islamaumaroc

هل أنت بخير ؟

  دعوة الحق

العددان 88 و89

كان علي ان اتسلل خارج الغرفة، فان استهتار اخي يغيظني، وخاصة عندما تكون سوسن بين الحضور، انها زميلة لاختي، و هي تزورنا كثيرا مع زميلات اخريات، و اخي محدث لبق كثير النكات و الملاحظات الذكية.
وجهها طفولي رائع، عيناها بنيتان ذكيتان، ذات اهداب طويلة منثنية، و شعرها ليل فاحم مرتم على كتفها الايسر في ضفيرة حلوة، و كان قلبي يخفق بشدة كلما رايتها في البيت، لم تكن تعيرني أي انتباه، عكس اخي الذي كانت تناقشه في امور شتى، و تضحك لنكاته اكثر من المالوف، و هي تثني عليه بين الفينة والفينة بلهجة محببة كزنابق الربيع:
- رائعة يا مصطفى.. حلوة يا مصطفى.
و كان يزداد تحمسا فيروي احيانا نكاتا لا تستحق الضحك، و مع ذلك كانت "سوسن" تضحك بحرارة واخلاص.
و لقد تمنيت من كل قلبي ان يتزوجها اخي في المستقبل كي اكون دائما بالقرب منها، و ان ادفن احساساتي العارمة نحوها في صدري و لا ابوح لاحد بما يختلج فيه.
قال اخي:
- تصوري يا سوسن لو انهم يمثلون فيلما عربيا عن احدب نوتردام، الا ترين ان اخي يصلح لهذا الدور تماما، انه لن يكلفهم في الماكياج شيئا.
و التفتت سوسن و اخواتي و بقية الفتيات نحوي، كنت انذاك قد فوجئت بملاحظة اخي، فشعرت ان سكينا ذات نصل مرهف راحت تمزقني اربا اربا و يبدو ان وجهي قد اضحكهن، فابتسمت خشية ان الفت نظرهن الى غيظي، فاذا بضحكهن يزداد ضراوة، كانت عيناي تشربان "سوسن" و هي تضحك قلبي ينقبض بكابة مفجعة، و كنت اتمنى ان افسر ضحكها على انها مسرورة فقط، و لكن الحقيقة صدمتني بمرارتها، انها كلما تطلعت الى وجهي اغرقت في الضحك اكثر فاكثر، بينما كنت اتمزق في الم حاد اكثر فاكثر.
في تلك اللحظة شعرت بعاصفة تجتاحني من الداخل، فوددت ان اقفز و اصفع اخي ثم اطرد الجميع من البيت و اقول لسوسن:
- انت حقيرة، لا تستحقين حبي الكبير... اخرجي من بيتنا.. اياك ان تعودي اليه...
و لكنني لم استطع ان افعل شيئا، فلم اجد بدا من ان احاول التسلل من الغرفة، و انتظرت قليلا ريثما يسود الهدوء .. كان اخي قد بدا التحدث حديثا جديا لم اكن اتبني نوعه، كان همي انذاك ان اجد طريقة للانسحاب دون ان الفت الانظار الى غيضي و المي.
و فاجاني اخي يسالني، الا ترى ذلك صحيحا يا احدب نوتردام..؟
فقفزت من فوق المقعد، ودون ان اتكلم و انظر الى احد خرجت من الغرفة كالقذيفة، ثم صفقت بابها بشدة، كانت ضحكاتهم المتواصلة تلاحقني حتى دخلت الغرفة الاخرى.
كنت احترق غيظا، ان ثورة عارمة تسحق احساسي، كنت اود ان احطم كل شيء، و كدت امزق شفتي و انا امضغهما باسناني.
بدات اذرع الغرفة جيئة ذهابا و ايابا.. بينما كانت قطة اختي الصغيرة ترمقني بنظرات قاسية و فجاة خطفتها من فوق الارض، ورحت اضغط بيدي على عقنها، كان مواؤها شديدا، حاولت ان تتخلص مني، عندما لم تستطع انشبت مخاليها بيدي، فقدفت بها الى الجدار بشدة، تكومت لحظات ثم هبت تختبىء تحت السرير و هي تموء مواءا حزينا.
كان الدم ارتسك كخيوط حمراء على ظهر راحتي و لقد بدت الغرفة و انا اذرعها جيئة وذهابا و كانها سجن يكاد يخنقني، كانت بي رغبة ملحة في ان اضرب راسي الى الجدار ، فالضحك ما يزال يصل الى مسامعي من الغرفة المجاورة، ان نكات اخي لا تنتهي و ربما يحدثهن الان عني.
لهيب المدافاة المتصاعد، جو الغرفة الحار، و دمي الذي يغلي في عروقي، هذه الاشياء كلها تجمعت لتجعلني بحالة نفسية لا تطاق وانا اتدحرج كاطار ضخم من المطاط.
كنت طفلا لم اتجاوز العاشرة، و كان الزمن شتاء عندما كنت نائما بالقرب من المدافاة، التي كان بغلي عليه ابريق الشاي، كانت امي تنتظر الماء ليغلي فتصنع لا بي شايا.. و على الماء حتى طفح الابريق، فاسرعت امي لتحمله عن المدافاة، الا ان يدها لم تحمل حاررته فانفلت منها و يقط ليندلق على خدي وعنقي من ناحية اليسار.
و صحوت من نومي صارخا، و انا اتخبط يمنة و يسرة: "خدي. عنقي. اه ياربي.. احترقت.."
كان لهيب الماء الماء الحار يسلخ جلد وجهي حتى عجزت عن الوقوف، كنت اصرخ ودموعي تتدفق بغزارة و كلما حاولت ان اقف، كنت اتهالك على الارض و انا احس بالم فظيع، حتى لم اعد اعي شيئا.
اخذوني الى المستشفى، و لما اعادوني الى البيت كان راسي حتى مؤخرة عنقي كتلة من الشاش الابيض، كنت اتالم كثيرا.. حتى انني لم اعد استطيع النوم، وبعد مدة لست اذكرها خلعوا عني الاربطة، كنت طفلا، فلم اهتم للتغيير الذي طرا على وجهي.
 مع مرور الزمن، اصبحت ادرك الفارق الكبير بيني و بين أي مخلوق على الاخص بيني و بين اخي الاكبر، فقامتي متكومة على بعضها ككتلة من المطاطا المضغوط ويدان قصيرتان منتفختان، اما وجهي فقد زادته الحروق بشاعة، فعيني اليمنى بها حول شديد، اما من ناحية اليسار فقد بدا جلده مسلوخا مشدودا متداخلا في بعضه، و شقوقه كالاخاديد، حتى ان فمي اصبح ملتويا بعض الشيء جهة الحرق القديم، نتيجة للجبد المشدود حتى مؤخرة عنقي، فكان الكلام يخرج ممطوطا كانما كلام ابله معتوه، ان مجرد نظري الى وجهي في المراة ليرعبني حقا، لكنه ابدا لم يكن يثير الضحك بقدر ما يثير الاشمئزاز.
اما اخي الاكبر، فانه على العكس مني تماما، فارع الطول، ذو جسد رياضي، شعره مصقول كالحرير، و قد نال شهادته الثانوية العام الفائت بتفوق كبير، حتى انه كان في مقدمة المقبولين في الجامعة، اما انا فقد تركت دراستي الثانوية في سنيها الاولى ، لم امن استطيع تفهم الدروس جيدا، و كان الداعي الاكبر الذي دعاني لترك الدراسة، انه لم يكن لي اصدقاء اقضي اوقات فراغي معهم، ولولا السجاير التي كنت ادخنها منذ دخلت المدرسة الثانوية لما كان زميلي في المقعد يجاملني حتى يحصل على سيجارة.
كان يغيظني عندما كثيرا قولهم: ان الابناء يتشابهون، فانا شاذ عن جميع اشقائي و لست ادري سببا لذلك.
انني اشارك اخي غرفته، مما حدا به الان يجعلني تسليته و كثيرا ما كان يقول لي: الا يخاف منك رفاقك العمال يا احمد، و كان عندما يلمح بي غيظا يقول: لا تزعل انني امزح معك.. الا تحب المزاح؟
كنت اعف انني لا استطيع ان اتحداه، فان ضربة واحدة من قبضة يده طافية لتكسر لي فكي.. و لقد بدا لي اخي منذ راح يعملني معملة التفوق علي بغيضا الى نفسي،  عندما ادرك انني اتالم كثيرا من مزاحه الثقيل، اصبح يستغل ذلك على مسمع من امي و اخواتي البنات اللواتي كن يقضين حاجاته عن حب و يقضين حاجاتي عن شفقة، او هكذا خيل لي.
و كان و هو يامرني كثيرا لقضاء حاجاته، كنت اتمرد احيانا فاقول: الا تكف عن هذه المعاملة؟ انني اصبحت كبيرا.. فيضحك كان احدا يدغدغه من جنبيه.. ثم يقول: انك لن تكبر ابدا ستظل هكذا صغيرا و يشير الى ذلك بساقه التي يرفعها قليلا عن الارض.
و جاءت هذه الليلة نهاية لطاقة احتمالي، فقد جاءني بتسمية جديدة ليضحك الناس الاخرين، وقررت ان اضع حدا لهذه الماساة الليلة بالذات، و ليكن بعد ذلك ما يكون.
عندما دسست جسدي المضغوط تحت اللحاف كان الخاطر الرهيب قد تاصل في ذاتي و صار يلح علي الحاحا غريبا، و لم انم كنت اهتز فزعا، كانت عيناني منفرجتين حتى اعتدت الظلام وصرت ارى كل شيء واضحا، كان اخي في السرير الاخر يغط في نوم عميق، الساعة التي يضعها الى جانب سريره تدق دقات رتيبة لكنها في اللحظات الاخيرة ازدادت سرعتها كانها تريد ان تتسابق مع خلجات قلبي للعنيفة.
شددت من عزيمتي، ثم تركت سريري وبيدي الوسادة واقتربت من سريره، كان نومه عميقا.. عميقا.. وقد تهدلت بعض خصلات من شعره على جبينه، وعلى ثغره كانت ترتسم ابتسامة هادئة، وبسرعة تخيلت فيما لو نفذت ما عقدت العزم عليه، فماذا ستكون النتيجة.. لم يخفني السجن بقدر ما أخافني حزن أمي وأبي وإخواني، انهم يحبونه أكثر مني ويبنون عليه آمالهم الكبيرة: سيكون طبيبا.. وستتحسن حالتنا أكثر، خاصة وأن أبي قد بلغ من الكبر عتيا.
تحرك أخي قليلا، ففزعت، وعدت إلى سريري وأنا ألعن هذا الخاطر الشيطاني الذي انتابني.
لم أنم نوما هادئا، كانت تجتاحني أحلام مرعبة هائلة.. وانني لأذكر جيدا الحلم الأخير الذي كنت أصرخ فيه بصوت عال وأنا أضغط على عنق أخي:
- سأرتاح من أحدب نوتردام وانتهى منك.
كانت عينا أخي الجاحظتان تمرقاني بقسوة، ولقد بدا لي أنه عاجز عن الحركة، كان يحاول أن يخلص رقبته من قبضتي وهو يقول بصوت مخنوق كأنه الهمس: لا.. تقتلني.. يا أخي.. لا تقتلني.. أحمد.. أنت أخي.. كيف تقتلني..؟
ولكنني لم استمع إليه، ظللت أضغط، حتى بدأ يتهالك رويدا رويدا بينما كانت قطة أختي تموء مواءا حزينا متقطعا، واصطبغ وجهه بلون أزرق باهت، وبرز الزبد من بين شفتيه، وبدت لي عيناه ككتلتين من جمر وراحت مقاومته تضمحل شيئا فشيئا.. ثم انهار.. ثم انهار.
عندئذ، شعرت بفظاعة العمل الذي ارتكبت.. فركعت على ركبتي بالقرب من جثته ورحت أهزه بعنف: «أخي.. أخي.. مصطفى..استمع إلي.. ارفع رأسك.. قل لي احدب نوتردام.. قل لي ما تشاء.. أخي ..مصطفى»
لكن مصطفى لم يتحرك، بل ظل جامدا هامدا لا حياة فيه! فمددت يدي إلى شعره الناعم، وغرزت أصابعي في حناياه، ثم رحت أبكي بحرقة، كنت أبكي، وشيء ما يقبض على قلبي، ويهصره بعنف، وصحوت على يد تهزني:
- أحمد.. أحمد.. قم.. ما بك يا أحمد.
رفعت رأسي عن الوسادة وإذا بي وجها لوجه أمام أخي.. وقد ارتسم على محياه قلق مشوب بحنان عميق، ثم مد يده وصار يمسح دموعي المنسابة بباطن كفه:
- أحمد.. أحمد.. هل أنت بخير..؟
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here