islamaumaroc

دور الأسرة في المجتمع

  دعوة الحق

العددان 88 و89

تقديم:
نظمت لجنة فاس الثقافية لمكتب التعريب التابع لجامعة الدول العربية يوم 12 مارس 1966 ندوة تحت عنوان: "الاسرة الفاضلة اساس المجتمع الفاضل" وشارك في هذه الندوة السادة: الحاج احمد بناني، محمد بن عبد العزيز الدباغ. حبيبة البورقادي، قاسم الزهيري.
و قد اسهم هذا الاخير بالحديث الاتي:

منذ تلقيت الدعوة الكريمة التي تفضلت بها لجنة فاس لمكتب التعريب طالبة مني الاسهام في هذه الندوة، و انا اسائل نفسي عن المعنى المقصود من الموضوع الجامع الذي جعلته اللجنة شعرا لهذا ال منتدى، و هو: الاسرة الفاضلة اساس المجتمع الفاضل. ماذا تعني بالاسرة الفاضلة؟ ماذا تعني يالمجتمع الفاضل؟ الافاظ البسيطة لاى ابعد حدود البساطة و خاصة منها كلمتي اسرة ومجتمع. لكن الاشكال هو كلمة فضل. ان معناها التحلي بالخلق الجميل. والتخلي عن الرذائل. و هي صفات قلما تجتمع لشخص حاشا الانبياء و المرسلين. فان هي اجتمعت لشخص، كان محل التقدير والاعجاب.
و على فرض ان الشاعر العربي الذي يقول:
و من ذا الذي ترضى سجاياه كلها         كفى المرء نبلا ان تعد معايبه
على فرض ان هذا الشاعر قد اخطا، وكان متشائما في تقديره لطبيعة البشر، فوجد شخص اجتمعت فيه كل الفضائل فكيف يصح ان تجتمع في الاسرة كلها؟ مع العلم بان الاسرة المتركبة من افراد عديدين قد يكون فيهم الصالح والطالح، الرفيع و الوضيع، الكريم واللئيم، الشجاع و المستخذي الى غير ذلك من الاضداد. اذا فرضنا جدلا ان الاسرة بكاملها وهبت كل الفضائل، فهي من لاشواذ. فكيف يصح ان نجعل من هذا الافتراض الذي يندر وجوده اساسا لوجود مجتمع فاضل؟
ثم هل سمعنا فيما سبقنا من الاجيال بمجتمع فاضل باتم معنى الكلمة؟ و هل يوجد في عالمنا هذا مجتمع فاضل بالمعنى الذي يحتمله هذا اللفظ؟ اخشى ان يكون الجواب سلبا. و اخشى فوق هذا الا تصل البشرية في مسيرتها الطويلة الى هذا الكمال الذي نشا في خيال كثير من العبقريين من مصلحين وفلاسفة و مفكرين منذ فجر التاريخ الى يومنا هذا. ليس هذا منى ضربا من التشاؤم. و لكنه تقرير حقيقة تاريخية لم تتخلف، و ساشير فيما بعد الى ان المجتمع الفاضل مجتمع مثالي تخيله الفكر لابشري على ممر العصور، و لم يتحقق لحد الان في مجال الواقع. و مادامت لبشرية هي هي، بما ركز في طبعها من غرائز و شهوات، و ما وهبها القدر من ذكاء  و حيرة ومواهب غالبا ما تستعملها في غير حكمة وتدبر، فستظل ابعد ما تكون عن تحقيق المجتمع لافاضل.
قد لا نطمع في الاسرة الفاضلة و المجنمع الفاضل بقدر ما يمكن ان نطمع في الفرد الصالح و المجتمع الصالح. و اعني الصالح من الافراد من يحسن التصرف في مواهبه العقلية و مكاسبه لاشخصية وز يستطيع كبح جماح غرائزه و نزواته و توجيهها الوجهة التي تنفع المجموع و لا تضر احدا. و ما يقال في الفرد يصح ان يقال في المجتمع. لذا وللاعتبارات المتقدمة استسمحكم في جعل الفرد محور حديثي ثم التعقيب على ذلك بدور الاسرة في تكوين الفرد و بالتالي في تكوين المجتمع الصالح. وبذلك نكون على وفاق مع ما وصل اليه الفكرفي علم الاحياء والاجتماع وعلم النفس.
ان الفرد – بخلاف الاسرة- وحدة قائمة الذات  بالتفكير والوجدان. و المجتمع يعلو و يسفل ويرقى وينحط على نسبة الافراد الصالحين فيه وسلوكهم الشخصي و الجماعي، لا بما يتوفرون عليه من فضائل ذاتية فحسب. ما من شك ان هذه الفضائل ترفع من قيمة المجتمع، لكن المهم هي الخصائص الموضوعية، هي نوعية الروابط التي تصل بين الافراد بعضهم ببعض، وتصل كلا منهم بمجتمعه، هي ما يؤديه كل واحد لصالح المجتمع.
ان الداعي لعقد هذه الندوة – بدون شك- هو ما يحس به المنظمون لها من قلق فكري في وسط المجتمع، و تفكك في اواصر العائلة، و ما يتطلعون اليه من راب الصدع والبحث عن علاج الادواء الاجتماعية. ان مجتمعنا – كباقي المجتمعات المتخلفة – يعاني ازمة و تعاني الفئة الواعية فيه بالاخص الحيرة والقلق. تشاهد تحولا سريعا.. وتقدما مطردا في البلاد الاخرى بينما ركودا او تغيرا بطيئا في وسطها.. تعيش في خضم متلاظم من الاراء و المذاهب الفكرية و الاجتماعية.. "يسود نفوسها قلق من مبعثه – كما يقول الاستاذ توفيق الحكيم – هذا الاضطراب في ميزان التعادل بين العقل والقلب، بين الفكر والايمان". فينشا عند الفئة الواعية من جيلنا هذا نوع من العقد النفسية يفضي بها الى السخط و التمرد.
انها حالة عرفتها كافة البلاد التي اتصلت حضارتها المبنية على الاسس الزراعية العتيقة مع اسباب الحضارة الصناعية الحديثة، اما عن طريق الغزو االجنبي او عن طريق تسرب افكاره تبعا لتقدم وسائل الاتصال. ثم ان ما نشاهذه من بون شاسع بين للمجتمعات التي استكملت تطورها و بين مجتمعاتنا التي تشكو مرارة التخلف و نريد لها ان تلحق بالركب الحضاري يزيد في حدة هذه الازمة. لقد كان الغزو الاجنبي و ما حمله الينا من مظاهر حضارته سواء منها المادية او الفكرية اثره في التفكك روابط الاسرة والمجتمع، دون ان نهتدي الى بديل عن الاسلوب الذي كانت الاجيال لاسابقة تعيش على منواله و كانت راضية به. فنحن نعاني ازمة وسنبقى كذلك ما لم نتوفق الى اسلوب جديد.
ان الانتقال الحضاري السريع الذي يستحثنا من جميع الجوانب، و ما يبطنه من مذاهب و تيارات في السياسة و الاجتماع و الاقتصاد قد اثر الى حد بعيد في تفكيرنا و نظرتنا الى قيمنا الروحية و تقاليدنا الاجتماعية. خامر الشك الفئة الواعية في قيمه هذه التقاليد و تلك القيم، ثم تحول الشك الى استخفاف و سخط و تلهف الى استبدالها. اضحى الشباب الواعي ممزق الفؤاد بين قديم لم يعد له أي وزن في اعتباره و جديد يتطلع اليه ولا يدركه .. بين مثل شب عليها واراء جديدة تلح عليه من كل جانب. و من ثم كان ما نلحظه من فراغ فكري، وانحلال في العلاقات الفردية والعائلية والاجتماعية. فلا مجتمعنا استطاع تفادي هذا التفكك، ولا شبابنا اهتدى لماء فراغه الفكري. بل نرى بعضه يملاه بما تصل اليه يداه من المتع الدانية و الشهوات الرخيصة يقتل بها الوقت الذي يئن تحت وطاته.
ظاهرة اجتماعية في منتهى الصعوية بالنسبة للمراهقين خاصة.. يتحسر لها اولياء امورهم ولا يستطيعون لها حيلة. وستظل هذه الظاهرة القائمة مادام الوضع الانتقالي بين القديم والجديد و مادام المجتمع لم يهتد الى نقطة توازن يرتكز عليها. ولعله طور مرت منه كافة المجتمعات البشرية في مدارج رقيها. و هو ما حدا بعض المفكرين والاجتماعيين الى التحليل و القاء الاضواء الكاشفة على مجتمعاتهم، واقتراح انواع جديدة من الترابط الاجتماعي، من امثال ابن خلدون و اوغوسط كونط ودور كايم وكارل ماركس دون ان ننسى جان جاك روسو، على ما بينهم من فروق في التفكير و ما اصطبغت به اعمالهم من خصائص كان للتطورات الاجتماعية اثر كبير فيها. ولعل تلك الظاهرة الاجتماعية هي التي الهمت بعض المفكرين و الفلاسفةالذين اشاروا بنموذج جديد لما اسموه بالمجتمع الفاضل، واذا كانت دراسات علماء االجتماع قد اعانت في التقدم البشري، فقد ظلت الاثار الفكرية لهؤلاء الفلاسفة حلما من عهد افلاطون أي منذ 2.500 سنة الى عهدنا هذا.
فلنقف قليلا عند المجتمع الفضل الذي كان ولا يزال حما يراود اذهان بعض العبقريين فبعد ما اتخذ شكله الاول في جمهورية افلاطون، تجلى منذ ازيد من الف سنة في "اراء اهل المدينة الفاضلة" للمعلم الثاني ابي النصر محمد الفارابي، ثم في "الاوطوبيا" للمفكر الانجليزي سير طوماس مور في القرن السادس عشر، و طلع في جلة جديدة عصرنا هذا في الكتاب "العودة الى علم جرىء" للكاتب الانجليزي الدوس هوكسلي و في "مستقبل الانسان" لطيلار دوشارد ان، و ان كان هذا المفكر ان امس بالواقع. و قد اجتزانا بذكر هؤلاء العبقريين دون غريهم على سبيل الاختصار. والاوطوبيا او المدينة الفاضلة – كما تخيلها طوماس مور- جزيرة مثاليه يعيش فيه الانسان في سعادة وانسجام اجتماعي كامل. و قد اصبحت كلمة اوطوبيا علما على مجتمع مثالي يخلقه خيال الفلاسفة. غير ان هذا المجتمع الذي يمحي فيه الالم و الجشع والاستغلال، هذا المجتمع بدون طبقات لم تصل اليه  الانسانية  بعد.
فحري بنا اذن ان نرجع الى الواقع.. ان نرجع الى مجتمعنا البرشي كما هو.. على علاته. وبدلا من ان نستلهم الوطوبينن من ذوي الفكر المبدع الخلاق، يلزم ان نلتفت الى الحصيلة التي اشترك علماء الاجتماع و غيرهم في بلوغها بالبحث التجريبي، و استفاد منها القادة و الرواد في تنظيم مجتمعاتهم و النهوض بها
مدارج الرقي. كما استفاد منها الافراد في تهذيب نفوسهم و تقويم طباعهم لجعلها متناغمة مع الشعور العام. ليس بدعا.. ولا صدفة من الصدف م نراه اليوم من تحضر في بعض المجتمعات، لكنه نتيجة سعي واع وحثيث في سبيل التقدم تضافرت فيه جهود المصلحين في شتى ضروب المعرفة و جهود القاة في ميادين السياسة والاجتماع. و ليس بدعا كذلك ما نراه من تاخر و انحطاط في مجتمعات اخرى.. هنا يكن سر تقدم المجتمعات الراقية التي نشاهدها في عالمنا اليوم و ما بينها و بين المجتمعات التي اصطلحوا على تسميتها بالبلاد المتخلفة من فروق شاسعة.
ان المجتمع الذي هو مجموعة افراد، لا يصلح الا بصلاح افراده.. لم يرو لنا التاريخ عن مجتمع متقدم افراده متاخرون. فلذا وجب ان ينصب اهتمام المصلحين والقادة على تقويم الفرد، ولزم ان ينشا نشاة سليمة في البيت والمدرسة و المؤسسات التربوية. ووجب ان يكرس اهتمام الحاكمين على تثقيف عقله و تقويم طبعه و خلقه، واذكاء جذوة الايمان في صدره.. الايمان بالمثل العليا، و بحب الخير.. ليصبح فردا صالحا، وليتكون من امثاله المجتمع الصالح الذي ننشده. ان المجتمعات المتخلفة لا تشكو شيئا شكواها من انعدام التربية و التهذيب في نفوس افرادها. فقد نجد منهم من اخذو بحظ وافر من الثقافة، و لم يصيبوا الا اليسير من التربية. فنراهم اقرب الى البدائية و البهيمية منهم الى الانسانية. لا تعادل بين القوى المفكرة و بين الغريزة فيهم. ينساقون مع اهوائهم مثلما ينساق النحل و النمل مع الغرائز التي ركبها القدر في طباعهم فجعلهم يسيرون على مقتضى جبرية حتمية. ولاهمال التهذيب والتربية نرى افراد المجتمع قلما يسلكون في تصرفاتهم حسب العقل الواعي المدرك الذي ميزهم به القدر عن باقي المخلوقات. فيلزم اذن ان تكرس الجهود ليكون الفرد صالحا في حد ذاته و ليصلح به المجتمع.
هنا نصل الى دور الاسرة باعتبارها الاطار الاول الذي ينشا فيه الفرد وينمو وتكتمل رجولته. لقد اجتمعت الابحاث الي قام بها علماء الاجتماع على ان سلوك الاسرة يؤثر اكبر التاثير في نفسية الطفل  و يطبعها الى الابد وربما يحدد مصيره في اغلب الاحيان حتى ان الاعمال الاجرامية او الجنسية كثيرا ما يرجع اصلها الى التربية الاولى، فان لم تكن للفرد شخصية قوية، فان انفعالاته و مواقفه تجاه المجتمع و القضايا التي تواجهه تعكس  ما يكون قد تلقه في محيطه العائلي من سعادة او شقاء، من خيبة او نجاح. فالجراة والجبن، والحب و البغض. والتفاؤل و التشاؤم و بصفة عامة الخير ولاشر كثيرا ما يلقنهما الشخص في بيئته العائلية، فيتاثر طبعه باحداهما، ثم يتجلى ذلك في سلوكه الاجتماعي.
و من ثم، و جب اعطاء اهمية كبرى الى التربية الاولى التي يتلقاها الناشىء في اسرته، وخاصة على يد ابويه، وبالاخص بواسطة الام، فلا غرابة ان عتبر الام المدرسة الاولى، و هي كذلك لاماء. فمن الازم ان تكون مزودة بالمعرفة و التربية الكافيتين لاداء مهمتهما. "ان تربية المراة هي ما يجب ان نصرف اليها جميع قوانا الموجهة لاصلاح المجتمع" كما قال محررالمراة  قاسم امين. اننا نطالب المراة بان تربي لنا رجالا احرارا مكتماي الرجولة. فكيف يتسنى لها ذلك، اذا بقيت جاهلة مستبعدة؟ ان العبد لا يربي حرا، و انما يربي عبدا مثله و على صورته. و ان الام لا تعطي ولدها من الاخلاق الا ما لديها كما قال المفكر المصري الكبير احمد لطفي السيد. فالاسرة اذن هي العماد الاول الذي ترتكز عليه شخصية الفرد، تلك الشخصية التي يعول عليها في تقدم المجتمع. فيتجلى ان اثر الاسرة في تكوين الفرد بالغ الاهمية..  و تكوين الافراد لاصلحين في نطاق الاسرة اولا، ثم في المؤسسات التربوية و الاجتماعية و المنظمات السياسية يتيح تكوين المجتمع.
يفضي بنا الحديث الى حرية الفرد ومسؤوليته. لقد اعطي الانسان قدره من الحرية . بعكس باقي المخلوقات – ليتحمل مسؤوليته و يواجه مصيره-، ووهب كذلك الذكاء اللازم امواجهة الظواهر الطبيعية من جهة، و القضايا الاجتماعية المترتية عن طليعة التطور من جهة ثانية. فكما استطاع ان يخضع الطبيعة و يسخرها لاغراضه عليه ان يحسن استعمال ذكائه و حريته لمعالجة الاشكال الاجتماعية التي تعترض سبيله حتى يجعل من بيئته موطنا يطيب العيش فيه. عليه اذن ان يتصرف في ذكائه و حريته بكامل الوعي و التبصر، ويتخذ مسؤوليته عن روية وتدبر. فالحرية لم تكن في يوم ما مرادفة للفوضى و التحلل من جميع القيود بطلاق السبيل للغرائز. و الا تردى الانسان الى درجى العجماوات، واصبح اسيرا و لو حسب نفسه حرا. و الحر الحقيقي من يستطيع على الدوام مسك زمام امره بيده و تقييد اهوائه، وصرف مواهبه في التشييد.. في الاسهام في اثراء مجتمعه ماديا و معنويا في اضافة لبنة جديدة الى البناء المشترك.
هذا دور الفرد في معتركالحياة.. دوره في المجتمع: دور يتواكب فيه العقل بالمتبصر بالضمير الحي الواعي. فاذا استطاع ان يؤديه على الوجه المطلوب، واذا توفر لمجتمع رصيد وافر من الافراد الشاعرين حقا بواجبهم، الكاذين في ادائه، تسنى لهذا المجتمع ان ينهض ويلحق القافلة المتحضرة. لقد و قفت معجبا بكلمة كتبت على واجهة مدرسة زرتها بفرنسا و جاء فبها: "في معترك الحياة يجب ان تكون شخصا ما، و ان تؤدي عملا ما". فهل لنا في هذا العصر.. "عصر انفلاق الذرة" عصر عزو الفضاء.. ان نجمع امرنا لا لشيء الا للقضاء على التخلف الذي يئن مجتمعنا تحت وطاته؟

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here