islamaumaroc

المناهج التعليمية عند ابن خلدون.-2-

  دعوة الحق

العددان 88 و89

لقد حاولت في العدد السابق ان ابسط راي ابن خلدون في المناهج و الطرق التعليمية، ورايت ان اقسم راي ابن خلدون الى قسمين كما سبق القول قسم عرضت فيه الطرق التي سنتقده ابن خلدون كاساليب تتخذ في التعليم، وطرق يقترحها، ولعل قارئا نبيها يتسائل عن الفرق بين ما ينتقده ابن خلدوزن كاساليب تتخذ في التعليم، و طرق يقترحها، والجواب على ذلك ان ابن خلدون فيما ينتقد انما كان يتناول بعض المناهج الموجودة بالفعل، ولكنها على الرغم من كل ذلك في نظرة عميقة لا يجوز اتخاذها كطرق موصلة لتحقيق الملكات عند المتعلمين، كما اني اشرت في العدد لاسابق الى السب  الذي جعلني ابدا بتقديم ما ينتقده، و اما ما يقترحه ابن خلدون فقد  يكون موجودا و قد لا يكون و لكنه عمد اليه فاخترعه او بالاحرى اقترحه كاسلوب في التعليم، وقد حاولت في عرض نظرية ابن خلدون ان التزم الاختصار متوخيا ما امكن الاطناب و التحليل المطول، حت يجد القارىء نظرية ابن خلدون سهلة يسيرة لا تكتنفها نظريات خارجة عن ارائه، وحتى لا افلسف نظريته في التعليم فلسفة قد يختلط فيها ما لابن خلدون و ما لغيره من نظريات في الموضوع ولذلك عمدت الى هذا  التحليل قائما على عرض نظريات ابن خلدونكانما يعرض نظرياته بنفسه، وا فان الموضوع مطروق بل متداول، الا ان هذا التداول قد يختلف مع الطريقة التي عرضت بها هذا الموضوع مكن حيث الاختصار و الابتعاد عن التلفسف ، و الاقتصار ما امكن على كلام ابن خلدون نفسه في هذا التحليل، و حتى يكون هذا العرض مساعدا للقاريء على لمس هاته النظريات اذا هو شاء ذلك و حاول ان يرجع بنفسه الى المقدمة ليدرس هاته النظريات.
و مع ذلك فاني لا ازعم اني احطت بنظريات ابن خلدون و انما عرضت منها ما هو بارز، و ا فان الانسان قد يعثر على اشياء اخرى غير ما عرضت من نظريات، في ثنايا بعض الموضوعات الاخرى قد يكون لها اتصال بالموضوع
 راينا بالعدد السابق ان ابن خلدون ينتقد اشاء يراها مطبقة في التعليم و تتلخص هذه الاشياء في الامور التالية: 1)- كثرة التاليف 2)- كثرة الاختصارات 3)- البداية بالمسائل المقفلة 4)- عدم الاقتصار على كتاب واحد 5)- تطويل الجلسات 6)- صناعة المنطق 7)- الشدة على المتعلمين و ام الاشياء التي يقترحها ابن خلدون فهي كما يلي:

1)- التدريج: و من المذاهب التي يقترحها ابن خلدون كاساليب في التعليم، السير بالمتعلم خطوة فخطوة، و هذا التدرج يسير عنده في خطى ثابتة و مراحل متفرقة، كل مرحلة تختلف عن سابقاتها من حيث الزيادة في التوسع و الدخول في التفصيلات اكثر فاكثر، يعلمه خطوة فخطوة، يعلمه في المرحلة الاولى قليلا من العلم، يلقي له المسائل كنظرة عامة على سبيل الاجمال مع مراعاة قوة استعداده لقبول ما يلقى له من العلم، و هذه المرحلة الاولى انما هي اجمالية لا تكفي المتعلم ليحصل على فن من الفنون و لذلك يقول: و عند ذلك تحصل له ملكة في ذلك العلم الا انها جزئية و ضعيفة و غايتها انها هياته لفهم الفن وتحصيله مسائله)
و المرحلة لاثانية في التدرج التي تلي هاته المرحلة و التي يراها ابن خلدون ضرورية في كل فن، تكون اوسع من الاولى في التلقين من حيث لاشرح والبيان، مع الخروج الى ذكر الخلاف حتى تكون النظرة اوسعمع الاشارة طبعا في هاته المرحلة الى ما عرضه عليه في المرحلة الاولى: (ثم يرجع به الى  الفن ثانية فيرفعه في التلقين و عن تلك الرتبة الى اهلى منها و يستوفى الشرح والبيان، ويخرج عن الاجمال، ويذكر له ما هنالك من الخلاف، ووجهه الى ان ينتهي الى اخر لافن فتجود ملكته)، وتلي تلك المرحلة مرحلة ثالثة هي اشبه بالاولى من حي ثالعودة الى اصول الفن كله، و اشبه بالثانية من حيث الاخذ لما في الطريقة الثانية من ذكر الخلاف و غيره، الا انها تزيد على الثانية في انها – زيادة على ذكر الخلاف – لا تترك عويصا، و لا مبهما، و لا مغلقا الا وضحته و عن هذه المرحلة الثالثة يقول ابن خلدون: (ثم يرجع به وقد شك يترك عويصا ولا مبهما و لا مغلقا الا وضحه، و فتح له مقفله، فخلف من الفن و قد استولى على مملكته) و هذا السير عند ابن خلدون في التدرج، امر لا بد من في كل فن، المرحلة الاولى كما وصفنا، والمرحلة الثانية والثالثة: (و هو كما رايت أي تلقين العلوم انما يحصل في ثلاث تكرارات) و كلما ذكر ابن خلدون التعليم و اذكر طريقا من طرقه، الا ويذكر الملكة التي هي الغاية الاولى نت تعلم كل فن سبقت الاشارة الى ذلك

2)- الاقتصار على علم واحد في التعليم: و من المذاهب الجميلة التي يقترحها ابن خلدون الاقتصار على فن واحد اثناء التعلم، حتى لا تختلط على المتعلم امورهذا الفن بغيره من الفنون الاخرى، و انما يقتصر على العناية بفن واحد حتى اذا فرغ منه و حصلت له  فيه ملكة انتقل الى فن اخر (و من المذاهب الجميلة و الطرق الواجبة في التعليم الا يخلط على المتعلم علمان معا فانه حينئذ قل ان يظفر بواحد منهما لما فيه من تقسيم البال و انصرافه عن كل واحد منها الى تفهم الاخر، فينغلقان معا، و يستعصيان، ويرجع منهما بالخيبة، واذا تفرغ الفكر ليتعلم ما هو بسبيله مقتصرا عليه، فربما كان ذلك اجدر بتحصيله)
و قد كان طبيعيا ان يقول ابن خلدون بهذا الراي و هو لا يرى في التعلم الا غاية لحصول الملكة، و ليس مجرد استظهار، فالملكة عنده تقتضي الادراك، والادراك يقتضي حصر البال وعدم تقسيمه، فتوزع الذاكرة بين فنين، و الا لو كان التعلم لا يقوم عنده على الملكة، لما قال بهذا الراي، لان الاستظهار لا يقتضي كل هذه الموضوعية، و انما يستظهر الانسان ما قدر على الاستظهار، وقد راينا في غير هذا  الموضوع، ان ابن خلدون المنهجي يرى دائما ان الموضوعية احلى الوسائل الفعالة في التعليم، فبعد ان انتقد استعمال الكتب المتعددة في فن واحد، او الزيادة من حيث الموضوع على ما في الكتاب الذي اخذ به المتعلم بعد ان انتقد ذلك كله، وجد نفسه مدفوعا ليقترح هاته النظرية، نظرية الاقتصار على علم واحد، كتتميم لذلك النقد الذي هو في الحقيقة اقتراح ادخله ضمنيا فيما تناوله بالنقد، فهاته النظرية تتشابه تماما مع النظرية التي سبقت الاشارة اليها في جمله ما تناوله ابن خلدون من موضوعات منتقدة، و كل هاته النظريات سواء منها ما انتقده ابن خلدون او ما اقترحه كل هاته النظريات مبالغة في الاحاح على التركيز و الموضوعية، باعتبار ان العلم واحد لا يختلف من كتاب لاخر و من موضوع لاخر، و ان الالفاظ و الطرق ما هي الا اداة موصلة لذلك، و اما فيما يرجع للاقتصار على فن واحد، فان السبب عنده كما راينا هو حصر الملكة في موضوع واحد، بالاضافة الى ان العلوم انما هي حلقات متصلة يكمل بعضها بعضا، و لذلك كان من الاليق بالانسان الا ينتقل الى فن، حتى يكون قد حصل الفن الذي ابتدا به في التعلم، ليكون ذلك عونا له على الفن الجديد، ولتكون الملكة بدورها قد اخذت نوعا من المران على التلقي من جهة، و التركيز من جهة اخرى

3)- استعمال الفكر الطبيعي: و من الوسائل التي يقترحها ابن خلدون كطرق موصلة للتعليم، استعمال الفكر الطبيعي و هو يريد به التصال بالافكار و المعاني التي تحملها الالفاظ مباشرة من غير واسطة، حتى اذا اتصل الانسان بالفكرة مجردة واستوعبها، جاز له لعد ذلك لن يتصرف فيها باستعمال الالفاظ، او الادلة، و الفكر الطبيعي عند مخالف لاستعمال المنطق، او هو عنده في منزلة المفهوم بالنسبة للاشياء التي عرضنا لها سابقا، و كان يجبانةنكتفي بذلك الذي قدمناه، من رفض استعمال المنطق، لولا ان ابن خلدون ساق هذه النظرية كاقتراح في صراحة لا تحتمل اللبس، و اما  نظرية رفض المنطق التي عرضنا لها سابقا في جملة ما يرفضه ابن خلدون فانما كان ذلك تثبيتا او تفسيرا لهذا الاقتراح، و ان كان هذا الاقتراح اشمل من حيث رفض المنطق، و رفض الادلة الاصطناعية، ورفض الالفاظ جملة و تفصيلا، ولذلك يقول: (و اعلم ايها لاالمتعلم، اني اتحفك بفائدة في تغلمك، فان تلقيتها بالقبول، و امسكتها بيد لاصناعة، زفرت بكنز عظيم و ذخيرة شريفة) و قبل ان يعطي هاته لافائدة، ياخذ في التعليل قائلا: (وذلك ان الفكر الانساني طبيعة مخصوصة فطرها الله كما فطر سائر مبتدعاته، و هو وجدان حركة للنفس في البطن والدماغ، تارة يكون مبدا للافعل الانسانية على نظام ثابت، و تارة يكون مبدا العلم ما لم يكن حاصلا بان يتوجه الى المطلوب)، و في عبارة اخرى يبين استعمال الفكر الطبيعي و محاولة ادراك الحقائق في معزل عن الادلة الاصطناعية من المنطق و غيره، وهي لافائدة التي يريد اتحاف المتعلم بها (و اخلص الى قضاء الفكر الطبيعي الذي فطرت عليه، و سرح نظرك فيه، و فرغ ذهنك للغوص على مراميك منها، وافعالها – المرامي – حيث وضعها اكابر النظار قبلك)، و قد الم ابن خلدون في استعمال الفكر الطبيعي في عبارات متباينة الالفاظ، مثقفة المعنى، الحاحا يبدو فيه التعلم قضية مران للذاكرة على الذكاء قبل كل شيء، حتى ليخيل للانسان احيانا ان ابن خلدون يكتفي بالذكاء وحده على التعلم، وتلك طبيعة الاشياء يجعلون العقل فوق التعلم و الذكاء مفتاحا، لكل شيء حتى ولو كانذلك في موضوع التعلم، باعتبار ان الالفاظ انما هي وسيلة لاداء المعاني، فاذا حصلت المعاني التي هي الغاياتت فقد لا يبقى لمناقشة الالفاظ من معنى، الا ان يكون ذلك ضياعا للوقت فيما لا فائدة منه: ( و اما ان وقفت عند المناقشة ولاشبه في الادلة لاصناعية و تمحيص صوابها من خطتها الى ان يقول فلا تتميز جهة الحق منها، اذ جهة الحق انما تستبين اذا كانت بالطبع فليستمر ما حصل من الشك والارتياب و و تسدل الحجب عن المطلوب) و في التاكيد على هاته لافكرة يعود فيقول (و من حصل له شغف بالقانون المنطقي تعصب له فاعتقد انه الذريعة الى ادراك الحقائق بالطبع، فيقع في الحيرة بين شبه الادلة وشكوكها،  و لا يكاد يخلص منها، و الذريعة الى ادراك الحق بالطبع، انما هو الفكر الطبيعي كما قلناه اذا جرد عن الاوهام)
و من خلال هذا التحليل الذي يلح عليه ابن خلدون يبدو واضحا ان من معاني الفكر الطبيعي عنده الربط بين المسائل العلمية و الحقائق الواقعية المشاهدة، ولا يكتفي ابن خلدون بان يورد نظرية و يردفها بالتعليل، او يستقبلها بالتعليل، بل يعززها حتى بالحجج العملية، فيقول مثلا، (ولذلك تجد كثيرا من فحول النظار في الخليقة يحصلون على المطالب في العلوم دون صناعة المنطق)
و مع هذا فابن خلدون يدرك ما للالفاظ من قيمة و ما للادلة من اثر في التعلم، و لا ينتقد الفاظ لذات النقد، و انما ينتقدها لما تسببه من حيرة و ارتباك للمتعلم تحول بينه و بين ادراك الحقائق العلمية و الكامنة وراء الفاظ، وهو لذلك يوصي المتعلم الا يهمل الالفاظ تمام، يوصيه ان ينقذ للافكار في غير ما جنوح الى اتخاذ الالفاظ وسيلة لذلك، ختى اذا حصلت له الملكة و حصل له العلم بواسطة الفكر الطبيعي، عاد فكسا هاته المعاني من حلل الالفاظ ما ينابها، و هو بذلك كله، انما يحاول دائما وابدا ان يشعر المتعلم  بان االالفاظ التي جرى بعض الناس على تقديسها، ما هي الا الات يستخدمها الانسان كما يستخدم الادوات في كامل الحرية، لا يشوب هذا الاستخدام نوع من التقديس للافاظ فيشعر المتعلم بان حل مغلقها من امور التعلم الواجبة عليه: (و حينئذ فارجع الى قوالب الادلة و صورها فافرغه فيها، ووفه حقه من القانون الصناعي، ثم اكسه صور الالفاظ، وابرزه الى عالم الخطاب و المشافهة، و ثيق العرى صححي البنيان)، و لم يك ذلك عند ابن خلدون الا ليكتسب المتعلم نوعا من الجراة على الالفاظ فيعتاد ذلك و تصير فيه امرا جبلا، كلما عرض له لفظ غامض، كلما وجد في نفسه استعدادا ليتجاوزه الى المعنى المطلوب، وخاصة اذا هو داب ان يصنع للافكار من عنده الالفاظ.

4)- التوسع والاختصار في العلوم: و من المذاهب التي يعرض لها ابن خلدون في التعليم طريقتا التوسع مع المتعلمين، او الاختصار من التوسع، والاختصار و التوسع – كما نرى – طريقتان مضادتان كل منهما يسير في خط يخالف الخط الذي يسير فيه الاخر، و لا يقصد هنا ابن خلدون بالتوسع ذكر الخلافات فحسب، بل يريد به التبحر في الفن تبحرا كاملا، كما انه يريد بالاختصار، الاكتفاء بالقواعد لاضرورية التي يحتاجها الانسان في ممارسته عملا ما، يتوقف فيه ذاك العمل ععلى قواعد ضرورية من هذا الفن،  و نظرية التوسع والاختصار قائمة على تقسيم خاص للعلوم، يمكن حصره في صنفين، صنف يدرس لذاته كالشرعيات من التفسير و الحديث و الفقه و علم الكلام، او كالطبيعيات والالهيات، من الفلسفة، وصنف اخر هو وسيلة والة لهذه العلوم كالعربية، و الحساب، بالنسبة للشرعيات او المنطق بالنسبة للفلسفة، ولكون هذه العلوم صنفين مختلفين، من حيث الغايات، فقد اقترح ابن خلدون اقتراحين متضادين كما قلنا:
الاول اقتراح موضوعه طلب الاختصار و ذلك في العلوم الية التي هي وسيلة لغيرها، لا اقل و لا اكثر، وكذلك يقول عنها: " واما العلوم التي هي الة لغيرها مثل العربية، و المنطق و امثالها، فلا ينبغي ان ينظر فيها الا من حيث هي لذلك الغير فقط، و لا يوسع فيها الكلام، و لا تفرغ لامسائل، لان ذلك مخرج لها عن المقصود، اذ المقصود منها ما هي الة له لا غير، فكلما خرجت عن ذلك خرجت عن المقصود، وصار الاشتغال بها لغوا)
و اما الاقتراح الثاني فيما يتعلق بالتوسع او التطويل و هو عكس الاقتراح الاول الذي هو الاختصار، و فيه يقترح او بالاحرى يستحسن التطويل، و ذلك في موضوع العلوم الغير الالية، أي العلوم التي هي مقصودة لذاتها و التي هي منتهى العلم، مثل لاشرعيات و الطبيعيات، و الالهيات، فهذه الالوان من العلوم لا باس فيها من التطويل عند ابن خلدون، و هو لذلك يقول عن التطويل: (و اما العلوم التي هي مفاصد، فلا حرج من ةتوسعة الكلام فيها، و تفريع المسائل، واستكشاف الادلة و الانظار، فان ذلك يزيد طالبها تمكنا  في ملكته، وايضاحا لمعنيها المقصودة)، واستكشاف الادلة عند ابن خلدون و التوسع، ليس هو ذكر الخلاف و المسائل العويصة، او المبهمة التي اقترحها في نظرية التدرج بالمتعلم، فتلك نظرة يقترحها في كل علم، اما هنا فيقترح هذا الراي في بعض المسائل الخاصة، وتلك غير هذه، فقد عبر عن تلك بالخلافات و المسائل العويصة و المبهمة، اما هنا فسعبر بتفريع المسائل و استكشاف الادلة و الانظار فهذه مرحلة تتجاوز ذلك، و لا يقف عندها الا المتخصصون، و المتخصصون لا يقفون عندها الا في بعض الاصنافالتي تسلتزم ذلك و تدعو اليه في الحاجة هذا النوع من العلم، و تنبغي الاشارة الى ان هناك علوما قد تعد من العلوم المقصودة لذاتها كما يتخيل، و لكنها في الواقع ليست الا الة لغيرها، كاصول الفقه التي هي الة استنباط الاحكام الشرعية، و لذلك عندما اخذ ابن خلدون ينتقد على الاقدمين التفصيل في العلوم الالية، عد اصول الفقه منها، حيث قال: (كما فعل المتخرون في صناعة النحو و صناعة المنطق واصول الفقه لانهم وسعوا الكلام فيها، و اكثروا من التفاريع و الاستدلالات، بما اخرجها عن كونها الة، و صيرها من المقاصد) و ابعد من هذا ان ابن خلدون لا يجعل التفسير و الحديث و الفقه و علم الكلام من الامور المقصودة، و انما هي علوم الية، اما علم الكلام فامره وضاح في ذلك، و لكن عند التفسير و الحديث و الفقه من العلوم الالية، امر يدعو لنوع من التامل، وخاصة الفقه و عبارته في ذلك واضحة: ( اعلم ان العلوم المتعارفة بين اهل العمران على صنفين علوم مقصودة بالذات كالشرعيات، من التفسير و الحديث و الفقه و علم الكلام) فعبارته تعطي ان الشرعيات أي الاستنباطات الماخوذة من التفسير و الحديث و الفقه و علم الكلام هي العلوم المقصودة لذاتها، كما قد يتسرب الى ذهن القارىء من العبارة التي يسوقها ابن خلدون، وخاصة حرف (من) الذي يدل على استخراج و الاستنباط، وبمثل هاته الكلمات عبر في حق العلوم الطبيعية، والالهيات، عندما عرض لهما في سياق اشبه بالسياق الذي عبر به عن الشرعيات: (و كالطبيعيات و الالهيات عن الفلسفة)
فعبارته لا تعطي ان الفلسفة علم مقصود لذاته، و انما العلوم المقصودة لذاتها هي الطبيعيات، والالهيات المستخرجة من الفلسفة و كل هذا ليس من الغرابة في شيء و انما الغريب هو ان ابن خلدون عد الفقه من الامور الالية، و هو يرى ان الشرعيات المستنبطة علوم مقصودة لذاتها، و أي شيء هي الشرعيات اذا لم تكن فقها، اننا لا نستطيع ان نتخلف من هذه الاشطال، الا اذا استطعنا ان نحمل عبارة ابن خلدون على انه اراد بالفقه القواعد، و الطرق الموصلة للفقه، لا الفقه ذاتهالذي هو الشرعيات كما نعرفه في عصرنا هذا.
5)- السيطرة و بشروح النقد و الملاحظة في المتعلم و محاولة الشعور لبيئة المتعلم: و من المذاهب التي يراها ابن خلدون من احسن الوسائل مانسميه بالسيطرة على المتعلم، بالاضافة الى خلق روح الملاحظة في التلميذ مع حمله على احترام المتعلم، و منعه من الضحك و هو لذلك يسوق نصا يريد به تقريرا رايه، يجمع كل هاته الاقتراحات و لم يخصصه عند الاستدلال بواحد منها، حتى يشعر القارىء انه انما يستحسن بعض ما ورد في النص الذي شاقه وترك البعض الاخر، وانما ساقه سياقة تدل على انه ياخذ بما في النص صراحة او اشارة او تلميحا (و من احسن مذاهب التعليم ما تقدم به الرشيد لمعلم ولده محمد الامين فقال له: يا اخي ان امير المؤمنين قد دفع اليك مهجة نفسه و ثمرة عقله، فصير يدك عليه مبسوطة، و طاعته لك واجبة، الى ان يقول: وبصره بمواقع الكلام وبداه، و امنعه من لاضحك الا في اوقاته) فابن خلدون كما نرى،  لا يرى لاضحك ممنوعا بل يتجاوزه، و اكثر من هذا يرى ان الصحك اوقاتا، و اذا كان ابن خلدون ينتقد الشدة على المتعلمين و يدعو كذلك الى المسامحة معهم، فان لا ينسى ان يجعل لهاته المسامحة حدا تقف عنده، و لذلك يورد هذا النص ويورد المسامحة و حدودها، في جملة ما يورد من امور: (و لا تمعنن في مسامحته فيستحلي الفراغ) و في مكان اخر من نفس النص، يوصي الرشيد بالملاينة مع المتعلم، الا انها اذا لم تفد جاز استعمال غيرها: (فان اباهما فعليك بالشدة و الغلظة)
 و اما محاولة الشعور بالشدة عند المتعلم، فانها ايصا تبدو واضحة في اقتراح ابن خلدون من خلال النص الذي اورده، و الذي اخذ به كما قلنا جملة وتفصيلا (و قومه ما استطعت بالقرب و الملاينة)
6)- الرحلة في طلب العلم: و من الوسائل المهمة في التعليم عند ابن خلدون الرحلة و هي عنده من مكملات الثقافة و العلم (في ان الرحلة في طلب العلوم و لقاء المشيخة مزيد كمال في التعليم)، و رغم ان ابن خلدون لا يعطينا تحديدا او تعريفا لهاته الرحلة التي يقترحها، اى ان المراد منها يتضح، بعد ان ياخذ الانسان في معرفة رايه فيها، و يمكن ان نعرف الرحلة عند ابن خلدون انها لقاء الشميخة، سواء كانت المسافة قصيرة او طويلة، الا ان الرحلة عنده تقتضي الشيوخ، وتعددهم، وتعدد الشيوخ لا يكون الا اذا كانت الرحلة اطول، فتعدد لاشيوخ يكون بقدر الرحلة طولا وقصرا، و كلما تعدد الشيوخ، كلما كان ذلك عند ابن خلدون افيد في التعلم، أي الرحلة كلما كثرت الرحلة و تعددت كلما كان ذلك اجدى للماعلم
و الرحلة كما يرى ابن خلدون، لا تعلم الانسان فقك المعلومات بل ياخذ فيها شاياء غير المعلومات، و من اخلاق، و فضائل: و يقول عناه معللا: و لاسبب في ذلك، ان البشر ياخذون معارفهم، و اخلاقهم، وما ينتحلون من المذاهب و الفضائل تارة علما و تعليما و القاء، وترة محاكاة و تلقينا بالمباشرة،) كما ان التعليم عنده لا يقوم دائما على التعليم، بل على التلقين بالمباشرة و المحاكاة، و ليست المحاكاة عنده تعني التقليد، بل التعلم العملي، الذي نطلق عليه نحن في عصرنا التجربة، و ابن خلدونلا ينسى ما للطريقة العملية من قيمة في التعلم، بل ليست هناك أي وسيلة اكثر فعالية في التعلم، بل ليست هناك اية وسيلة اكثر فعالية في التعلم، من الاخذ بالمسائل العلمية، و لذلك يقول، عن الطريقة العلمية، (و التلقين اشد استحكاما، واقوى رسوخا)، وبهذا التحليل نكون قد اضفنا  مبدا اخر من هذه المبادىء التي يقترحها ابن خلدون في ذكره في ضمن الرحلة و لم يذكره على انفراد، و لكون الغاية من الرحلة هي مباشرة التلقي عن لاشيوخ بطريقة المشافهة، يقول عن التلقي من لاشيوخ: (فعلى قدر كثرة الشيوخ يكون حصول الملكات و رسوخها)، وابن خلدون في موضوع لارحلة لا يفتا يؤكد و يلح على الرحلة فيقول عنها (فالحلة لا بد منها في طلب العلم) و الهدف الرئيسي من الرحلة عند ابن خلدون هو لقاء الشيوخ و مباشرة التلقي عنهم، انما هو التعلب على هاته الاصطلاحات، وتذليل الصعوبة، التي تصادف المتعلم، و تبدو له و كانها  جزء من العلم، فلايدفع عنه ذلك الامباشرته لاختلاف فيها من المعلمين،قلقاء أهل العلوم،وتعدد المشايخ،يفيد تمييز الاصطلاحات، بما يراه من اختلاف طرقهم فيها، فيجرد العلم عنها، ويعلم انها أنحاء تعلم،وطرق توصل،وتنهض قواه الى الرسوخ والاستحكامفي المكان، الرحلة التي يلتقي فيها بالشيوخ (و الاصطلاحات ايضا في تعليم العلوم مختلطة على المتعلم حتى لقد يظن كثير منهم انها حزء من العلم و لا  يدفع عنه ذلك الامباشرته لاختلاف فيها من المعلمين، فلقاء اهل العلوم، و تعدد المشايخ، يفيده تمييز الاصطلاحات، بما يراه من اختلاف طرقهم فيها، فيجرد العلم عنها، و يعلم انها انحاء التعلم، وطرق توصل، و تنهض قواه الى لارسوخ و الاستحكام في المكان، و تصح معارفه، وتميزها عن سواها، مع تقوية ملكته بالمباشرة و التلقين ة كثرتهما، من المشيخة عند تعددهم و تنوعهم) و الملاحظ ان ابن خلدون سواء في مباشرة الشيوخ او في التعلم النظري يبدي تذمرا بالغا من الالفاظ، و الاصطلاحات عنده اشد على المتعلمين من غيرها، و اهم ما يلفت نظر لاقارىء في موضوع الرحلة عند ابن خلدون، انه انما جعلها قاصرة تقف فائدتاه، على المتعلم عند تقديم فرصة لقائه بالشيوخ، فلم يذكر الرحلة من حيث فائدتها، على المتعلم من ناحية اخرى او نواحي، غير لقاء الشيوخ كتاثير المناخ، و تاثير المناظر، الاماكن التي تتبدل على الانسان في رحلاته، رغم انه يجعل هاته الاشياء أي المناخ و الجو من المؤثرات على الانسان في مل اعماله من تعليم وغيره، و لعل في كلمتي: (المحاكاة والمباشرة) عند ابن خلدون  ما يفيد ذلك او بعضا منه، على  شيء من التجوز  او التكلف في الفهم، وان كانت الاشارة الى المؤثرات على الانسان في الرحلة، كتقلبات االجواء والبيئات، لم يحظ  ابن خلدون باية التفاتة تذكر في موضوع لارحلة، و قد اتى على لارحلة كشيء خاص و وحدود الفائدة، لقاء الشيوخ، و التغلب على الاصطلاحات، و ما كان ينبغي له ان يفعل و هو الرجل الذي رحل كثيرا  و عرف ما للرحلة من فوائد غير ما ذكر من لقاء المشايخ، ولعل العبارة فصرت به عن ذلك او اهتمامهبالاصطلاحات و تركيزه في الحديث عنها حال بينه و بين ان يعطي للرحلة حقها من الكمال و التوسع
هذه هي الاشياء التي يقترحها ابن خلدون و تلك التي سبقت امورها ينتقدها واذا شئنا ان نكون منصفين اضفنا لهاته الاشياء التي يقترحها ما يقابل تلك الاشياء التي ينتقدها، باعتبار انه عندما ينتقد شيئا يكون قد راى ان من الاليق الاخذ بخلافه، فهو اذا انتقد صناعة المنطق كاسلوب في التعليم، فكانما اقترح مبدا الاخذ بالتعلم، في معزل صناعة المنطق، واذا هو انتقد الشدة، فكانما اخذ بما يخابها و هو اللين، و هكذا فاقتراحاته كما نرى صريحة او ضمنية لا تقف عند هاته الاشياء التي عرضنا لها في هذا العدد، بل عهي ايضا شاملة للاشياء التي عرضنا لها في العدد لاسابق، و التي كانت تبدو و كانها مجرد نقد مع انها تحمل صورة معاكسة اقتراحات احل محل تلك الانتقادات، على اننا لن ناخذ انفسنا بالتكلف في الاستنباط و ا فان المناهج عند ابن خلدون  اكثر مما ذكرنا سواء ما عرض له ابن خلدون في هذا الموضوع او ما يمكن ان يكون عؤضه في غير هذا الموضوع، و سواؤ ما ذكره صراحة او ضمن اشياء قد لا يخيل للقارىء العابر انها من ةمناهج التعليم، او انها تعني المناهج في شيء و ذلكمن خلال الكلمات التي قد لا تبدو فيها هذه المناهج الا بعد اجهاد في الاستنباط، و قد ضربنا عنها صفحا، كالاهام او الدعاء بالفتح أي يلح عليه ابن خلدون و يعتبره سبيلا للنجاح عند العلماء الكبار (مستعرضا للفتح كما فتح الله عليهم من ذهنهم من رحمته و علمهم ما لم يكونوا يعلمون فاذا فعلت اشرقت عليك انوار الفتح من الله بالظفر بمطلوبك) و هذا الذي يسميه ابن خلدون الاستعراض للفتح كان امرا معمولا به عند المسلمين  استنبطوه من الاحاديث النبوية و الايات القرانية و لهذا عسر على المستشرقين ان يتصورا حقيقة الكشف و ان يقفوا عند نظرية الغزالي التي يقول فيها: ( ان نورا انقدح في نفسه فاضاء له الكون) و قد بلغ المسلمون في التمسك بهذا الهب حدا جعلهم لا يقدمون على درس او مطالعة الا اذا تطهروا و كانوا على جانب من الاستعداد الروحي لذلك، حتى يكونوا اقرب الى الفتح اذا اعوزهم البحث و النظر فيما لم تهيئهم له عقولهم الضعيفة، و كيف يريد بعض الناس ان يفهموا هاته الحقيقة و هم لا يتطهرون و لا يستمطرون رحمة الله كما يذكر ابن خلدون، بل لا يلتزمون من مبادىء الاسلام شيئا لا في دراستهم، بل و لا في حياتهم على العموم، مع ان هذا امر ضروري في التعلم، و هو سر الفتح عند الاقدمين و صدق الله العظيم (و اتقوا الله و يعلمكم الله)

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here