islamaumaroc

الوصية بأكثر من الثلث

  محمد الطنجي

13 العدد

حضرة الأستاذ الجليل سيدي عبد الكريم محمد التواتي.
ناولني رئيس تحرير مجلة ((دعوة الحق)) الأستاذ السيد عبد القادر الصحراوي رسالتكم الكريمة التي تضمنت ملاحظتكم على مقالي المنشور بدعوة الحق، فأبادلكم التحية بمثلها، وأكبر فيكم روح البحث العلمي، وأتمنى على الله أن يكثر أمثالكم في أمتنا الفتية حتى تتسع آفاق الأجواء العلمية بين شبابنا الناهض، فيرتفع المستوى الفكري والأدبي، وتبلغ أمتنا وتسترجع مكانتها العليمة السالفة بين الأمم ذات الحضارة الكبرى، ولا يفوتني أن أعرف بأنكم أنزلتموني في مكانة عملية لست أهلا لها، وإنما أنا طالب علم واستفادة كعدد من طلابه الصغار.
وبعد فقد قرأت ملاحظتكم القيمة على المقال الذي نشرته بمجلة دعوة الحق تحت عنوان (تطور تشريع الوصية في الإسلام) حيث ذكرتم تعليقا على جاء في الحديث: (أنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس) ولفتم النظر إلى مفهوم كلمة (عالة يتكففون الناس) قائلين أن مفهومها يكاد يكون صريح الدلالة في أنه عند انعدام هذا الخوف، فلن يكون هناك شرعا أي مانع يحول دون الوصية بالثلث مع وجود الوارث من الصلب إلخ .. ويظهر أن ذكركم للثلث في حالة انعدام الخوف في هذه الصورة سبق قلم، إذ مقصودكم الوصية بجميع المال في حال غنى الوارث بدليل آخر كلامكم.
وأنكم يا سيدي الأستاذ في ملاحظتهم قد وافقهم ما ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح، وعند تعداده للفوائد المستفادة من الحديث، حيث ذكر من جملتها: أن من لا وارث له تجوز له الوصية بأكثر من الثلث، لقوله صلى الله عليه وسلم ((أن تذر ورثتك أغنياء...)) قائلا فمفهومه أن من لا وارث له لا يبالي بالوصية بما زاد، لأنه لا يترك ورثة يخشى عليهم الفقر، ثم قال الحافظ وتعقيب بأنه ليس تعليلا محضا، وإنما فيه تنبيه على ما ألاحظ والأنفع، ولو كان تعليلا محضا لاقتضى جواز الوصية بأكثر من الثلث لمن كانت ورثته أغنياء، ولنفذ ذلك عليهم بغير إجازتهم، ولا قائل بذلك. ويمكن أن يبحث في هذا التعقيب نظريا، إلا أن المتبادر إلى الفهم من جهة الإسناد، وأن الموصي يترك الورثة أغنياء بماله، لا بمال آخر من غير طريق إرثه بعد موته.
ويؤيد هذا النظر أمران: الأول نقلي، حسب ما تقرر في القواعد الأصولية ونقله القرافي عن الإمام الشافعي من أن ترك الاستفصال في حكايات الأحوال، ينزل منزلة العموم في المقال، نحو قول النبي عليه السلام لغيلان حين أسلم على عشرة نسوة: أمسك أربعا وفارق سائرهن، من غير كشف عن تقدم عقودهن أو تأخرها أو اتحادها أو تعددها، فلذلك يقال هاهنا:
 حيث أن النبي أطلق ولم يستفسر عن حالة الوارثة أو الورثة هل لهم مال لا فيعم الحكم الحالتين.
الأمر الثاني ما في رواية النسائي وأحمد بمعناها من قول سعد، عادني رسول الله صلى الله وسلم في مرضي فقال: أوصيت؟ قلت: نعم. قال: بكم؟ قلت: بمالي كله في سبيل الله. قال: فما تركت لولدك؟ قلت: هم أغنياء. فقال: أوص بالعشر، فما زال يقول وأقول حتى قال أوص بالثلث والثلث كثير أو كبير) فأنت ترى كيف عبر سعد عن ورثته بقوله. (هم أغنياء) بالجملة الاسمية التي تفيد الاتصاف بالغنى حالا، من غير ماله الذي سيخلفه بعد موته، لأنه أوصى به كل حسب أخباره في هذه الرواية، حتى راجعه رسول الله عليه وسلم.
أما سكوتي عن احتمال وجود ورثة مسلمين لمخيريق الذي أوصى بجميع ماله، فإن القصد من سياقه هو إجازة الرسول للوصية بجميع المال، أما التفصيل بين وجود ورثة مسلمين له أو عدم وجودهم فليست له أهمية هنا، بحيث أنه لا يفيدنا الفائدة التامة، بل العبرة بالتشريع التفصيلي الوارد في حديث سعد ابن أبي وقاص، فأي تفصيل يستفاد من حديث مخيربق ينسخه ويقدم عليه ما يستفاد من حديث سعد، لأن قصة مخيريق في غزوة أحد في السنة الثالثة من الهجرة، وحديث سعد كما في كثير من رواياته في حجة الوداع، بهذا يتبين الأساس الصحيح الذي أشرت إليه في مقالي المنشور بالعدد الثاني عشر من مجلة (دعوة الحق) وهو ما صرح به الحافظ بن حجر من استقرار (الإجماع على منع الوصية بأكثر من الثلث، لكن اختلف فيمن ليس له وارث خاص) أي فمن كان له وارث خاص وقع الإجماع على منعه من الزيادة على الثلث كيفما كانت حال الوارث غنيا أو فقيرا، وقد نقل هذا الإجماع الشوكاني والصنعائي.
والله يحفظ الأستاذ الباحث عبد الكريم محمد التواتي، ويزيد في معناه، والسلام عليك أولا وأخيرا.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here