islamaumaroc

الطلاق لا يحتاج إلى حكم -1-

  دعوة الحق

العددان 88 و89

لقد اثبت علماء التربية و الاجتماع ان اساس المجتمع الفاضل لا تاتي الا بايجاد اسرة فاضلة لان تاثير البيت في التربية يلعب دورا اساسيا في تهذيب النفوس وتليين الطباع و توجيه الفرد توجيها صالحا و لا يتسير ذلك الا اذا كانت العناية الكبرى موجهى الى تاسيس الاسرة الفاضلة واختيار العناصر التي تتكون منها فان الاطفال عندما يوجدون في الحياة تتاثر غرائزهم بالمؤثرات التي توجههم بحيث لا يتكيف سلوكهم الا حسب ما يتلقونه و يشاهدونه فهم اسرع الكائنات الحية الى الاستفادة بالتجربة والتقليد، اعينهم كالات التقاط و نفوسهم كالمادة الخام تشكل حسب القوالب التي تهيئها الاسرة.
وان اهم وسيلة للتاثير في تربية الاطفال لا ترجع الى الوعظ والارشاد وانما تاتي عن طريق ممارسة الاعمال الصالحة فاذا استطاع البيت ان يحمل هذه الامانة فهو بيت صالح يؤدي دوره في المجتمع ويشارك في بناء الامة بدور فعال اما اذا كان البيت مضطربا لا تسوده الطمانينة و لا ترسي اركانه حياة استقرار فمعنىلك انه  بيت منحرف يضر و لا ينفع، يؤذي ولا يفيد، يكون معولا هداما يؤدي الى انحلا لالمجتمع و تفسخه.
ان الطفل عندما ينشا في اسرة ما يتهيا بكل ما فيه من استعداد طبيعي لتلقي التربية من والديه و ممن يعاشرهم من اخوة وخدم.
و اخوف ما يخاف المربون ان يعيش الاطفال في اضطراب نفسي او في اهمال خلقي او في تشرد وابعاد عن جو الاسرة الصالحة لذلك نجدهم يهتمون كثيرا ببعض المشاكل الاجتماعية التي قد تفضي الى خلل في السير الطبيعي لنموالمجتمعات و من بين هاته المشاكل مشكلة الطلاق لما ينتج من ويلات اجتماعية لا نستطيع حصرها.
وقد تعددت الدراسات الفقهية و التربوية للعمل على تخفيف من وقوع الطلاق و مازال المهتمون بهذا الامر الى الان يفكرون في حلول سليمة قد تختلف باختلاف البيئات وتتنوع بتنوع الاحوال و من بين الحلول التي ارتاها بعض رجال الفقه التضييق على حرية الرجل في ايقاع الطلاق فلا يقبل الا بعد رفع امره الى القاضي الذي يحمص الطلب و يدرسه فاذا راى الاسباب واهية رفض الطلب واذا راها معقولة اجازه.
ويري اصحاب هذا الراي ان هذه الوسيلة ستكون تخفيفا من وفوع لاطلاق وتلافيا لكثير من اثاره السيئة التي تشوه المجتمع و تعوق تقدمه فكثير مما نرى من مظاهر التشرد وسوء التربية لا ياتي الا عن طريق هذا الحق الذي يتصرف فيه الرجل دون تدخل من لاقضاء ولهذا يجب ان يكون عنصرالحكم اساسيا في قبوا الطلاق او رفضه.  وعلى هذا لاراي بنى المشرع التونسي حكم الطلاق في المدونة التونسية للاحوال الشخصية.
و لكننا اذا ما حاولنا التعمق في دراسة هذه المشكلة فلننا قد نرى ان النتائج التي نتوصل اليها عن طريق الحكم في الطلاق لا تزيد الامر الا تعقيدا. فهذا التضيق يزيد المشكلة وبالا ويرهق المجتمع بكثير من المشاكل الجديدة التي سيكون مفعولها قويا في تلاشي وحدتان واضطراب امرنا. فاذا اردنا حقيقة ان نفكر تفكيرا جديا في حل هذه المشكلة الكبرى فلنبحث عن اسبابها الاقتصادية والاجتماعية و الخلقية اما تحوير الحكم الشرعي الذي يجعل الطلاق لمن يملك الساق فامر تنطوي تحته شرور قد تنسف الاسس التي تنبني عليها الاسرة في الاسلام .
من الواجب على المهتمين بالدراسات الاسلامية او الدراسات الاجتماعية ان يعرفوا الحكمة لاشرعية في جعل الطلاق بيد الزوج.
هذا الحق الذي خوله الله تبارك وتعالى للرجل لم يات اغتباطا وانما كان لغاية اجتماعية كبرى مرجعها الى التفكير الذي سيوليه الرجل لتنفيذ هذا الحق فهو سيرهقه وسيؤدي به الى خسارات مادية و معنوية فايقاع الطلاق يكلفه المتعة و النفقة والعمل على ايجاد صداق جديد اذا ما اراد التزوج مرة اخرى زيادة على ان مركزه الاجتماعي يصبح امرا مهددا اما الراي العام فتخشى كثير من الاسر مصاهرته خوفالا من تجديد عمله. ولا ريب ان التفكير فيما سيلحقه قد يجنبه هذا الامر لافظيع و لا يقدم عليه الا اذا راى انه السبيل الوحيد لحل مشاكله وازالة ما بينه وبين زوجه من نفور.
ولما اباح الله تبارك وتعالى الطلاق جعله ابغض الحلال اليه و لم يترك للرجل الحرية المطلقة في استعمال هذا الحق في جميع الحالات و منح المراة حقوقا قد تكون من الموانع التي تمنع الزوج من الانسياق الى اهوائه فالحضانة حق للمراة او لامها اذا كان هناك مانع ثم تستمر الحضانة في درجات مختلفة و لا تبلغ الى الزوج الا بعد مراحل متعددة و لاشك ان هذا الحق قد يدفع الزوج الى التفكير في مصير ابنائه قبل الطلاق فلا يتجرا على ايقاعه الا اذا اضطر الى ذلك.
قهناك اذا موانع نفسة و اقتصادية و خلقية قد تجعل الزوج لا يتسرع في استغلال الحق الذي خول له و يمكننا ان نطمئن الى هذه الموانع دون ان نرهق الزوج بالرضوخ الى التقاضي في الطلاق فان استمرار الزواج تحت الضغط اضر على المجتمع من الطلاق فكيف نتصور الحياة في بيت رجل يطلب الطلاق وينتظر دوره في المحكمة و بين امراة اعاكس زوجها وتضايقه وقد تستطيع الاضرار به دون ان يستطيع اثباته؟ ان هذا الانتظار قد يؤدي الى تشريد الاطفال و الى العنف المزدوج و الى الانتاحر احيانا و الى الانفصال الجسدي المضر بالمجتمع يوميا.
و اذا كنا نعلم ان هناك اسباب نفسية او اسبابا لا يستطيع الزوج اثباتها مع انه يؤمن بها ايمانا مطلقا لانه لا حظها وراها فهل نحرمه من حقه لانه لم يرد تلطيخ شرف الاسرة التي كان قد صاهرها او لانه عجز عن الحجة؟ تصور رجلا راى زوجته بين احضان رجل يلاعبها فغضب غضبا شديدا و هاجته غيرته واثر مفارقة هاته الزوجة الخائنة فعزم على طلاقها فلم يقبل منه ذلك الا اذا ذكر للقاضي السبب و السبب قذف ةلا حجة عليه فهو لا يستطيع ذكره وانذاك لا يمكن اصدار الحكم بالطلاق ويحكم على الزوج باستمرار الحياة الزوجية الغير المرغوب فيه فيؤدي هذا الاكراه الى جرائم مختلفة ما كان احرانا ان نتجنبها لو تركنا للرجل حقه الطبيعي في اصدار الطلاق دون انتظار الحكم.
ان توقف الطلاق على اصدار حكم كما راينا لا يمكنه ان يحل المشاكل و انما يتسبب في خلق اضرار اخرى
الحلول الصالحة للتخفيف من الطلاق لا تاتي عن طريق القسر وانما تاتي عن طريق الميل النفسي لتحقيق اوامر الله.
فاول ما يجب التفكير فيه تهيىء الزواج لاصالح الملائم فاذا استطعنا تحقيق هذا الزواج المرغوب فيه شرعا فان الطلاق الذي يراد به الاضرار بالمراة او بالمجتمع يندر بوجوده. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تنكح المراة لاربع: لمالها و حسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك" وقال: "اذا جاءكم من ترضون دينه و خلقه فزوجوه الا تفعلو تكن فتنة في الارض وفساد كبير.
اذا اذا وقع حسن الاختيار وعامل الرجل المراة بالحسنى وعاملت الزوجة زوجها بمثل ذلك ستقل كثير من المشاكل ولهذا اول ما يجب التفكير فيه لحل المشاكل الاجتماعية  اعادة الثقة بالله في نفوس المواطنين و العمل على تربيتهم تربية دينية يوقنون بها بوجود الحساب الاخروي الذي ينال فيه كل ما قدمت يداه.
وقد قرن الله تبارك وتعالى وعده ووعيده دائما باحكامه ليطمئن الانسان اليه ويطبق روحها فلا يستغلها لمصالحه الذاتية فللرجل مثلا حق الطلاق و حق المراجعة في الطلاق الرجعي ولكن الله عز وجل يقول: " واذا طلقتم الناس فبلغن اجلهن فامسكوهن بمعروف او سرحوهن بمعروف و لا تمسكوا ضرارا لتعتدوا و من يفعل ذلك فقد ظلم نفسه و لا تتخذوا ايات الله هزؤا و اذكروا نعمة الله عليكم و ما انزل عليكم من الكتاب و الحكمة يعظكم الله به واتقوا الله واعلموا ان الله بكل شيء عليم".
ان العدة كما نرى تريث للرجل ليفكر في الطلاق الذي اوقعه فان راى فيه مصلحة اتمه وان ظن ان الخير في ارجاع المراة فليرجعها انما الاساس الاول الذي يلتزمه الزوج هو عدم قصد الاضرار بها فمن لم يسر وفق  شريعة الله فيلنتظر العذاب الاوفى و من امسك المراة للاعتداء عليها فقد ظلم نفسه. وهذا التهديد للنفس المؤمنة باله يدفع الانسان الى استعمال هذا الحق فيما فيه خير للبلاد والعباد.
و ان الحكمة من العدة قد تبطل اذا ما جعلنا الطلاق متوقفا على الحكم لان العدة فرصة يمنحها الشرع للرجل ليفكر فيما فعل وهذا هو السر في تطويلها فليس استبراء الرحم وحده العلة في ذلك.
و من الطبيعي ان الرجل الذي يوقع الطلاق دون حكم قد تكون الاسباب التي اوقع من اجلها الطلاق واهية فاذا تاملها كفر عن ذنبه بارجاع الزوجة واعتذر لها وعاشا بعد ذلك عيشة راضية اما اذا لم يقع الطلاق الا بعد الحكم فان كثيرا من الاسرار ستفشى كثيرا من الاتهامات ستختلق وسيؤدي ذلك الى خصومات عائلية بين الاصهار والاختان فاذا وقع الطلاق بعد كل هذا فانه يصعب على الرجل اما الراي العام ارجاع زوجة فاشى سرها او ابان عيوبها فسيكون انذاك الطلاق بالحكم تعطيلا للحكمة من التشريع الذي يجعل الطلاق بيد الزوج و الذي اوضحنا فوائده فيما تقدم.
ولقد اثبت علم النفس ان الانسان عند زواجه يريد تحقيق ثلاث غرائز(1) اساسية في تكوينه:
الغريزية الجنسية المتصلة بتحقيق لذته الجسمية.
الغريزية العاطفية التي تتجلى في الحب.
غريزة الحنان التي تتجلى في حب الاولاد والاسرة وتتضمن هذه الغرائز قوله تعالى:...و ةمن اياته ان خلق لكم من انفسكم ازواجا لتكنوا اليها و جعل بينكم مودة ورحمة ان في ذلك لايات لقوم يتفكرون".
والزواج السعيد هو الذي يستطيع تحقيق هذه الغرائز الثلاث فاذا ما وقع تنافر بين الزوجين بسبب عدم التوافق في بعض الغرائز فان الرجل قد يستطيع التغلب على نفسه فيضبطها ويلهيها بوسائل اخرى وقد لا يستطيع ذلك فلا يكون الحل السليم انذاك الا بالطلاق.
 وقد احس الشرع الاسلامي بهذه الحقيقة العلمية التي اثبتها علم النفس لذلك استغلها في تطبيق حق الطلاق فساتمال الزوج عن طريق العاطفة حينا و عن طريق الغريزة الجنسية حينا اخر.
قال تعالى:" وعاشروهن بالمعروف فان كرهتموهن فعسى ان تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا" وام الجانب الجنسي فهم ظاهر في تحريم الطلاق في حالتي الحيض و النفاس كان المراة في هذه الحالة قد تكون مضطربة او قلقة او بها مرض فلا تستطيع ضبط نفسها فتكثر معارضتها لزوجها فينشا خلاف يؤدي الى الطلاق وقد يكون الامر يرجع الى ان لاشرع يحرم الاتصال الجنسي بالمراة في ايام حيضها لما في ذلك من الاذى فيكون الزوج او الزوجة في نزوة شهوانية فيؤدي ذلك الى اضطراب يؤدي الى فراق ولهذا اجبر الاسلام الزوج على مراجعة زوجته في هذه الحالة الطارئة كما في حديث ابن عمر لان كثيرا من المشاكل قد تضمحل عند تحقيق بعض الغرائز الجنسية بين الزوج و الزوجة.
ان هذه الوسائل لاشرعية في الحقيقة تخفف من الطلاق رغم انه لا تتنافى مع غريزة الانسان و حقيقة وجوده.
و قد كان الرسول صلى الله عليه وسلم ينشر تعاليمه القيمة بين صحابته حفاظا على سلامة الاسرة من الانحلال حتى لا يتسرب اليها لاشقاق فيؤدي الى الطلاق و من اقوى تعاليمه قوله صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح البخاري: "اذا اطال احدكم الغيبة فلا يطرق اهله ليلا" هذا الحديث يدل على ان الزوج يجب عليه ما امكنه ان يبتعد عن بعض الاسباب التي تخلق الاضطراب داخل اسرته.
انه ان سافر وتغيب كثيرا عن زوجه ثم رجع ليلا دون ان يكون لها علم برجوعه فقد تضطرب او تخاف او لا تكون مستعدة له او قد يساورها شك بان زوجها لم يطرق بابها الا ليختبر عفتها فيكون ذلك سبب انكسارها فتفسد العلاقات و قد تكون الحكمة غير ذلك و لكن لا تخرج عن الهدف الاصلاحي الذي يرجوه الشرع من حسن التالف بين الزوجين.
و مما تقدم نلاحظ ان الغاية من العلاقات الزوجية ايجاد التفاهم بين الزوجين و معاملة كل طرف للاخر بالحسنى و ليس في جعل حق الطلاق للرجل اي ضير على المراة مادام من المفروض ان تراعي حقوقها فاذا ادخل الزوج بهاته الحقوق فان لاشرع انذاك اباح للمراة ان تطالب ان تطالب بالتطليق في مسائل ابرزها الفقهاء كالاضرار و العيب و الغيبة والايلاء والاعسار بالنفقة و في النشوز ايضا بعد ارسال الحكمين.
واختلفت اراء الفقهاء في تعليل هاته الاحكام بل ضيق بعضهم على المراة في المطالبة بالطلاق حين عجز الرجل على الانفاق فقال ابن حزم ان الاعسار بالنفقة لا يمكن ان نجعله موجبا للتطبيق فاذا عجز الزوج عن الانفاق فلينفق عوضه والده او ابنه ان كانا غنيين فان لم يوجدا او لم يكونا غنيين فلننظر الى حالة الزوجة المدعية فاذا كانت غنية انفقت من مالها و لا تطالب زوجها بما انفقت اذ ايسر فان كانت المراة فقيرة اخذت من سهم الفقراء في بيت المال.(2)
و لا ريب ان راي ابن حزم انما هو حل مؤقت حتى يبحث الزوج عن عمل يكفيه شر الفقر والعجز والاتكال على الغير و فيه تخفيف من الاسباب الداعية الى الطلاق وقد عمل بعض المشرعين في المغرب حين تدوين الاحوال الشخصية على تحجير الزوج في الحق الذي كان يتصرف فيه بكل حرية فحرموا الطلاق المعلق على فعل شيء او تركه و الطلاق باليمين والحرام وطلاق الغضبان الذي اشتد غضبه وطلاق السكران الممتلىء سكرا وطلاق المكره.2
وهم في جل هذه الاحكام يرجعون الى اجتهادات ائمة المسلمين راو في تضييق الحق تخفيفا من وقوع الطلاق.
ان الاسلام كما لاحظنا لم يكن موقفه سلبيا حين جعل الطلاق بيد الرجل و لم يجعله بيد المراة وحينما جعله لا يتوقف على الحكم في اصداره الا اذا كانت المراة ترغب فيه فينظر القاضي في طلبها و يحقق ما فيه مصلحة الاسرة(3).
ان الطلاق في الاسلام حق منحه الله للرجل وينتقل هذا الحق الى القضاء اذا طلبت المراة ذلك في احوال خاصة قد تقدم تحليلها.
و ما الحكمة من تشريع الطلاق الا الاتجاء اليه لحفظ كيان الاسرة واصلاح الفرد والمجتمع اذا تعذر ذلك عن طريق زواج قد فشل في تحقيق مهمته الاجتماعية والانسانية.

(1)  علم النفس الجنائي علما وعملا للاستاذ محمد فتحي بك، الجزء الاول صفحة 141.
(2)  المحلى الجزء العاشر عن كتاب ابن حزم للأستاذ محمد أبي زهرة صفحة 462.
(3)  المواد 49 – 50- 51 -52 من مدونة الاحوال الشخصية المغربية، ثم الرجوع الى الجزء الرابع من كتاب "زاد المعاد، في هدي خير العباد" لابن القيم الجوزي.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here