، وقد رفه على ذلك الجهد الذي جهدته ذلك المساء صديق لي  قال:
- زاحمت امرأة مصرية حاجة بمنكبيها المكتنزين الجموع الحاشدة حتى بلغت مكان الرمي، فقذفت الشيطان بحجر ذي حجم، وهنفت به صائحة: (يا ابن الكلب، فرقت بيني وبين "حماد"خذها
فهوى الحجر إلى جانب المرمى، فصكه وارتد على جندي من الحراس فضرب جبينه، فقال لها الجندي:
- وأنا عملت لك إساءة حتى ترجميني؟
و قد ءاثرت إيراد هذا القصص لأدل على مبلغ الاعتقاد الديني في رمي الجمار
و مضينا بعد الإقامة (بمنى) نشق قبيل منحدر الحجيج منها، وقد سدوا الأفاق بسياراتهم ومراكبهم الثقال، فحصلت منتصف الليل لأطوف بالبيت العتيق وأعيد إلى مشاهدتي روعة ما اعتراني فيها أول مرة دلفت فيها إلى الحرم الأقدس أطالع الكعبة طلع الدهشة الغامرة والإعجاب الكبير
لقد كنت أتهيا صيف 1960 لدخول باريس ومعي أحد أدبائها فقال لي:
- ستدهش حين ترى باريس أم بلاد العالم، فإن حقيقتها أكبر من حلمها
وحين دخلتها لم أدهش كثيرا، إذ كنت عرفتها بالصور والمشاهدات التلفزيونية وفي السينما، وتبينت أحياءها في دليلها حتى كدت أسلكها وحدي بغير دليل، وحين غمرتني مشاهدتها الأولى بذلك الصيف أكبرت هولها، لكن حقيقتها لم تكن أروع من خيالها عندي
أما الكعبة - زادها الله تعظيما وتشريفا- فإنني عندما قدمت على رحبتها، وضمني صحنها بالمرمر المسنون وجدت حقيقتها أروع من خيالها في تصوري
وليلة مجيئي من (منى): طفت بها أشواطها السبعة في زحام رفيق، وكان بين الطوفة والطوفة يدق كتفي رجلان يحملان على محفة عجوزا أبت إلا أن تحج وهي مثقلة بالسنين والمرض، ثم خرجنا إلى السعي بن الصفا والمروة فأشهد أنني وقد خطوت الخمسين خففت في السعي، وكأني ابن عشرين، إنه لمشهد رهيب بأفواج الساعين ذهابا من اليمين وعودا من اليسار، والهين تائبين قانتين.
ولقد جعلت استعيد في بالي أقوالا من شعر دانتي صاحب الأهزولة التي صنعها لضفاف الحجيم وجعل الحجيم لها "مطهرا"، إلا أنه لغاشم كبير، فإن الدين الإسلامي الحنيف جعل المطهر الحج من كل ذنب وحوب، وهذا سر إقبال المسلمين من أشتات بقاع الدنيا على الحج، ليغسلوا به كل ما كدر نفوسهم، وليعيدوا تلك النفوس جديدة نقية من أكدار الحياة
و لقد كان قنوتي وإيماني يفيضان على أحاسيس تفجرت في نفسي بأنوار الإيمان، منذ حللت مكة هذا العام الجامعي، مندوبا من وزارة التربية السورية للمحاضرة بالأدب العربي والإسلامي في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، فانتهزتها سانحة للحج، فحججت، ولقد عشت خلال هذه الشهور بين جبال مكة متوحدا مثل راهب من رهبان الفكر، أدير عند الصباح من مسكني عيني بهذه الجبال الملتفة وهي تحدق بمكة، فأسألها على جفافها وجفائها:
- يا لك من منازل أنزلها إسماعيل وأبوه إبراهيم في واد غير ذي زرع، كيف أطلعت زرعك؟
فكان صدى داخلي يحور خلال نفسي بصوت رهيب حينا،  حنون تارات، يقول:
- لقد أطلعت نبعا سقى الدنيا بشراب الخلود، أنا من مهادي درج محمد بن عبد الله رسول الإسلام - صلوات الرحمن عليه-
ولكم شاقتني الينابيع الثرة منحدرة من جبال لبنان، أو منسكبة من بردى، نهر بلدي الحبيب، فتشيهت منها نقبات، لم ألبث أن وجدتها في قلبي وعلى لساني من نبعة الرسول الحبيب. إنني حين زرت مرقده الأعظم أطللت عليه من شباك نحاسي متوهج وأطلت المكث في رحابه أقرأ له سورة الفاتحة ولصحبه الميامين الذين أعطوا دين الإسلام مجدا لا يزول إلا مع زوال العالم، وكانت زوجتي الكاتبة وداد سكاكيني تشاركني الزورة حين زرت مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم قبل الحج بشهرين، وقد جاءت مكة لإيناسي أسبوعين فحسب
وجلست بجانب ناسك من سدنة المسجد النبوي الأكرم فقلت له ما اسمك أيها الشيخ؟
- اسمي عبد السلام
- و كم عمرك في خدمة الرسول؟
- منذ كنت طفلا وأنا اليوم في الثمانين
- والله لأذكرنك في كتاب من كتبي.
وهببت لمفارقة المدينة المنورة، وقد كرمنا أنا وزجتي كبير وجوهها السري العظيم الاستاذ حبيب أحمد محمود ورجال من أدبائها الصيد الميامين، وقد كان بيت صعد من خاطري وأنا أغادر المسجد قلت فيه:
ودنوت من جدث الرسول أضمه    وأقول يا ويحي فكيف أفارق
وعدت إلى دنيا الأدب التي أعيش فيها، فأخذت أجاذب بالشعر عمر بن أبي ربيعة، وأسميه شاعر الحجيج، وأديب الطواف حيث كان يقول:
ولما قضينا من "منى" كل حاجة      ومسح بالأركان من هو ماسح
  أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا        ولم يسأل الغادي الذي هو رائح

      

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here