islamaumaroc

مع مقال: "ديوان العدد الماضي"

  دعوة الحق

العددان 88 و89

دخل احد الادباء .الى مكتبة كبيرة في لندن وطلب من صاحبها كتاب: (ما حققه ت س اليوت) فاجابه الكتبي في احتقار (و هل حقق شيئا؟..) فخرج االديب في غاية الانفعال ليسجل انطباعه في مقالة طريفة.
اتيت بهذا الخبر و لاؤكد على ضوئه ان هناك كثيرا من الناس من يغمطون الادباء كل فضل و يحتقرونهم، و ينظرون الى انتاجهم نظرة متعالية، وابرز ما تنطوي عليه هو الرفض المطلق للحقيقة، والاصرار على عدم الاقرار بالواقع، وليس معنى هذا ان الناس يشتركون جميعا في الظهور بها، ولكننا نلحظها بالخصوص متابة من هم على مسنوى ثقافي محدود ممن ينظرون الى غيرهم فيجدونهم يتوقرون على قدرات كبيرة، و على طاقات شابة تتوفر لها كل اسباب الخلق والابداع، فيتطلعون الى مواكبة اصحابها و يحاولون اللحاق بها بدون سابق عمل، غير انهم سرعان ما يتعثرون في وحل واقعهم وشعرون بالخيبة المريرة، ويتسرب الياس الى نفوسهم، و ينقلب اعجابهم الى كراهية مطلقة، بل انهم يذهبون الى ابعد من ذلك، بحيث تصبح نظرتهم تفيض بالنقمة و الكراهية لكل عمل فني، و كيفما كان، ولا يميزون بين الجودة والضحالة، فهم بكل بساطة تسيطر عليهم روح الانانية و الشر ويشذون عن القاعدة العامة، و تصبح افكارهم كافكار المجانين، ولكنهم و بدافع الانا المسيطرة عليهم يضعون انفسهم في منزلة لا تقرها لهم ثقافة، و لا تدعمها مؤهلات مناسبة، وصاحب المكتبة الذي ذكرناه من صنف هؤلاء، و بجوابه القصير افصح عن هويته، واستطعنا ان نعرف نوع الروح المخبوءة تحت لسانه
في انجلترا لا يجد امثال صاحبنا أي سند و تنكشف حقيقتهم بسعة، و ليس لهم أي خطر على مستقبل الثقافة هناك، اما عندنا في المغرب فان لهم صولة و أي صولة، و هم من الكثرة بحيث اصبح لارائهم وزنها الثقيل و اصبحوا يتقدمون بكل جراة أي تقييم الحركة الادبية المعاصرة، و يجدون السند اللازم في كل ما يكتبونه عن هذه الحركة المسكينة من دراسات و ابحاث، و بشجاعة نادرة يخرجون على الناس و كانهم  بذلك يريدون ان يقمحوا الكلمة النقية الطيبة في دنيا الانحراف والزيف، ويرغموها وسط حماة لاسطحية والجهل.
انا  لا اتحامل، و يشهد الله انني في غاية الهدوء، و ليس من طبيعي ان ارد بالعنف، و لكن الحقيقة احيانا تفرض علي ان اكون جد صريح فيما اقوله، لهذا اؤكد ان ميزان السيد محمد الشعرة في العدد الماضي لم تكن فيه غير كفة واحدة، وينم على ان صاحبه و ان كنت اقول بانه من نوع رفيقنا صاحب المكتبة، فان كتابته هذه المرة شبيهة بما قاله صاحبنا عن كتاب "اليوت" و الا فما معنى هذه الاحكام المطلقة الجريئة التي اتى بها في تقييمه للعدد المذكور؟ ان اهم ما يحتاج اليه التاقد هو الثقافة االغريرة الواسعة، والممارسة الطويلة المستمرة، ولاذوق الجميل، والموهبةالفنية، والاستعداد النفسي الازم، لهذا ليس بوسع كل واحد ان يكون ناقدا، وراقني جدا ان ينتبه الشعرة الى هذه النقطةعندما قال،:" ان النقد اختصاص قبل كل شيء" و لكنه عاد وانقاد وراء القلم ليتيه في فذلكة فارغة و ليلوك لسانه بكلام غير مفيد، و من غير ان اخوض في مسالة الاختصاص او اسال السيد "الشعرة" عن نوع اختصاصه، اؤكد ان الناقد لا ينبغي ان يتكىء على ذاته و يمزج بين ما يكتبه عن غيره و بين ما ينتابه من انفعالات ذاتية، لان ذلك يفسد النقد و يجعله خاضعا لمختلف التاثرات التي توحي بها اللحظة و لكي يحفظ الانسان نفسم من الوقوع في شرك ذاته يجب ان يكون اخلاقيا، مثقفا و ليس معنى هذا انني اعتبر الثقافة هي كل شيء في الموضوع و لكنني اعتبرها عنصرا مهما يشكل مع غيره من لاعناصر الاسس الضرورية للنقد، بمعنى ان النقد ليس عملية اسقاط للثقافات على الاعمال الادبية، و انما هو استعانة بها لفهم هذه الاعمال، اما مهمة التقييم فتقبى موكولة للذوق، لان مهمة الثقافات هي صقل الذوق وتعميقه، ولا اريد ان اشرح ه النقطة لانها من البديهيات و المسلمات و قد حاولت مرات عديدة و لك هدوء ان استكشف عن هوية السيد "الشعرة" من خلال صدفات نقده ووجدت كتابته عبارة عن تحامل كبير صيغ في قالب لفظي ناشز ووجدته يقفز الى اسنتاجات وهمية تشبه تلك التي يستنتجها اولئك الذين لا يزالون في اول عهدهم بالقلم.
و تسالني: (ماذا قال في نقده) و اجيبك: (ان ما قاله كثير، و تعمد ان يقحم فيه اشخاصا اخرين خارجين عن نطاق ديوان العدد الماضي.
و ساقتصر هنا على اثبات ضعف ارائه فيما ذكره بخصوص قصيدتي (مع البحر) المنشورة بالعدد الماضي فمذا قال عنها؟  قال: "البحر هذاالموجود العظيم الهائل، ولازاخر بالحياة و الموت هذه المتاهات من المياه البحر هذا القاذف بامواجه ابدا الى الشاطيء، بمائه االزرق، وزبده الابيض الهش الصامت انا، المصطخب احيانا هذا كله، و غيره، ماذا تراه يفعل في قلب الشاعر و عينه وحسه، ذلك ما اراد ان يقوله لنا الاستاذ حسن الطريبق فهل افلح؟ يجدر بي ان اقول ان الموضوع قديم يظهر ان "ناقدنا" يحاول ان يستكشف عن عالم نفسه، ولم يحاول ان يفهم ان كل انسان يحمل في داخله عالما اوسع من البحر، و قد يرى الشاعر الكون كله في نفسه، ولا تريد ان اخلق تعليلا لما يقوله لاشاعر عن نفسه، و ان كان "اليوت" قد شرح هذه القضية شرحا جميلا عندما اوضح ان لاشاعر عند ما يهم بكتابة قصيدة ما فانه يحس بشيء في داخله لا يفهمه. فيداب على الكتابة لياتي بما ساماه بالمقابل الموضوعي لهذا الشيء الغامض و قد يكون من احب السماء و اوسع من البحر، ورحم الله الشاعر على قوله:
و حسبي بنفسي عالما لو كشفته      تعجبت مما سوف يحمله البقر
فالمسالة تعود الى الى الاحساس، و لا احب ان اجهد نفسي في احساسي و كان في الحظة التي كتبت فيها هذه القصيدة، لانني مهما حاولت ان اتي بتفسير يماثل ما جاء في القصيدة، واتاسف لكون السيد "الشعرة" لم يفهمني من خلالها.
و قال ايضا: " و ان كان لي من طلب على لاشاعر فهو ان يحاول – ارجوه- التخلص من هذه العواطف المبتذلة "الممضوغة" بيم فكي كل من هب ودب، اون يسمو بنفسه الى الاعلى شيئا حتى ينقذ نفسه مما قد يتورط فيه: "ان تدوسه عجلة العصر المسرعة" فلما ذا مثلا هذه اللهجة الخطابية القديمة:
يا بحر، كم تهتاجني وتثيرني  زفرات قلبك حين تصطفق المياه
يا بحر، يا مهد الخيال وسره  يا مقلة الاوهام يا لغز الحياة
نعم انها مانت في يوم تثير الاعصاب و توقظ كوامن السعور. اما اليوم فلا)
ام عن العواطف فانني لا استطيع ان احقق رجاء السي "الشعرة" لعذر قاهر، هو اني عواطفي الخاصة، و لا يهمني ان اقول عنها انها قديمة، لانها ليست قديمة، و لم اشعر بها ا في نهاية شهر يناير من سنة 66، فلو كان هذا هو المنطق، لاسائد لقلنا ان الشمس قديمة ويجب ان نعرض عن رؤيتها في عالم القرن العشرين، ولقلنا ان ادم قد تالم كثيرا عندما قتل احد ابنائه الاخر، ولا ينبغي ان نتالم نحن ايضا، و لقلنا ان الفرح كان موجودا عند قدماء المصريين و غير المصريين، وينبغي الا نفرح اليوم لان الفرح قديم انه منطق غريب يدعو اليه، "ناقدنا الجديد" و هو ابتكار خارق في مجال النقد، و هو تدخل سافر في الاحساس الخاص و الدوافع الخاصة.
اما عن الابيات التي قال انها جاءت في لهجة خطابية، فلا اعرف ماذا يقصد بالخطابية، الخطبة ام الخطاب فاذا كان يقصد الاولى فان نظرة عجلى اليها تكفي لتدحض زعمه، واذا كان يريد الخطاب فاننا نجد شعراء اصبحو روادا للشعر الحديث ياتون بهذه اللهجة، خذ مثلا المرحوم بدر شاكر السياب، انه في احسن قصائده على الاطلاق –انشودة المطر- يقول:
اصبح بالخليج يا خليج   يا واهب اللؤلؤ و المحار والردى" الخ
فهل افسدت هذه اللهجة قصيدة السياب؟ و هل يكفي وجودها ليجعلنا نحكم بانها قديمة؟ انني لااتسائل في اندهاش: "كيف سمح السيد "الشعرة" لنفسه باصدارا هذه الاحكام الجريئة؟ في ظني انها صدى مبحوح لما تنشره المجلات الشرقية مثل لاشعر و الادب و حوار مع فارق كبير، هو ان تحمله هذه المجلات من دراسات يكون موازيا لنوع الانتاج المقصود بالنقد ، و طبيعي انه يختلف في كل شيء عن انتاجنا بحكم تاثير البيئة، وبحكم عوامل اخرى كثيرة لا يسمح المجال بعرضها، وطبيعي ايضا ان صداها عند امثال صاحبنا تعتريه عوامل كثيرة تفقده ما له من طعام ولذلك ينعكس عندهم في صورة غريبة مشوهة، لا تعبر عن شيء اطلاقا، فهم لا ينظرون الى الخلفية النفسية للشاعر من خلال شعره، ولا يبحثون في امر الابعاد التعبيرية و الفكرية في القصيدة، ولكنهم يذهبون الى تلك المجلات لياخذو منها "كلشيهات" جاهزة وحسب الحجم المطلوب
كلمة اخيرة، و هي انني كنت قد عزمت على ان اتصل للرد على انتقادات السيد الشعرية لعدم قيمتها عندي، و لكن قيمة هذه المجلة المحترمة، ومكانة قرائها الكرام، هي التي جعلتني لا اقبل التغاضي و السكوت و اتمنى ان يتقبل السيد الشعرة هذا الرد بما يجب، و ليتاكد انني اتبعت في كتابه الحكمة البلاغية القائلة: " لكل مقام مقال" و قد كان مقام "نقده" جديرا بهذا الرد السريع، وشكرا له سلفا عن حسن عنايته وحسن نيته ايضا.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here