islamaumaroc

صفحات مطوية من حياة محمد تيمور

  دعوة الحق

العددان 88 و89

عكف محمد تيمور في هذه الايام على كتابة القصة حتى اصبح لا يكاد يفارقها، اللهم الا الى بحوث قصيرة في تيسير اللغة العربية، و الكتابة الانسانية، و ما الى ذلك، و صاحب سلوى في مهب الريح، و كيلوباترة في خان الخليلي، وشفاه غليظة، و ابو علي عامل ارتيست، و نذاء المجهول، و فرعون الصغير، وعوالي و مكتوب على الجبين، والمنقذة، وحفلة شاي، و غيرها من القصص و الاقاصيص و المسرحيات باللغة العربية الفصيحة، و.باللغة العامية الدارجة، كان في صدر شبابه شاعرا رقيقا، ولكنه كان شاعرا من طراز جيد لا يحده بحر و لا تحده قافية كان يؤثر الشعر المنثور و يبثه خوالج نفسه و لواعج قلبه في اسلوب يفيض رقة و جمالا ويبعث سحرا حلالا
و سيرى القارىء في القطع التي اخترناها له من شعره المنثور ان اسلوبه يتميز بثلاث سمات: البساطة، والاحساس، و الاتقاد، و فسر الناقد "كوريدج" هذه السمات الالوبية بقوله: "اما عن البساطة فهي من جهة تنفي عن الشعر صعوبة الطرق العلمية، وتقتفي طريقا مجهدا معبدا يمضي فيه القارىء دون مشقة و دون عسر، و يسير فيها رافها و ادعا الى جانبه الجداول بخريرها، والاشجار بازاهيرها، والمساكن باهليها، مما يجعل ابتهاجه برحلته قدر اشتياقه الى بلوغ مقصده، والبساطة من جهة اخرى تحول دون التكلف، والشذوذ، و الاختلال في المعنى، و التعقيد في المبنى، اما عن الاحساس في الاسلوب فيتمثل في تصويره الاشيلء على حقيقتها، وتحديده الصور الذهنية، و افصاحه عنها، اما الاتقاد اوالحرارة في الالوب فيتجلى في صقل العاطفة الانسانية للحقائق حتى تنفث فيها الحياة.
تلك هي السمات الاسلوبية في شعر تيمور المنثور و قد زاد عليها صفة ثالثة دعا اليها الناقد الشهير (وليم وردزورث) الا و هي عدم الاندفاع وراء الوزن والقافية، و اتقان المعنى وكماله، وهذه الصفات التي تجلت في شعر تيمور المنثور هي نفسها التي ظل محافظا عليها بعد انصرافه الى القصة واغراقه في كتابتها و نسى او انسى هذا اللون من الادب و غدا (كالهدهد) اشهر قصاص في الزمن على حد تعبير احد النقاد المحدثين.
نامل ما كتبه في (الزهرة العاشقة) التي نشرها في مجلة "السفور" التي كان يحررها الاستاذ عبد الحميد حمدي بتاريخ 6 نوفمبر عام 1919 و على شاطىء الغدير ذي المويجات الهادئة تنمو زهرة من زهور الطبيعة يانعة ممتلئة الساق، مخضرة الاغصان، محمرة الاوراق، نشات تتغنى بالحب، والحب يملا ربوع الطبيعة يانعة ممتلئة الساق، مخضرة الاغصان، محمرة ترى خياله النضر، و من الاغصان المتهدلة تسمع اناشيده الشجية، و في الليل الحالك المغمض العينين يسبح حولها همس القلوب، ويلمع امامها دمع العيون، و في النهار المشرق اللالاء ترى وميض القبلات يسطع كضوء الشمس، و تشعر باالنفاس العطرية تهب على وجهها المونق كانفاس الربيع.."
و هكذا مزج تيمور الشعر بالقصص و لكنه اثر اللغة الشعرية الرفيعة على ان تكون قطعته  قصة لها حبكة وسياق و تلك مرحلته لا بد منها لنشوء الفنان وتطوره، فلا بد ان يمر بمرحلة الشعر و الخيال قبل ان ينغمس في غمار الواقع و دنيا الحقائق و يلجا الى اسلوب الحياة اليومية في التعبير
و تامل في كتبه 20 نوفمبر علم 1919 في عدد من مجلة "السفور" الى سيدة اهدته صورتها "انت طيف دائم لا يتعب، ولا يمل، انت تلازمينني كالزهرة في ربيع حياتي، انت التي تسكنين فؤادي، وتمدين من بهائك روحي، انت التي اسمع من همسها حديث و حدتي، انت التي اكتب على ضوء نورها اشعاري وهواي، انمت التي استمد من جمالها راحة ضميري، انت التي اخذ من سكونها يقظة فؤادي، ايتها النجمة المتلالئة في سمائي: انيري يا رفيقة الاحلام طريقا لذلك الفكر لاضليل ليسبح على اشعة ضوئك، و يصل الى الله ليستمد منه النور و الرحمة انيري يا ابتسام المستقبل  طريق السلام الى القلب، انيري يا ابتسامة من ثغرك الجميل طريقا سالما في خضم الحياة تمخر فيه سفينة روحي، ايها الطي فالجاثم على قلبي الممتزج بدمي، السابح في مخيلة راسي انت يا من اشكو لك ءلام فؤادي و يا من ابوح لك باسرار قلبي كفكف الله دموع الماضي التي مازلت غارقا في بحارها اسعدني بربيع الحياة التي لم اتمتع بعد بعذب نسيمها انشقني زهور لاسعادة التي لم اسعد بطيب رجائها.."
ففي هذه القطعة نجد تيمور يتدفق لوعة وحبا كالعاشق الولهان،  ويتيم شوقا ووجدا كالمحب المحروم بل من يدري لعل تيمور نفسه كان في هذه الاونة يقاسي تجربة حب عنيف يهز اوتار قلبه، ويحرك سياط لبه، فاذا به ينقلب حبيبا مستهاما يتمثل الحب في كل شيء في هذا الوجود، الم يقل بعد ذلك في مقدمة، "الوثبة الاولى" ان الله خلق العالم على صورته، خلقه على اهاب الحب و الجمال، لان الله سبحانه و تعالى لا يخلق الا الجميل، و لا يودع مخلوقاته الا الحب اذ ان الله سبحانه و تعالى المثل الاعلى للحب و الجمال.
و لكن هذا لاشعور الذي يتاجج بالحب ويضطرم بالغرام لا يلبث ان سيتحيل الى حكمة الراي، و سداد في القول، كما في تلك القطعة التي نشرها بعد قطعة "الصورة" باسابيع الصمت هو التفكير و الرجل لاصامت هو الرجل المفكر، فاجتهد اذن ان لا تكون ثرثارا، العامل الصامت هو العامل المتقن لعمله، و الكاتب الصامت هو الكاتب الذي يكتب عن روية و تعقلـ،، و السيدة الصامتة هي التي تعنى بشؤون بيتها نابليون بطل فرنسا، و كويوبل بطل انجلترا، وواشنجطن بطل امريكا، كانو قليلي الكلام.."
و في كلمة اخرى يقول تيمور "رحب بالافكار الجديدة، بدون تحيز بعد ان تختبرها، و تسبر غورها، وتتاكد من صلاحها، و لا تقصر بحثك كله على الجديد فحسب بل استنفذ من عقول الاقدمين بحيث لا تقف عثرة في سبيل جهادك"
و في حكمة ثالثة يقول "احكم على لاشخص بما يقرا، واحكم على  الامة بتاليف ابنائها، قالكتب مراة تعكس لك ثروة البلاد الحقيقة بين صفحات كتبها، ففي تلك لاسطور، و من تلك الكلمات تتدفق الكنوز الذهبية، كنوز العقل المستنير، كنوز العمل الحقيقي استفد اذن من الكتب لاقيمة، و اقرا دائما بانتظام و مباثرة و اجتهد ان تعيش دائما في كنفها تسمع احاديثها الخالدة.."
و ليس من شك في ان تيمور كان محقا تماما في هذا الراي، حتى قيل: قل لي ماذا تقرا، اقل لك من انت، و نحن في مسيس الحاجة الى شباب يقبل على لاقراءة بشغف و امة تستفيد من التجارب، و قديما قال "السيرادوارد جيبون" المؤرخ الانجليزي المشهور: "اني افضل رغبتي في المطالعة على كل كنوز الهند " و كتب السير "جون هرشل" الفلكي المشهور يقول: "اني اذا طلبت من الله ان يوجد في خلقا يبقى معي مهما تغيرت احوال الزمان و المكان ويكون ينبوع سرور لي وسلوى مدى العمر و ترسا اتقي به من نوائب الدهر، فذلك الميل هو حب المطالعة. فتيمور اصاب عين الحقيقة بحكمته التي لن تمحى مع الايام.
و كان محمود تيمور في صدر شبابه ينقل كثيرا من الاثار عن اعلام الانجليز و الفرنسيين فنقل عن "الفورنس دوريه" القطعة الاتية و صاغها في اسلوب عاطفي رقيق و نشرها بمجلة الشباب في 19 فبراير عام 1920 و سماها النجوم في الوقت الذي تهدا فيه النفوس و تسكن الاجسام، يصحو عالم اخر سحري تكتنفه الوحدة ولاسكون، فبينما الينابيع توقع الحانها، و الغدران توقد نارها يسمع الانسان من خلال هبوب النسيم في الفضاء اصواتا رقيقة تكاد تمر الى الاذن فلا تدرك كنهها، و ما تلك الاصوات غير اصوات الاشجار و الحشائش و هي تنمو و تميد خفية في الليل فلا تدركها الابصار، في النهار حياة الافراد من انسان وحيوان، و في الليل حياة الطبيعة من نبات وجماد.. فمن لم يعتد رؤية الطبيعة و هي متحلية بالليل ضاحكة في سكون الليل  تشير خفية بين المروج و تسبه هائمة بين امواج النسيم، و تلمع سافرة على صفحات الغدران، تاخذه رعدة الخوف و الوجل.."
ثم انظر  الى ما كتبه باسم "الحياة وداع" في 15 ابريل 1920 في مجلة الشباب، قبل ان تاخذ طابعها الانتقادي الفكاهي المغروف السيدات يا رفيقي كم ارثي لحلهن ان كل سعدتهن و سلطانهن و كل غايتهن في الحياة موقوفة على جمالهن، فالجمال هو كل شىء عندهن، و ما ذلك الجمال؟ انه هبة عشر سنين لا اقل يهبها لهن القدر.. انت تعلم انني كثيرا ما اصبت ككل الناس و لكنني في الحقيقة لم احب الا حبا واحدا، و كان ذلك منذ اثنتي عشرة سنة أي قبل الحرب  الاولى بقليل، قابلتها على شاطيء البحر الصغير المستدير كالهلال حيث كانت السيدات تجتمعن فيه زرافات و تكسبه زينتهن البديعة بهجة ورواء... ناجيت كل شيء فيها نظراتها الملائكية، وابتسامتها الخلابة، وشعرها اللعوب و المتموج بانفاس النسيم، كل شىء فيها حتى الملامح الصغيرة المرتسمة على وجهها الصبوح قد استبعدت عقلي وفؤادي و اشرب حبها نفسي فشغفت حتى بحركاتها العادية، و ملابسها التي كانت ترتديها و التي صارت اما عيني كانها نسيج سحري يستهوي العقول فما كان اشد حزني حينما ارى قناعها او قفازها ملقة على احد المقاعد لقد كان يخيل لي انها الوحيدة في لباسها لا مثيل لقبعاتها بين قبعات النساء.."
و هكذا اخذ تيمور يقص على القارىء قصة حبه في اسلوب اخاذ، و يحاول ان يبرز عناصر الجمال التي استهوته في غادته الحسناء، و التي تتجلى في صفاتها الجثمانية التي وهبها الله اياها، ثم يعبر لنا عن خلجات فكره الصغيرة دون مواربة ودون مزاورة،انما في صراحة ووضوح وجلاء و لاشك ان التعبير الصادق عنصر هام من عناصر الابداع الفني، و لا يمكن اغفاله في تقييم الاثر الادبي و لكن الشيء الذي يستلفت الناقد ان تيمور كان في صدر حياته يعتني عناية فائقة باللفظ و صياغة الاسلوب، ويضعه في المقام الاول في ابطاله و في قصة اليتيمة في مجموعة الشيخ عفا الله و له اسلوب رقيق في الكلام خال من العبارات المزيفة، صادر من قلب لا يعرف التملق و لا المكر..
و كتب محمود تيمور في مجلة "السفور" بتاريخ 4 سبتمبرسنة 1919 هذه القطعة و "مشى الطفل الصغير" ذو الاقدام الناعمة على لاصحراء الخشنة الملتهبة.. مشى يفتش عن الحقيقة، و مر الطفل في طريقه على المدينة الاولى ذات الاعمدة المموهة بالذهب، و لاقصور الملاي بالكنوز، و الانهر الفياضة بالخمورذات الابتسامات الهذبة، و القبلات الشهية و العيون السحرية، ذات اللذة لاضاحكة، فاقبل الطفل يجري في ساحاتها، مرحا جذلا يسمع اناشيدها، و يتمتع نظره بغيدها، و يملا قلبه باللذة و جيوبه بالمال، ثم اخذ يفتش عن الحقيقة و خرج الطفل من المدينة ذات الاكواخ الصامتة الى لاصحراء الحارة و مشى فيها اعواما طويلة حتى بلغ المدينة المدينة السوداء، فاغبر شعره، و تجعد وجهه، و انحنى ظهره، و هناك امام المدينة السوداء و قف ينتظر امام الاسوار المظلمة، و الهواء المحترق، و الدخان المتكاثف، و هناك بدا يفتش عن الحقيقة في الظلمات النائبة، فوجدها وجدها امام عينيه و لمسها بيديه، و لكنه لم يسنطع رؤيتها لانه صار اعمى و لم يستطع سما صوتها لانه صار اصم و لم يستطع ان يكلمها لانه كان ابكم.."
و هذه القطعة من القطع الرمزية التي ولع بها الكتاب في أوائل هذا القرن فمضو يدبجون المقالات، و ينظمون الشعر على هذه الوتيرة مقلدين في ذلك كتاب الغرب و شعرائهم الذي شاع "الرمز" في انتجاهم الادبي، و البحث عن الحقيقة موضوع شيق طالما تناوله كتاب الغرب في كتابتهم و سلكو في ذلك مذاهب شتى .
و من ترجمات تيمور ما كتبه في "السفور" نقلا عن احد المفكرين الفرنسيين، "السعادة الحقيقة" هي ان تعمل دائما و ان تتمتع بنتيجة عملك، فالعمل اجهاد لنفسك، وجسمك، و حصولك على الراحة بعد ذلك الجهاد وراحة الجسم و العقل هو لاسعادة الحقيقة في الحياة، فاجتهد اذن في ان تعمل لان لاسعادة هي العمل.."
و ترجم تيمور غير هذه العبارات بل مقالات شتى في الفلسفة و الادب عن اعلام المفكرين الغربيين، و سافر تيمور الى اوربا مرات متعددة فشاهد هناك على حد تعبيره في "فرعون الصغير" مرئيات و مناظر هزت نفسه و تغلغلت في صميم قلبه كما ان خبرته بالحياة و معرفته لها قد اتسعت و تنوعت فكان لهذه الحياة الجديدة التي عاشها هناك اثر لا ينكر في تطور تفكيره.
و عندما عالج تيمور القصة في صدر حياته الادبية كان انيقا في عباراته و في احدى قصصه "يحفظ بالبوسطة" التي نشرها في مجلة "الشباب" في 13 مايو 1920 اخذ يذكر جروبي و مقاعد الفوتيل الانيقة الوثيرة، و ما الى ذلك من اشياء، كان التعرض اليها في ذلك الوقت لونا من الطرف الفكري، و لكن كان لا يعني ان تيمور اتجه اتجاها استقراطيا في قصصه، انما كان و لا يزال يحسن تناول الشخصيات السعبية كما في قصة (صابحة) التي نشرها في "الهلال" عام 1928 و كما في غير ذلك من القصص، فتناول شخصيات "الشيخ جمعة" و الشيخ غنيم و طاقيته، و ماسح الاحذية، و بائع الكعك،و الحاج الشلبي، وفتيحة الفتاة لاساذجة، و تهاني الفتاة الشيطانة، وام الخير الخاطبة، و ام زيان لافلاحة و غير ذلك من الشخصيات الشعبلية تناولا اخاذا خلابا يثير الاعجاب به، والاستئناس اليه، و التصفيق له، و جعل همه ان يعرض لفكره مرت بخاطره، او يسجل صورة تاثرت بها مخيلته او يبسط عاطفة اختلجت في صدره، فيكون اثرها في نفوس قرائه مثل اثرها في نفسه
و المعروف ان محمود تيمور هجر خفقاته و خواطره و اسلوبه الشعري  بعد الربع الاول من القرن العشرين، و اتجه الى النثر الواقعي، و لا يكاد  القارىء يتصفح مجلات الفجر، و مجلتي و الهلال و غيرها من المجلات نجد احلى روائع قصصه منشورة على صفحاتها و شاعت الاسلوب طلقا لا تحده لغطته، او تقيده عبارة و لم يتحرج في بعض قصصه من تصوير الخلجات النفسية الخشنة دون رياء و دون نفاق، غير انه في الواقع لا يتميز بلون معين من القصص او الاقاصيص انما كان انتاجه مختلف الاصباغ، متعدد الالوان متغير الاشكال يستهوي النفوس و يختبل الالباب و يتسع لنزاعات انسانية مثل قوى الخير والشر و بين نداء الفضيلة و بين ندار الرذيلة ودعاء الفضيلة.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here