islamaumaroc

السماء لا تخشى -1-

  دعوة الحق

العددان 88 و89

قبل أن تصدر صحيفة "العلم" بما صدرت به في قضيا الكتاب الذي اشتركت فيه أنا ومحمد الصادق عفيفي، كنت قد علمت بما يحاوله الطالبان من نقد.. فأرسلت إلى مجلتنا "دعوة الحق" كلمة في تبين الحقيقة حول القضية، غير أن هذه المجلة وقد أسلمت الكلمة المذكورة إلى المطبعة، ثم أصلحت تجاربها، إعدادا لنشرها، رأت أن تعدل عن هذا النشر، اجتزاء بالكلمة التي نشرت لي في الصحيفة المذكورة، تعليقا وتوضيحا لتلك الحقيقة المؤلمة.
وفهم الناس حقيقة الموضوع، وآمنوا بما يؤمن به غير اللؤماء.. وبذلك أسدل الستار على تلك المأساة، وإن كان أثرها ما زال يحز في النفس.. لكن مجلة "آفاق" التي طالما ساهمنا فيها، والتي هي لسان ما يدعى بهيئة "كتاب المغرب العربي"، حلي لها أن تشاهد وتشهد مرة أخرى ذلك المشهد المأساوي، فلعبت دورها خير لعب، وطلعت علينا بالعنوان الغليظ، .. انتقاما واحتسابا.. وكأنها قدرت ما نشر لأول الأمر بصحيفة العلم مسمارا داخليا، دق في نعشنا، رحمة الله علينا، وما تنشره هي مسمارا خارجيا يدق في هذا النعش، وأجرها على الله! وعلى غير الله.. من المحسنين الكرماء..!
ومن الاعتراف بالجميل، أن نشكر لصديقنا الدكتور، محمد عزيز الحبابي، فضله في تلك الكلمة التي أراد بها كما يبدو أن يعطر الجو، فلا يختنق "النظارة" من تلك الأنفاس، التي يلهث بها أصحابها في غير حمل منا، علم الله..
ولا غرو أن يفعل الصديق الحبابي هذا، فمواقفنا معه كانت معروفة إزاء هذه الهيئة التي كنا نعتقدها حقيقة مثلى، ونزيد على شكرنا له أن نبشره بألا خوف علينا، لأن لنا ماضيا معروفا، وحاضرا معترفا به، والرجاء في الله وحده أن يكون لنا مستقبل يسر الأصدقاء المخلصين ويسوء الأعداء الناكثين، أما الذي يحاول النيل منا، فلا نراه إلا: "كناطح صخرة يوما ليوهنها.."، فنحن صامدون صابرون، تالين لقوله تعالى: «إنا لله وإنا إليه راجعون»
ومع هذ التبشير وذلك الشكر، فإننا نبيح لأنفسنا، أن نستغرب من صديقنا، إقدامه أو حرصه أو سماحه، بهذه "الحرية" التي دعاها أو أحبها، والحب كما قيل يعمي ويصم.. حقا، إن صديقنا الحبابي، محب هائم هيمانا، فهو مخلص في حبه إلى حد.. ومخلص كذلك في غير حبه، إلى أقصى ما يتطرف إليه خيال المحبين الهائمين، المسرفين في حبهم المفقود.. ولكننا نذكره بالماضي، فقد كنا في يوم من الأيام، يشملنا ذلك الإخلاص، في صورته الأولى.. ونعوذ بالله أن ينحط علينا هذا الإخلاص في صورته الأخيرة.. فنكون من الضحايا، التي لا يذكر اسم الله عليها.. "و من لم يمت بالسيف مات بغيره"، ومن "غيره" هذا.. وهو لا حصر له "حب الحرية" .. والحرية ككل شيء قابل للإفراط والتفريط، نعوذ بالله منهما كليهما على السواء..
و بعد، فهل لنا أن ندرك ما يدركه صديقنا الحبابي؟
كلا، مع الأسف ليس لنا إلى ذلك سبيل.. وإلا لما كان هناك فرق بين الفيلسوف وغير الفيلسوف.. وإلا لما كانت هناك فروق في القيم الخلقية بين الفلاسفة وغير الفلاسفة... إي والله، إنها فروق شاسعة وهوات سحيقة، بيننا نحن، وبين صديقنا الحكيم فلا سبيل إلى الوصال.. ودون ذلك تنقطع أنفاس المحبين.. وهي ترسل في حسرة ويأس آهاتها: "هي الشمس مسكنها في السماء"
حيرة نتخبط فيها، إزاء بعض الناس.. وقد شككونا في المقاييس، وأية مقاييس هي؟ وشككونا في الموازين، وأية موازين هي؟ وأفسدوا علينا المعايير.. فانبهم علينا الأمر.. وأخذتنا الصيحة، بقولهم: تبا لمقاييس غيرنا وسحقا لموازينهم، والويل لمعاييرهم! إنها المثالية، كما يدعون، فلا كانت المثالية، وإنها الطيبة كما يزعمون، فعلى غيرنا لتكن الطيبة، نحن العماليق التي يجب أن تعبد.. وأنتم عليكم أن تكونوا أقزاما عابدين.. وإلا فاليد طويلة، والوسائل كثيرة.. وأضعفها "حب الحرية"
لهؤلاء الناس، عقد دونها ذنب الضب، وضيقات ينفسح معها مبعجه الذي يضرب به المثل.. ضيقات متأزمة متبرمة، بكل شيء وبكل شخص.. وتلك ضريبة العقول، والتي تشقى بالناس مثلنا، ويشقى بها الناس مثلنا، وهي تردد: "ذو العقل يشقى في النعيم بعقله"
والحديث - على كل حال - يطول إذا ما تعرضنا، بالتفصيل والتحليل، لهؤلاء الناس، الذين يحسون في قرارتهم بتلك الفجوة العميقة، التي تتخلل شخصيتهم، فيحاولون أن يردموا تلك الفجوات بأشلاء ضحاياهم.. لا قدر الله..
ولنصرف الآن وجوهنا عن هؤلاء الناس، ولنوجهها إلى قضيتنا اليوم، معتذرين إلى الذين قرأوا ما نشر بصحيفة العلم بأننا على إدراك تام لخطر "الآفاق" خارج البلاد، فنريد أن ندرأ هذا الخطر، بما نسلط على هذه "الآفاق" من أضواء "كاشفة للحقيقة"
والقضية هي أنني كنت ألقيت منذ سنة 1956، بالإذاعة الوطنية، خمسة وثمانين حديثا، في تاريخ الأدب المغربي، مازلت أحتفظ بها، وأظن أن الإذاعة لما تزل كذلك محتفظة بها أو ببعضها..
و في أوائل سنة 1959 وردت علي، وأنا بمدينة "بريطن" من إنجلترا، رسالة أرسلها إلي شخص من مصر لم أكن أعرفه.. ومضمن الرسالة أنه اتصل بالأستاذ محمد الفاسي رئيس الجمعية المغربية لما كان في زيارة له بمصر، فسأله عن بعض المسائل في الأدب المغربي فأحاله علي في ذلك، ولهذا فإنه يكتب إلي، لأساعده في دراسته حول الأدب المغربي، لأنه يحضر بها أطروحة لنيل درجة الدكتوراة "كما ادعى" وختم الرسالة باسم "محمد الصادق عفيفي".
لقد أجبت السيد الواغل، بأني الآن بعيد عن الاشتغال بالأدب المغربي "حيث كنت منهمكا في دراسات أخرى"، لكني قد ألقيت بالإذاعة أحاديث عن الأدب المغربي، إن أرادها بعثتها إليه..
وفعلا أرادها، فكتب إلي طالبا وشاكرا ومقبلا، وأرسلت الأحاديث التي ما اطلع عليها حتى تطور الأمر إلى استخراج كتاب منها في الأدب المغربي، باسمينا معا.. فسررت للفكرة ورحبت بها أيما ترحاب، متخيلا أن صاحبي لن يعدو في الموضوع حدود التنسيق والعرض لتلك النصوص والدراسات حولها، وبذلك تتحول من صفة الأحاديث إلى صفة التأليف..
فلما عدت إلى المغرب، وكانت سنة 1960، ورد على البريد بالكراريس الأولى من الكتاب، وكانت تحتوي على مقدمة أو تمهيد طويل في جغرافية المغرب وتاريخه وغيرهما، فأسفت جدا وحزنت حزنا بالغا لما قرأت هذا التمهيد: ذلك أني وجدته طافحا بالأخطاء، وأن صاحبه اعتمد فيه على مصادر ومراجع، لا أستطيع الاعتماد عليها لتفاهتها، زيادة على هذا فإنه كان ينص على مصادر، عندما يتعرض لمسائل معروفة للجميع، ويصدق على من يقف عندها المثل السائر: " تفسير الواضحات من الفاضحات"..
وتلا تلك الكراسات وصول الكتاب ووصول الزميل الأستاذ محمد الصادق عفيفي، يحمل معه نسخا منه..
واجتمعت بصاحبي، الذي لم أكن على معرفة بشخصه معرفة العين.. والذي سئلت عدة مرات ومن أشخاص عديدين، عن كيفية الاشتراك في التأليف فكنت أجيب بهذه القصة، وكان في بعض الأحيان حاضرا يسمعها مع المستمعين، فكنت ألاحظ عليه امتعاضا لسماع هذه القصة والاستماع إليها. وذات مرة قال لي: لعلك ما قرأت الكتاب!؟ فلما أجبته بالنفي.. قال: اقرأه فإنك ستجد فيه أشياء جديدة، "يعني طبعا غير ما ورد في الأحاجيث"
وذاع الكتاب، وخصصت له صحافتنا أعمدة للحديث عنه، وكان من الذين كتبوا حوله صديقي الأستاذ عبد الكريم غلاب، الذي أشاد به، وانتقد عليه طول مقدمته أو تمهيده، ولما اجتمعت بصديقي غلاب في مكتبه بإدارة "العلم"، قلت له: إني لا شأن لي بتلك المقدمة أو التمهيد، وقصصت عليه كذلك قصة الاشتراك في التأليف.. فقال لي وهو على معرفة بي منذ السنوات الطوال: إني أعرف ما لك وما لغيرك في الكتاب .. فاسترحت حقا لهذه المعرفة، وخلت نفسي في نجوة من هذه التبعة.
وحضر إلى المغرب أديب كبير من ليبيا، فلما اجتمعنا، قال لي: كيف سمحت لنفسك أن تشترك مع عفيفي في التأليف؟ مع أنه قام بأدوار مخزية فاضحة فظيعة؟ "يعني على مسرح التأليف بالذات"، فقصصت عليه القصة أيضا، فعلق عليها بقوله: إنكم معذورون.. لأنكم لا تعرفونه.
وأتاني يوما بمشروع، كان بالنسبة إلى غريبا جدا.. وهو الاشتراك معه بمجرد الاسم في كتاب الله أعلم لمن هو؟.. فأبيت ذلك ورفضته بشدة، وإن لم يكن هذا الرفض مفاجئا إياه، بل كان متأكدا منه لأن رئيس البعثة المصرية آنذاك قال له: إن ابن تاويت ربما لا يقبل هذا النوع من المشاركة، كما قال لي هو نفسه.. وإن كان هذا منه مجرد مناورة، والغبي في بعض الأحيان قد يذكي، فيخدع غيره.
وحسبت أن هذا المشروع ولد ميتا، فلن يجد عندنا من يشارك فيه، لكن مع الأسف، وجد له رؤساء عظاما ومديرين كذلك، وفي هؤلاء من لم يسبق له في مجال التأليف أو البحث، وربما لم يخطر له ذلك على بال..
وصدر الكتاب تلو الكتاب، في سرعة العباب، وهلعت من ذلك وقلت: إن الناس سيفهمون أني أحد هؤلاء، أما هؤلاء أنفسهم فلا شك أنهم يعتقدون ذلك اعتقادهم بأنفسهم، وإن كان الأستاذ الفاسي يعلم الحقيقة جيدا..
وأخيرا علمت أن الأمر كان أفظع مما خشيته، «وعسى أن تكرهو شيئا وهو خير لكم»، فإن صاحبنا برهن على إفلاس تام وفقر مدقع، وعلى نزاهة معدومة بالمرةإ إذ أنه في مقدمة الكتاب أو تمهيده، أغار على مقدمة كتاب آخر في الأدب الأندلسي، فلم يزد على أن غير كلمة الأندلس بالمغرب، مثلا، كما أنه في تصميم الكتاب، حذا فيه حذو الكتاب الآخر، وإن كان هذا الصنيع أخف وطأة من الأول..
حقيقة، إني صعقت لهذا العمل، وإن كان في الواقع من المكروه الذي فيه خير، ذلك أن مثل هذا المفلس الذي هو عاجز عن تكوين جمل أو جملة، فيحيف على جمل غيره بذلك الشره المقيت، يثبت أن لا يد له في صلب الكتاب: لا في دراسته، ولا في اختيار نصوصه. وأعتقد أنه حاول أن يدعي، أو ادعى بالفعل أن الكتاب له وحده؛ وتدليلا على هذه الدعوى أتى بتلك الحجج الدامغة التي عضده فيها من سمحوا بوضع أسمائهم إلى جانب اسمه الكريم في تلك التآليف العديدة والمتنوعة.. وما هي لهم جميعا ولا هي له وحده.. وسوف تكشف الأيام عن الأصابع التي خطتها، عن تواطىء أو غير تواطؤ.. وما كان نقله لرأي الأستاذ هبة في حقي، أو ادعاؤه لذلك، إلا وسيلة صارفة، بكل تأكد وتحقق، تجعلني أرفض ما لم يرفضه غيري، وهو المطلوب من عدة وجوه..
لقد راج الكتاب روجانا عظيما، وتمتع عفيفي بالأطيبين، وفهمت من الناشر السيد الزين أنه أفهمه، لما كان هنا في المغرب، استقلاله بالتأليف، ولهذا لم أنل من الفوائد التي نالها عفيفي، وتتجدد كل سنة.. إلا بعض النسخ من الكتاب، أديت ثمن بعضها، واستحوذ هو على بعضها الآخر.. وانتهت القصة بسكوت السيد الزين وتجاهله لحقوقي التي كانت -كما في العقد- نفس الحقوق.
إن عمل عفيفي في مقدمة الكتاب، يعد غصبا سافرا، ولا يدخل في باب السرقة كما قيل، فالسرقة من شأنها الخفاء والاختفاء، أما هذا فهو الغارة في وضح النهار، ولا يقدم على مثله إلا غبي جهول، فاق النعامة في صنيعها، وأراد أن يستر ضياء الشمس بأصابعه المنفرجة المرتجفة. وكأني بعفيفي، وقد أدرك أن المغرب غير "صحراء قاحلة" وأن بني عمه من المغاربة "فيهم رماح"، حاول أن يتستر بتلك "البلكفة" لتي سترته، ولو إلى حين.. وأستغرب كل الاستغراب من صديقي الدكتور هيكل أن يسكت على هذا الحيف، وهو الذي لا يسكت على ما دونه من الأشياء التي تمسه، أو تثيره من تصرفات الناس.. ولا شك أنه اطلع على هذا بادىء ذي بدء، ونستبعد أن تكون منه مواطاة عليه، فهو الرجل الذي عهدته صلبا في موقفه، حين عرفته، بمدريد منذ خمس عشرة سنة.. واجتمعنا في المغرب مدة طويلة، منذ أربع أو ثلاث عشرة سنة، كان معنا الدكتور هلال، وكان ذلك الاجتماع آخر العهد بيننا.
نعم: إن عمل عفيفي في المقدمة أو التمهيد لصوصية مفضوحة، أما الكتاب في صلبه، فليس - كما قيل- "نسخة طبق الأصل من كتاب هيكل"، فهذا في الأدب الأندلسي، منذ فجره إلى نهاية القرن الثالث، كما قيل لي، وفيه نصوص أندلسية لأشخاص أندلسيين، وذاك في االأدب المغربي، منذ  فجره "الذي تأخر عن القرن الثالث" إلى عصره، وهو ملامس للقرن الثاني عشر أو ثالثه.. وفيه نصوص مغربية لأشخاص مغاربة، وفيه دراسات أتحمل أنا مسؤوليتها من ألفها إلى يائها، ولا يستطيع أحد أن يرد على ذلك مهما حاول.. وبذلك يكون ادعاء أن الكتاب "نسخة.."  كلام فيه مبالغة عارمة، قد ألقاه صاحبه على عواهنه، عفا الله  عنه.. كما أني لم أقل هذه العبارة "لم أر الكتاب.. حتى صدر وعليه اسمي"، أريد بذلك أن أتملص منه كلية أو أضع نفسي بين أولئك السادة... بل ما قلته هو ما تضمنته كلمتي المنشورة بالعلم، دون العنوان المذكور.. والتصميم، إن كان، ولا دخل لي فيه، فهو كذلك أمر لا يلزم من يقلده بكونه سارقا أو غاصبا، خصوصا إن كان تصميما معروفا في "هندسة" التأليف.. شأن باقي التصميمات في "هندسات" الناس..
أما أنا، فحتى الآن ما اطلعت على كتاب هيكل، ولا بأس عليه وعلي، فقد عرفت بين طلابي وتلاميذي الذين قضيت معهم عشرين سنة، كانت ثلاثها بمصر نفسها، ومازلت حتى الآن ألقي دروسي في الأدب المغربي، على طلبة الجامعة عند غيرنا.. وللجميع، بحمد الله، ذكر حامد واستحسان، وتلك نعمة الله نتحث بها..كماعرفت، باحثا في الأدب المغربي، كاتبا فيه، منذ ثمان عشر سنة، قبل أن يصدر كتاب هيكل بعشر سنوات، كما قيل لي.. وأظن أنه معترف لي بقدرة تجعلني غير عالة على مقدمة هيكل وجمله فلا أتصرف فيها، ولو بلغ بي الانحطاط مبلغه تصرف عفيفي.. أما في غير هذا الأدب، فقد كتبت في عدة صحف ومجلات، ابتدأ ذلك سنة 1937 بصحيفة "الوحدة المغربية" ثم سنة 1946 بمجلتي "الرسالة والثقافة" المصريتيين..

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here