islamaumaroc

الأدب النسوي في المغرب (الأندلس) -6-

  دعوة الحق

العددان 88 و89

عصـر الامـارة:
عصر الامارة و الاستقرار السياسي على الخصوص يبدا في عهد الامير عبد الرحمن الداخل ثم ابنه هشام و حفيده الحكم، هذه الفترة هي عبارة عن تشييد و بناء و تعبيد الطرق لارساء الحكم الاموي و اصلاح ما عفن من الاوضاع، فقد وجد عبد الرحمن عند دخوله الاندلس الاجواء تعج بالفتن و الفوضى، بربر ساخطون على العرب لاستبدادهم بالامر، قبائل عربية تتطاحن، مسيحيون بمناطق شمالية من شبه الجزيرة يتربصون الدوائر، فرنج فيما وراء البرانس ينتظرون الفرصة للهجوم، و من اجل ذلك كله عمل عبد الرحمن على نشر الوية السلم و الامن في البلاد و عني بالمشاكل المعقدة التي نشات عن العصبيات و الضغائن و اختلاف الاديان، و استطاع ان يخضد شوكة الارستقراطية العربية بما شن من حملات و ما ارسل من جيوش لضبط الامر.
و قد ترسم هشام خطى ابيه كما ترسم الحكم الربضي سياسة الاب و الجد فقضى على ثورة الربض(1)التي اوقد نارها قطان الضاحية القرطبية التي تسمى بذلك الاسم و ثابر مثابرة القوي الحازم على تثبيت النظام و تدعيم الحكم الاموي.
و المجتمع الاندلسي في هذا العهد اصبح يعيش في وحدة وحضارة نسبية من انشاء و تعمير، اذ انشا عبد الرحمن مسجد قرطبة الجامع و الرصافة التي كانت مقر الامارة كما انشىء في عهد بنيه كثير من المساجد في اماكن اندلسية مختلفة و غير ذلك من الدلائل الحضارية و المظاهر التقدمية.
 و ان اهم ما يسترعي النظر في مظاهر المجتمع الاندلسي بروز الشخصية  النسوية في الميدان الفني، و ذلك عندما استقدم عبد الرحمن الداخل فنانات شرقيات(2)و خصص لهن دارا بالقصر عرفت بدار المدنيات لان اكثرهن من المدينة التي اشتهرت اوانئذ بالفن الموسيقي و الغنائي(3).
اما مميزات الشعر في هذا العصر فقد تحدثنا عنها فيما سلف عند كلامنا عن نشاة الشعر الاندلسي و قلنا: (فالشعر الاندلسي سار فترئذ في التيار المحافظ المتمثل في الاحتفال بالموضوعات التقليدية من مدح و هجاء، و فخر كما سار على منهج الاقدمين في بناء الهيكل الاقتصادي.
و بعد ذلك نجد الشعر الاندلسي يتسم بسمات خاصة كالتجديد الموضوعي الذي يتجلى في طرق موضوعات جديدة او معالجة مضامين لم تكن تعالج من قبل، ثم التجويد الفني و التركيز العاطفي، و ذلك في عهد تاسيس الامارة)(4).

حسانـة التميميـة:
ابوها هوالحسين شاعر عاش في القرن الثاني الهجري من اهل البيرة(5)، درست عليه كثيرا من فنون العلم و الثقافة، و نشات نشاة الطهر و العفاف، لم يؤثر عنها ما يخدش كرامتها و قداستها، الشيء الذي جعلها تستكنف عن الرذائل و التوافه، و تدافع عن حقها اذا ما لحقها ظلم الظالمين، توفى ابوها فتركها في رعاية الاقدار لا تجد من تلتجىء به الا الامير الحكم بن هشام الذي بعثت اليه قطعة شعرية تستعطفه و تنبئه بان والدها قد استاثرت به رحمة الله بعد ان كانت ترتع في نعماه،م و تميس زهوا تحت ظلال رعايته و حمايته، و اليوم لا ناصر لها في الحياة الا هو:
اني اليك ابا العاصي موجعة(6)     ابا الحسين سقته الواكف الديم
قد كنت ارتع في نعماه عاكفة         فاليوم اوي الى نعماك  با حكم
انت الامام الذي انقاد الانام له        و ملكته مقاليد النهى الامم
لا شيء اخشى اذا ما كنت لي كنفا  اوي اليه و لا يعرولي العدم
لا زلت بالعزة القعساء(7)مرتديا    حتى تذل اليك العرب و العجم  

و ما كان من الامير بعد ان استحسن شعرها الا ان امر لها باجراء راتب و كتب الى عامله بالبيرة فجهزها بجهاز حسن.
و تمر ايام و ينتقل الامير الى جوار ربه فينكث عامل البيرة جابر بن لبيد العهد و لم يحرر املاكها و لم ينفذ ما خطته انامل الحكم، و على اثر ذلك اتجهت الشاعرة الى القصر حيث الامير الجديد عبد الرحمن الاوسط و انشدته من شعرها ما يهز القلوب و يلين الصخور:
الى ذي الندى و المجد سارت ركائبي   على شحط(8)تصلى بنار الهواجر
ليجبر صدعي انه خير جابر              و يمنعني من ذي الظلامة جابر
فاني و ايتامي بقبضة كفه                 كذي ريش اضحى في مخالب كاسر
جدير لمثلي ان يقال(9)مروءة            اموت ابي العاصي الذي كان ناصري
سقاه الحيا لو كان حيا لما اعتدى         على زمان باطش بطش قادر
ايمحو الذي خطته يمناه جابر              لقد سام بالاملاك احدى الكبائر

و عندما انتهت من انشادها سلمت لبعد الرحمن خط والده و افضت اليه بعجرها و بجرها ثم اخذ الامير خط ابيه فقبله ووضعه على عينيه ثم استشاط غضبا و قال: انصرف يا حسانة، فقد عزلته لك، و حسبنا ان نسلك مسلك ابي و احفظ عهده و قع لها بمثل  توقيع ابيه و امر له بجائزة، فذهبت الى حال سبيلها.
و بعد هذا ارسلت له قصيدة مدح تعبر خير تعبير عن شفافية عاطفتها نحو الممدوح الذي اسدى اليها المعروف فمحاها من الجور، تقول في ابيات منها:
ابن الهشامين خير الناس ماثرة          و خير منتجع يوما لرواد
ان هز يوم الوغى اثناء صعدته(10)   روى انابيبها من صرف فرصاد(11)
قل للامام: ايا خير الورى نسبا          مقابلا بين اباء واجداد
جودت طبعي و لم ترض الظلامة لي  فهاك فضل ثناء رائح غاد
فان اقمت ففي نعماك عاطفة             و ان رحلت فقد زودتني زاد
  
تلك هي حسانة اولى الشاعرات الاندلسيات –على ما نعرف- شعرها كما راينا سابقا خليط من الرثاء و الشكوى الحارة الملتهبة، و المدح المعبر و الاستصراخ القوي، و هو على قدر لا يستهان به من النضج الفني و الاصالة الشعرية المرتكزة على الثقافة المتينة، و هو ايضا يتسم بمميزات تحدثنا عنها انفا، فالتركيز العاطفي و التجويد الفني كلاهما يلفان شعرها و يتخلل كلماتها اذ برجوعنا الى ابياتها المتقدمة التي اولها.
اني اليك ابا العاصي موجعة   ابا الحسين سقته الواكف الديم

نجدها تقبض بذوبان العاطفة الصادقة المعبرة، ونجد كلماتها موحية منبئة عن الحرارة الشعورية فلفظة (موجعه) في الشطر الاول من البيت مشددة الجيم نوحي تئن نفسها منه، و تشي بما تنطوي حناياها عليه.
و لنتدبر بعد هذا بيتا واحدا فقط من ابياتها التي انشدتها بين يدي عبد الرحمن الاوسط و التي يترقرق فيها التجويد الفني:
فاني و ايتامي بقبضة كفه     كذي ريش اضحى(12)في مخالب كاسر

تامل البيت فهو عبارة عن لوحة زيتية فنية تمثل الايتام الضعاف بقبضة كف ظالمة باطشة كذي ريش لين اصبح تحت رحمة مخالب كاسر مفترس.
تامل البيت، تجده صورة ناطقة للتفجع و الحزن و المرارة اطلقته لهاة مكلومة يعبر عن الواقع الصارخ للصغار الذين ليس لهم من يحميهم من صولة الدهر و عدوان المعتدين غير هذه المراة التي ترعاهم و تمنحهم من عطفها الشيء الكثير... و لكن، ماذا ستفعل المراة و هي نفسها في امس الحاجة الى من يقيها ظلم الظالمين، لذلك بحثت عن الناصر فلم تجد... بحثت و بحثت من غير جدوى، و اخيرا عثرت عليه.. انه شعرها الذي اتخذته سلاحا مدافعا سكبت فيه خطواتها المحملة بالبوح الشجي و الفزع المبرح فكان شفيعا لها عند الامير، لان للكلمة المجنحة تاثيرها، و للحرف المرونق سحره.
ذلك هو حديثنا عن حسانة الشاعرة التي تمثل هذه الفترة بالذات، و التي لا نعلم شاعرة غيرها عاصرتها على الرغم من انني لا اشك ان عصر الامارة لم يكن –منطقيا– خلوا من بعض الشواعر.
ام فيما يتعلق بمعاصرة حسانة للبنى كاتبة الحكم المستنصر كما قرر الاستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله (13)فذلك لم تثبته المصادر المعتمدة و لم يوافق عليه الفرق الزمني، و اية ذلك ان حسانة عاشت في عهد الحكم بن هشام و ابنه عبد الرحمن الاوسط (14)كما المعنا سابقا، و يجوز لنا ان نفرض انها ولدت عام 154ه و هو عام ولادة الحكم الممدوح من طرفها، ثم توفيت، و لها مائة سنة، فتكون سنة وفاتها حينذاك هي 254ه على حين ان «لبنى» توفيت سنة 374ه كما ذكر اصحاب الاخبار، و لنفرض استنادا على سنة وفاتها  انها ماتت و لها مائة سنة فتكون عند ذلك و لادتها سنة 274ه فالفرق الزمني واضح جلي يتمثل -على ابعد الفروض- في ان ولادة «لبنى» وقعت بعد عشرين سنة من وفاة حسانة.
و من هذا نستنتج ان «لبنى» عاشت في فترة الخلافة، و لعل الالتباس الذي وقع فيه الرافعي، انما هو الخلط بين الامير الحكم بن هشام، و الخليفة الحكم الثاني الملقب بالمستنصر بن عبد الرحمن الثالث الخليفة العظيم الملقب بالناصر.
و مما يؤكد عدم معاصرة حسانة "لبنى" تاكيدا لا مجال للشك فيه ان عدد الافراد الذين جاءوا بعد الحكم ابن هشام خمسة و هم على  التوالي: عبد الرحمن الثاني و هو الاوسط (206/238ه)، محمد بن عبد الرحمن (238/273ه)، المنذر بن محمد (273/275ه)، عبد الله بن محمد (275/300ه)، عبد الرحمن الناصر (300/350ه) ثم بعد ذلك ياتي الحكم المستنصر (350/366ه) الذي كانت "لبنى" كاتبة له.
اذن فقضية المعاصرة هذه في غنى عن مزيد من التبيان و التعليق و يكفينا هذا القدر من الايضاح.

 

(1)راجع ثورة الربض في: البيان المغرب لابن عذارى ج 2 ص 113 وما بعدها ونفخ للمقري ج 1 ص 159، والمعجب لعبد الواحد المراكشي ص 19 وما بعدها . 
(2)من بين هؤلاء الفنانات المدنيات فضل وعلم والعجفاء.
(3) مر حديثنا عن ذلك عند تعرضنا للكلام عن نشاة الشعر الاندلسي
(4) راجع القسم الرابع من البحث في العدد الثاني السنة التاسعة من مجلة دعوة الحق ص 105.
(5) البيرة الالف فيه الف وصل فهو بوزن اخريطة وان شئت بوزن كبريتة وهي كورة كبيرة من الاندلس، ومدينة متصلة باراضي كورة قبرة بين القبلة والشرق من قرطبة، بينها وبين قرطبة تسعون ميلا، راجع ذلك بتفصيل في معجم البلدان ج 1 ص 322. 
(6)موجعة: ناعية 
(7)القعساء: الثابتة 
(8) بقال: من اقال عثرته
(9) الشحط: البعد
(10) الصعدة: القناة المستوية.
(11)الفرصاد: صبغ احمر ومعناه الدم 
(12) فعل اضحى في البيت يقرا بهمزة الوصل مع كسر النون الساكنة المولدة عن تنوين كلمة (ريش) لالتقاء الساكنين، وبذلك يستقيم الوزن، والبيت كما  لا يخفى من طويل.
(13) انظر تاريخ آداب العرب ج 3 ص 317 
(14) سمي اوسط لتوسط عهده بين عبد الرحمن الاول وعبدالرحمن الثالث

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here