islamaumaroc

الدراجة التي تطير

  دعوة الحق

العددان 88 و89

ابتسم المعلم العربي حينما نطق صديقه المعلم مصطفى بهذه الكلمة بالعربية الفصحى: «بحر لا ساحل له». وهي كلمة تتردد على لسانه كثيرا كلما بدأت نشوة «الكيف» تتصاعد إلى رأسه وترى إلى سائر أعضاء جسمه. ففي ذلك  الوقت يصير كل شيء «بحر ساحل له» الغناء، السمك، العسل، أو الحسن.
والتفت المعلم العربي إلى جهة السقاية العمومية  التيس هجرها المستسقون قفي هذه الساعة من الليل، فصار ماؤها المنكسب يسمع ويوحي بالجنات والرياض والنزهة. ثم نبهه المعلم مصطفى من غفلته: «سبحان الله. هل كنت في بحر لا ساحل له؟» فالتفت الأخر ضاحكا فرآه يمد إليه الغليون وقد توهجت رأسه في هذا الظلام الذي لا يخفف من حلكته إلا ضوء المصباح الكهربائي المتسرب من داخل المقهى البلدي.
كانا جالسين، على عادتهما اليومية، فوق الحصير الذي يفرشه رب المقهى لزبنائه على الرصيف الواسع لهذا الشارع الضيق وهما متلففان في جلبابيهما الداكنين لا يرى منهما إلا استدارة وجهيهما وأمامهما فنجانا القهوة اللذان يرتشفان منهما برفق واحتياط حتى لا تعوزهما «الدكة» عند آخر غليون يتناولانه.
وكانا يلتقيان كل يوم تقريبا في المقهى عند غروب الشمس بعد أن يقفل المعلم العربي دكان تجارته، ويغادر المعلم مصطفى معمل الدباغة الذي يشتغل فيه. ويصلان إلى المقهى عابسين من إجهاد النهار وتعبه. ثم يبدآن بالتشكي من الزمان ويستعرضان مشاكلهما مع المرأة والأولاد والبقال. ثم تخف حدتها شيئا فشيئا وهما يمتصان من الغليون الذي يلعب اكبر دزر في أسمارهما، وتتحول المشاكل شيئا فشيئا إلى مس، ونكات يضحكان منها، ثم يكتشفان فلسفة السعادة حينما تتراءى لهما وسط نشوتهما العارمة تفاهة ما كانا يشتكيان منه.
وبعد أن تناول المعلم العربي الغليون، سأله المعلم مصطفى: «فيم كنت تفكر؟»
- آه! في لا شيء.. كنت أنصت إلى السقاية وأفكر في الكيلومترات التي اقطعها كل يوم ذهابا وإيابا على رجلي بين الدار والدكان.
- وابن البأس، يا أخي؟ تتفرج في الشوارع وتأخذ حظك من الرياضة كل يوم بالمجان. وفوائد الرياضة بحر لا ساحل له.
- دعنا من المزاح، إني بدأت أفكر في شراء دراجة.
- أنت الذي تمزح ومتى كنت تحسن الركوب على الدراجة؟
- منذ زمان بعيد. إني لا أتصورك راكبا على دراجة.
- لأنك الفت أن لا تراني جالسا معك على هذا الحصير.
- على كل حال أن المنظر سيكون مضحكا. بحر لا ساحل له!
- وأنت؟ هل تحسن الركوب على الدراجة؟
- نعم. ويمكنني أن ادخل معك في مباراة إذا شئت. ولا زال عندي إطار دراجتي القديمة.
- ماذا نقول؟ عندك إطار؟
- نعم. هل تريده؟
- هذا والله هو الحل. آخذ منك الإطار، ثم مع مر الأيام عندما أوفر بعض المال اشتري العجلتين والسلسلة والمقود والسرج وسائر  القطع الأخرى.
- إن كنت تريده. أنا أبيعك إياه بثمن الإخوان
- كم؟
- عشرة دراهم
واتفق الرجلان. وفي الغد تسلم المعلم العربي إطار الدراجة. ووضعه عنده في الدكان فوق رف مرتفع. وبعد أسبوعين استطاع أن يوفر ما يشتري به  المقود. كان فرحا عندما التقى بصديقه في المقهى وبشره بذلك. ثم مرت أسابيع أخرى وأمكنه على حصير المقهى. ثم مضت أيام أخرى والقيا من جديد وكان المعلم العربي واجما فاستنهضه المعلم مصطفى قائلا:
«هيه، يا معلم العربي. طير عنك الهم. أملا لنفسك غليونا. لاباس على الدراجة ؟
فأجابه الأخر بصوت بعيد –آه! الدراجة لا باس عليها. ولكن..
- ولكن، ماذا؟
- خلني ساكنا. الكلام كثير والسكوت أحسن.
- حقا، حقا.
وفهم المعلم مصطفى أن صديقه سيقضي إليه بسره من بعد، ولكنه الآن كالحامل التي تترنح وتتوجع في وقت المخاض والتي ستخرج ما في بطنها بعد قليل. فلم يعلق المعلم مصطفى بشيء وإنما سكت وملا الغليون الأول وناوله لصاحبه وهو ينظر إليه بابتسامة ماكرة. وفي تلك الأثناء جاء صاحب المقهى بكاس الشاي المنعنع. فتناول المعلم العربي كأسه الساخن وصار «يدك» به دخان الغليون إلى أن أتى على ما في جوف «الشقف» في مصتين قويتين. وأعاد له المعلم مصطفى الغليون مملوءا مرة ثانية وهو يقول:
- حقا، يا أخي، أن هموم الدنيا كثيرة.
فأجابه الأخر بسخرية –ومن أين لك أن تعرف الهم أنت؟ من ليس له أولاد لا يعرف الهم.
- أنت غالط. أنا همي هو قلة الأولاد.
- وأنا همي هو كثرتهم. احمد  الله، يا أخي.
- مولى الملك قادر على القيام بملكه سبحانه. وقدرته بحر لا ساحل له.
نعم، نحن مؤمنون مسلمون. ولكن ضع نفسك يا أخي في مكاني. تدخل إلى بيتاك فتجد خمس بنات كبراهن أصبحت امرأة في سن الزواج. وتأتي زوجتك فتخبرك أنها حامل من جديد، ماذا تفعل والدنيا هي الدنيا والحال هو الحال لا تنتظر مالا من احد ولا عطفا من أي جهة؟
- فنظر إليه المعلم مصطفى وقد غلبته بسمة الانتصار وقال:
- أهذا الذي يقلقك اليوم ويدفع بك إلى السكوت؟ ومن يدريك، يا أخي، أن ربنا سيرزقك ولدا تقر به عينك وتجده ولدا برا عطوفا عند الشيخوخة؟ هذا خبر يجب أن تفرح به وتهتف له.
ثم ملا الغليون الثالث ومده إليه وهو يقول:
- أنا لا اشتهي لك أن تكون في مكاني تدخل إلى بيتك مثل الحية إلى حجرها فلا تجد إلا زوجك التي الفتها والفتك ومللتها وملتك صورة واحدة تماسيها وتصابحها، صوت واحد يرن حولك في كل وقت أن خرجت وتركتها في البيت، خافت، وان رجعت إليها لتؤنسها نفذ الحديث وقنطت، ولكن، هل لنا غير الصبر؟
وسكت الاثنان لينصتا برهة إلى ماء السقاية الهاطل فوق حوض الزليج. كان المارة القليلون في تلك الساعة يتراءون في الضوء الخافت المنسرب من داخل المقهى كالأطياف الغريبة التي تعبر الأحلام والتي تظهر سعيدة في حركتها ومشيتها.
ونطق المعلم العربي وقد انبسطت أساريره وتساوت قعدته:
- نعم. وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم.. والله إننا لحمقى، نحن معشر بني آدم. لقد انتهزت امرأتي المسكينة وشتمتها لما أبلغتني الخبر.
- وكان يجب عليك أن تشكرها وتواسيها هي التي ستقاسي الحمل تسعة شهور. هيه ! الحمل بحر لا ساحل له!
وهبت نسمة لطيفة دافئة منعشة، فقال المعلم العربي:
- ليلة معتدلة لا حرارة ولا برد فيها. ما قولك في أن نلعب «الضامة»؟
- والله أنها لفكرة حسنة.
وما هي إلا برهة حتى أتاهما صاحب المقهى بلعبة «الضامة» فقعدا يلعبان ويتداولان الغليون وما هي إلا نصف ساعة حتى صارا يضحكان ويتبادلان النكات ويتمازحان. وتركا «الضامة» برهة. فقال المعلم العربي:
- لي فكرة نطلب من صاحب المقهى أن يجدد لنا كاس الشاي وان يسمعنا اسطوانة «الحراز» والحساب علي ما قولك؟
- فكرة طيبة، ولكن نقتسم المصاريف. والمناصفة تطيل المعاشرة كما يقول المثل.
وناديا صاحب المقهى فاتاهما بكاس ثان للشاي، خلافا لما تعوداه وحرك آلة الاسطوانات الراديوفونية وإذا بقصيدة الحراز ترن في إذنهما وهما يناغيان أنغامها ويؤديان نقراتها بكفيهما ويعيشان بخيالهما حوادث القصيدة الغرامية.
ومرت الأيام سراعا وانشغل المعلم العربي عن الدراجة بما دهاه من هذا الحمل الجديد. لكن المسافة الطويلة التي كان يقطعها كل يوم راجلا من بيته إلى الدكان كانت تذكره بضرورة إيجاد حل للمشكلة ولم يقدم على التفكير في اتخاذ دراجة حتى استعرض في ذهنه كل الحلول الممكنة. فبدا له أول الأمر أن يحول دكانه إلى جهة قريبة من بيته. لكن الحي الذي يقطن به اغلب سكانه ضعاف ومن الصعب ان يروج بضاعته بينهم. كمال تراءى له ان يحول سكناه إلى موضع قريب من دكانه. لكن سعر الإيجار في ذلك الحي غال عليه. أما ركوب الحافلة في كل وقت فكان يرهقه ماديا.
لم يبق له، إذن، إلا ان يمتلك دراجة. لكنه اتخذ أطول طريق للحصول على مبتغاه. وفي كل صباح عندما يفتح دكانه ينظر إلى الإطار الموضوع فوق الرف فينقبض قلبه لمنظر تلك الدراجة الناقصة المشوهة. وبسم له الحظ في هذا اليوم بعد غياب طويل، إذ اقبل عليه احد أبناء البلد وطلب منه ان يصنع له مكتبا وبعض الكراسي. وما ان تناول منه العربون حتى انزل الإطار وذهب به إلى دكان لإصلاح الدراجات وطلب من صاحبه ان يركب له عجلتين وسلسلة. وساق الدراجة أمامه بعد ذلك وهو منتصر نشوان ينظر إليها باعتزاز. لقد كادت ان تستكمل أجزاءها ولم يبق لها إلا السرج وبعض القطع التكميلية. ورتبها في زاوية من دكانه وشعل غليونه وظل ينظر إليها حالما لا يتزعزع من مكانه. ثم استأنف عمله بنشاط.
وفي الليل كان يجلس إلى جانب صاحبه مثرثرا، ضاحكا. وكانت مناسبة أخرى للسمر اللذيذ وسماع قصيدة «الحراز».
ومضت شهور والحظ الضئيل بين مد وجزر ما يكاد يومض للمعلم العربي ايماضته الخفيفة حتى يختفي ويغيب ويطيل الغياب، فيسلي نفسه ويملا وقته بصنع القباقب والصنيديقات والموائد الصغيرة عسى ان يجد من يبتاعها منه في «سوق الغزل» ولا ينسى ضوضاء السوق ومشاحناته ومضايقات العيش والنزل والأسرة إلا في تلك الساعة التي يجلس فيها فوق الحصير إلى جانب صديقه إزاء  السقاية ذات الماء المنهمر وعلى ضوء المقهى الشاحب.
وفي ذات ليلة كان المعلم مصطفى جالسا على عادته في المقهى عند الغروب ينتظر صاحبه، ولكن طال به القعود ولم ير صاحبه مقبلا، فصار يتململ في مكانه. وأشعل غليونه لكنه لم يستسغه في غياب صاحبه . وتيقن انه لن ياتى، فقام على الفور وذهب يبحث عنه في البيت.
وسار يتحسس طريقة وسط الظلام والأوحال إلى ان لمح المنزل الصغير المتواضع إلي يشبه الصندوق لأنه بدون نوافذ فهب إلى الباب وطرق طرقة خفيفة. فخرج المعلم  العربي وعليه إمارات الدهشة والارتياع. فقال له المعلم مصطفى :
- «مساء الخير، يا أخي، لقد هالني غيابك.
- آه! المعلم مصطفى. ما كنت اعتقد ان الطارق هو أنت وخشيت ان يكون البقال.. ادخل، ادخل
- لا. دعني انصرف. كنت أريد ان اطمئن عليك قبل ان أروح إلى بيتي.
- ولكن، ادخل. فليس هنالك أي مانع.
- طيب.
ودخلا رجلان إلى حجرة صغيرة وجلس المعلم مصطفى على فراش من القش مغطى بثوب بنات صغيرات مغطاة بملاءة بالية. كانت صغراهن لا تزال مستيقظة فحدجت المعلم مصطفى بعينيها الذكيتين وقالت:
«عمي.. أمي ازددت عندها بيت صغيرة وسيأتي بابا بالخروف
- صحيح، يا بنتي؟
- والله، يا عمي، وسنسميها جميلة
وعاد المعلم العربي ومعه الصينية تحمل الشاي وبعض الأرغفة الملوية المسمنة. فابتدره المعلم مصطفى قائلا:
«لم تكلف نفسك، يا معلم العربي؟
- خلنا من الكلام الفارغ، ليس هناك أي تكليف ولا شيء.
- قل لي. صحيح ان صاحبة البيت وضعت فاطرق الأخر وأجاب
- أي والله صحيح. وهذا سبب غيابي عنك
- لو كنت اعلم ذلك من قبل لوجهت لك مولاة الدار عندي لتساعد زوجتك وتواسيها وقت الولادة.
- آه لقد فوجئنا منذ الصباح الباكر وخرجت ابحث عن القابلة في الظلام. وما أتيت بها إلى البيت حتى كان كل شيء قد تم.
- الحمد لله. مادام الكل بخير. ماذا رزقت هذه المرة؟
فنظر إليه الأخر، وقال متنهدا:
- بنت، ككل مرة
- الحمد لله، البنت برزقها
فرد عليه الأخر بصوت بعيد:
- نعم.. الحمد لله.
- إذن، لم تشتغل اليوم؟
- وكيف اشتغل والمسافة بعيدة والمرأة محتاجة إلى من يساعدها ومن يخبر أحبابها ومن يمرضها؟
- والدراجة؟ الم تقل لي انه لم يبق لك إلا السرج لإكمالها فنظر إليه المعلم العربي متضايقا
- آه! دعنا من حديث الدراجة ! لقد دفعتها للبيع في هذا الصباح.
وسكت الاثنان وظلا واجمين، ثم هويا على الأرغفة والشاي وهما يسترقان النظر من حين لأخر إلى الغليون الممدود فوق المنقضة والكيس الأحمر المحطوط بجانبه.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here