islamaumaroc

تعقيب

  محمد الحلوي

13 العدد

يتحدث ابن رشيق في العمدة عن مذهبهم هذا فيقول:
(كل واحد منهم يذهب في أهل عصره هذا المذهب ويقدم من قبلهم، وليس ذلك لشيء، إلا لحاجتهم في الشعر إلى الشاهد، وقلة ثقتهم بما يأتي به المولدون، ثم صارت لجاجة).
ويرجع سبب هذه الظاهرة في الغالب، إلى أن هؤلاء النقاد كانوا لغويين، وقد أصابهم من مهنتهم هذه ما يعرف في علم النفس بـ (انحراف الصنعة) ولهذا كان نقدهم محافظا شديد التعلق بالماضي، منتصرا فقط للأدب القديم والمثل الفنية التي انبثقت عنه .
حكي أبو عمرو الطوسي قال: (وجه بي أبي إلى ابن الأعرابي لأقرأ عليه أشعارا، وكنت معجبا بشعر أبي تمام، فقرأت عليه من أشعار هذيل، ثم قرأت أرجوزة أبي تمام على أنها لبعض شعراء هذيل:
وعاذل عذلته في عذله
            فظن أني جاهل من جهله
حتى أتممتها فقال: أكتب لي هذه، فكتبتها له ثم قلت: أحسنة هي؟ قال ما سمعت بأحسن منها !! قلت أنها لأبي تمام، فقال: خرق  خرق ) ..
لقد كان نقادها الأول ـ وعلى رأسهم الأصمعي ـ رواة اللغة في آن .. حيث انبثقت آرائهم النقدية عما قاموا به من دراسات لغوية، وهذه الأخيرة بطبيعتها محافظة شديدة التعلق بالماضي، إذ كان المقصود منها  في الغالب المحافظة على لغة القرآن وصيانتها من الأشياء الدخيلة .
ثم تحولت القيم اللغوية عندهم إلى قيم فنية، فإذا الأدب القديم مثال دونه عالم المثل .. كل ما لم ينتم إليه هذيان أو فضول .
لقد كان موقفهم هذا رد فعل أيضا لنشاط الحركة الشعوبية، إلى مناصرة كل ما هو عربي خالص، نظرا لكون الشعوبيين يتعصبون ضد كل ما هو عربي أيضا، ولكن رغم كل هذا وذاك يبقى موقفهم مجافيا لروح الفني الصحيح الذي لا يهتم بالزمان والمكان .. اهتمامه بالعمل الأدبي في ذاته ولذاته .. مدى ما ينطوي عليه من صدق فني وروعة في التأثير والتصوير، وما يعكسه من قيم إنسانية بواسطة التعبير الجميل عن الشعور النبيل .
على هامش صرخة الجزائر
تعقيب 
نحن في جيل طابع أبنائه السرعة التي يحكمونها في كل شيء، حتى في قراءة الشعر أو الحكم عليه، ولذلك قل أن نظفر بمن يقرأ الشعر بحالة نفسية انفعالية ترتفع إلى الأجواء التي هام الشاعر في فضائها وقاسى من عنائها، تهبط به على مواقع الجمال فيهيم بها وتحوم على مواطن القبح فينتكبها .
وإن مما يقر العين ويشرح الصدر بالخير لحركتنا الأدبية الناشئة، أن نجد من بيننا من يطلع الشعر ويتعشقه كهواية، يقرأه قراءة تمعن، يبذل في فهمه الجهد ويقدح في نقده زناد الفكر، ويضع اليد كالنطاسي الخبير على موطن الضعف ويبت الداء. وقد أسعدني كثيرا أن لا تكون (صرخة الجزائر) صرخة في واد، وأنها استطاعت أن تلج الأسماع وتنتزع الإعجاب، وتستأثر بمجهود كبير وزمن طويل من أخينا (ملاحظ) الذي أقدم له شكري على ثنائه ونقده الذي ساهم به هو أيضا في (تدشين) ميدان النقد الأدبي .
وكم كنت أتمنى لو كان الأخ شجاعا مع نفسه معنا فعرفنا على الاسم الكريم، وأماط اللثام فأرشدنا من أمم وأهدانا إلى الحق عن كثب، لنعرف الرجال ونعرف الحق معا، ولكنه آثر أن يتكلم من حيث لا يرى، ويجنبنا العثرات وهو من وراء وراء، صنيع من يوهم نفسه وهو يقود الجمل أن الناس لن يروه ولن يعرفوه ! ... وعندي إن الذي يتولى مهمة النقد والتوجيه بهذه الطريقة، طريقة التقية هو واحد من اثنين، إما أن يكون ضعيف الثقة بما يقول شاكا في صحة ما يراه، وهو ما أنزه عنه الملاحظ الكريم، وأما أن يكون متملقا للصداقة مجاملا للعواطف على حساب الأدب والصراحة التي تزيد الحق وضوحا والنقد قوة واعتبارا، وهذا ما لا يعجبني لأن أقرب الناس إلي نفي هو الذي يسدي إلى الجميل ويفتح عيني على ما تراه عيني .
وبعد فقد سجل الأخ (ملاحظ) في هامشه مؤاخذات على (صرخة الجزائر) تنكب الصواب فيها، وتوقف يسألنا بيانا وإيضاحا لأشياء لم ينفذ فكره الثاقب إليها وهو ـ فيما قيل لي ـ ذواقة أدب ومن رجاله المبرزين ـ وقد أحببت أن أضع على الحروف، وأصحح الأوضاع التي أفسدت، فتعقبت الأخ في مؤاخذاته التي يستهلها بالوقوف عند هذا البيت أخاطب فيه ابن الجزائر:
زعموا أرضك الجزائر ملكا
                  لفرنسا تسلمته اغتناما
عيب هذا البيت المظلوم أنه ترديد لصدى ما يسمعه الناس على أمواج الأثير، وهو في نظر العقلاء أجمعين أكتعين ما يجب أن يفعله الشعر ويصدى له من أحداث ومزاعم فاسدة كالتي يتمسك بها المستعمرون، فهل يعاف الملاحظ أن يستمع إلى هذه الأصداء في الشعر لأنه سمعها هو على الأثير. وعلى الأجيال القادمة العفاء؟
أم أنه يحرم على الشعر أن يتناول ما يعرفه الناس وقديما قيل:
ما أرانا نقول إلا معادا
            وكلاما من قولنا مكرورا
    وأتحدث في أبيات ثلاثة متماسكة الأجزاء عما يصعد الزفرات من فظائعه السوداء فأقول:
لم يرعك العدو بالشعـ
               ـب ويسبى النساء وإلا يتاما
يصعد الآه من فظائعه السـ
              ـود ، ويشكو من عسفه الآلام
ولم يرعك العدو في عدد النمل
              يسوق الجيوش والإعلاما
   فيعمد (الملاحظ) إلى تحطيم هذه الوحدة وتفكيك هذه الأجزاء بحذف البيت الأخير منها، ليقرر الخلط في الضمائر واختلاف المعادات، كأني تحدثت عن العدو وحده ولم أتحدث عن العدو الذي يفتك بالشعب فيصعد الشعب من فكته الآهات والزفرات، فهل ترى هنا من خلط في الضمائر؟ لا، إنما هو اختلاط في الفهم .
وليس يصح في الأذهان شيء
               إذا احتاج النهار إلى دليل
 ويسألني الأخ الملاحظ ـ ومن حقه أن أجيبه ـ عن هذا البيت:
كلما هاله اقتحام المنايا
               في مجالاتها وهاب الصداما
عن هذه المجالات كيف ساغ لي أن أجمعها هذا الجمع الغريب الذي لم يسمع به، والذي يعده من مبتكراتنا في اللغة .
وقد شدهت لهذه المفاجأة واتهمت ذاكرتي ومعرفتي بهذه الكلمة فيما قرأته، فالكلمة ليست غربية علي، وعقلي يعرفها، وهو الذي قذفها علي لساني فاستعملتها، واستنجدت بالمعاجم أبحث فيها عن جمع المجال كما فعل ناقدنا ـ فيما أظن ـ ولكني لم أظفر بشيء، وتلك عادة هذه المعاجم لا تفي دائما بالرغبة الكاملة، تذكر لك الجمع عند ما تريد المفرد، والمفرد عند حاجتك للجمع. ووقف ناقدنا عند هذا الحد فأمسك منا بالخناق، وأدركت أنا أن طريقة أصحاب المعاجم في الغالب أن يتركوا في المادة ما يذكرونه في غيرها إذا اتفقتا في الوزن والصيغة، ووجدت في هذه المعاجم أكثر من شاهد يؤيد هذا الرأي في كلمات بصيغة المجال.
جاء في «القاموس» وفي «قطر المحيط» «وأقرب الموارد» في مادة راض (المراض) مكان صلب في أسفل السهل يمسك الماء مرايض و (مراضات) وجاء في نفس المصادر في مادة نام (المنام) النوم، وموضعه، وما يراه النائم، ج (منامات) .
وتجد هذا الجمع في المنجد إذا كنت تعتمده كذلك، وفيه جمع المرام على (مرامات) وفي القطر المحيط جمع المزار على مزارات، وورد في أقرب الموارد: المغار والمغار بالضم، الكهف ج مغاور ومغارات والمقام الإقامة وموضعها وزمنها والمنزلة ومنه مقامات الأعداد. والآن وقد أثبتنا هذا الجمع لهذه النظائر التي هي كلها واوية العين كالمجال، لم يبق شك لذي بصيرة في أهلية المجال لهذا الجمع كأخواته، وظهر فساد اتهام (الملاحظ) أن يغوص في بحور الفهم فتكهن أننا قسنا جمع مجالات على مقامات، وكان الأشبه والأقرب إليه تناولا أن يقول أننا قسناه على مجازات التي لا يستطيع أن ينكر جمعها المتواتر على الألسنة والذي لم يثبته كتب اللغة كذلك.
سألني الأخ عن هذا، وأنا أساله أن يزيل حيرتنا فيرشدنا إلى الجموع الصحيحة لهذه الكلمات: المجال، المجاز، المطار، المعاد ن البيان...
ويصطدم الملاحظ بكلمة (الصدام) الذي هو داء في رؤوس الدواب، وهو ما لا أقصده إلا إذا كان داء في رؤوس بني الإنسان! وإنما هو مصدر لصادم، وإذا لم يجده حضرته في كتب اللغة بخصوص هذه المادة ن فقد ذكرته فيما هو معناها ومبناها كناطح، وقاتل، وهو مصدر قياسي لا يرده عارف بمبادئ النحو.
قال ابن هشام (وقياس فاعل كضارب وخاصم وقاتل الفعال والمفاعلة، ويمتنع الفعال فيما فاؤه ياء نحو ياسر ويامن) فالقياس هنا قياس علمي تدعو إليه القواعد العلمية، ولم ينقل عن سيبويه أنه يرده، ولكنه يقدم عليه المفاعلة والسلام.
وفي هذين البيتين:
كلما مر عام ترجوا
            لانتصاراتهم على الحق عاما
وانتصار الضلال والباطل الزاهـ
            ـق شيء يقارب الأحلاما
يتساءل عن الطلاوة الشعرية ويتفقدها فلا يجدها وهو منا يبدو خالي الذهن من حقيقة يعرفها الناس ، وهي أن الشعر عندما ينزل ليسجل الأحداث ويساير التاريخ ، يفقد الكثير من خياله وطلاوته الفنية، والأبيات تسجل أماني المستعمر وأحلامه في الإحراز على النصر في (ربع الساعة الأخيرة) واستبعاد هذا النصر لأنه باطل لا ينتصر على الحق، وضلال يحيد بهم عن الهدى، ولعلني بينت للملاحظ السر في جمع الباطل والضلال، لأنهما من واد واحد، وكلاهما من أوصاف الغزاة، فهم دعاة باطل وأنصار ضلال.
أماتنا هي الابتذال الذي يراه في الأخبار (بشيء) فهو في رأينا بلاغة متناهية، وكلمة حلت مكانا لا يسد فراغه شيء، لأنها تستمد قوتها وجمالها من التركيب العام كله.. ولعل الملاحظ وضع يده على (شيء) وحدها فرآها تافهة مجردة من كل شيء.. وأزيد فأقرر أن (شيء) المنكرة هي التي تدل بتنكيرها على التفاهة والاستخفاف، هي أنسب بهذا المقام وأكثر ملائمة لانتصار الضلال والباطل المحتقر الزاهق والأحلام التافهة الكاذبة، فليس هنا ما يصلح للأخبار عن هذا الباطل كلفظ «شيء» المنكر وهي في هذا المكان تشبه نفسها في قول الشاعر:
أن صدقا لا أحس به
            هو شيء يشبه الكذبا
ولعل حضرة الملاحظ لا يحتاج إلى أن أذكره بأن اللفظ المركب، أشبه بالمادة الجامدة، وإنما تشيع فيه الحياة والحرارة عند تأليفه وانسجامه مع أخواته بما يستمده من قوة وجمال إذا وقع موقعه الذي لا ينبو عنه.
ولذلك أستحسن لفظ شيء، لطف موقعه، في قول عمر بن أبي ربيعة:
ومن مالئ عينيه من شيء غيره
إذا طاف حول الجمرة البيض كالدمى
وفي قول ابن دمية:
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة
                 تقاضاه شيء  لا يمل التقاضيا
ولم تستحسن في قول المتنبي:
لو الفلك الدوار بغضت سيعه
                  لعوقه شيء عن الدوران
لو روده غير ملتحم بأجزاء البيت مقطوعا عما بعده:
وأذكره بأن البناء الصحيح للبيت الأول قد تم هكذا:
يترجون كلما مر عام
            لانتصاراتهم على الحق عاما
ويبلغ إلى هذا البيت وأنا أخاطب المستعمرين:
فارقبوا منه لعنة ملؤها الخـ
               ـزي تعضون بعدها الأقداما
فيصرخ طالبا مني أن أسعفه، لأن المعنى قد غم عليه، ومجالات الفهم ضاقت على رحبها بين يديه، ولأن الذي يعرف هو، أن الغريزة البشرية ـ كذا ـ تجعل الإنسان بعض بنابه من الندم، وليس القدم، ويظهر أن السيد الفاضل لا يفرق بين الغرائز الموروثة التي تكون من كياننا، وبين العادات النفسية والذهنية التي يغرسها المجتمع فينا، فعض البنان عنده غريزة بشرية ثابتة ينبغي أن نضيفها إلى الغرائز الأربعة عشر.. وإنما هي عادة قد يتعودها بعض الناس بالمحاكاة والتقليد، وليت أمرا غريزيا كالخوف والاستطلاع، فقد يتحسر بعض الناس فيحرق أسنانه حتى يسمع لها صريف، وقد يغلو بعضهم فينتف عتنونه أو يضرب جبهته، الأمر في كل ذلك ما يعتاده الناس ساعة انفعالهم.. وهو شيء لم أقصد إليه، وإذ أنه لا يخفى على أحد، ولكني سلكت سبيل الكناية عن سقوطهم إلى الأرض بعد عزة وشموخ وكبرياء، سقوطا فظيعا يعفر جباههم بالتراب و يعضون معه الأقدام، لأن الساقط بهذه الحالة يهوي إلى الأرض وهو فاغر الفم، وهو ـ بدون شك ـ معنى دقيق يحتاج فيه إلى إسعاف، ولا يحتاج إلى عبقرية شاعر ـ كما يقول ـ ولكنه يحتاج إلى المعية ناقد..
ويتوقف مليا عند هذا البيت:
إن لله أعينا تتقراكم
               وبطشا يزجي به الأياما
فيرى أن كلمة يزجي أكرهت إكراها على مكانها الذي ينبو عنها، وإن المعنى معها غير مستقيم، ومن حقه أن يرى ما يشاء، ولكن ليس من حقه إذا أساء الفهم أن يحكم بما يشاء، إن البيت يا أخي إنذار للغاضبين بأن لله أعينا مفتحة تتقراهم في كل مكان، فلا تفلتهم، وإن له بطشا رهيبا يدخره لهم ويسوق به الأيام الثقال الحبالى، فتطلع عليهم بنقمة الله وعدالة السماء، إنها أيام نحس على الغزاة مهما تأخرت فهي قادمة، لأن الله هو الذي يزجيها ويسوقها إليهم كما يزجي السحاب الثقال ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته! .
ويتصادم (الملاحظ) مع نفسه في نقد هذا البيت:
أرمها يا فتى الجزائر نارا
               تسكن الداعر الأثيم الرجاما
حين ينظر إليه من الناحية البلاغية، فيستنكر عدم التوازن بين (الداعر) المفرد (والرجام) وهو جمع، ولن أكلف نفسي أي افتراض، وإنما أهمس في أذنه بأن هذا النوع من النقد لا يقره الذوق الأدبي اليوم الذي تؤمن به، لأنه لا يهتم بالصناعات اللفظية اهتمامه بالمعاني، وهو أشبه وأليق بعصور الأدب القديم الذي أهتم بالمؤاخاة بين الألفاظ اهتماما جاوز فيه الحد، حتى عابوا على أبي تمام قوله في وصف الرماح:
مثقفات سلبن العرب سمرتها
               والروم زرقتها والعاشق القضفا
ولم يكتفوا عنه بنية الجمع كما هو الحال في الداعر الأثيم. كما عابوا قول أبي نواس:
صفراء مجدها مراز بها
               جلت عن النظراء والمثل
حين أجمع النظراء وأفراد المثل، وهي مؤاخاة لم يكونوا فيها منصفين، لأنهم تجاهلوا كما تجاهلت ـ أنت ـ طبيعة الشعر وضيق مجالاته، وألزموا الشاعر ما لم يلزمه، كأنه والناثر سواء، ولو كانت هذه (المؤاخاة) كما يسميها القدماء أو (التوازن) كما سميتها أنت أمرا لازما يعاب تجنيه حتى في مضايق الشعر التزمها القرآن الذي هو مقياس الفصاحة ومنبع البلاغة إذ يقول: أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل . ولو كان الأحسن أن يوازن بين الجمع والأفراد موازنة لفظية لجمعهما معا أو أفرادهما معا.. وكذلك ورد قوله: أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، جمع القلوب والأبصار وأفرد السمع. وفي القرآن مواضع كثيرة نعفيك من ذكرها.
فهل تصر مع هذا على وجوب التوازن في الشعر، وقد ورد خلافه في النشر، وفي القرآن؟ وهل تنبه قلم التحرير إلى هذه النقطة التي سقطت على دال الداعر فصيرت الدعارة ذعرا...؟
ولست أدري كيف يستقبح حذف الجار الداخل تقديرا على (أن تضام) في هذا البيت:
وأسق أرضا قد كان قلبك أجـ
                  ـدادك سقوها دماءهم أن تضاما
والأصل (من أن تضام) وهو حذف يكاد يكون متعينا، فقد استثقلوا دخول الحرف على مثله في قول أبي تمام:
إلى خالد راحت بنا أرحبية
               مرافقها من عن كراكرها نكب
وفي قول القطري :
ولقد أراني للرماح دريئة
               من عن يميني مرة وأمامي
وورد هذا الخوف الذي لا يستحسنه ذوق الملاحظ في القرآن إذ يقول : شهد الله أنه لا (إله إلا هو) (وأعجبتم أن جاءكم ذكر) التقدير (بأنه) «ومن أن جاءكم» فهل يثق حضرته بهذه النصوص؟ وهل يعقل فيضيع لطغيان استحسانه حدا؟
وإلى هنا يشرف الناقد على نهاية محاسبتنا، ولكنه يود أن لا يودع إلا بعد أن يهمس في أذني كما يهمس الشيخ في أذن تلميذه، بأن حظ هذه القصيدة من خلال الوزن وتداعيه وافر كثير، ويتفضل فيتقدم إلى القارئ بالأبيات التي ترها ميزانه الخائب مرضوضة لنجبر كسرها ونقيمها على نسق أخواتها أرشده الله .
وأول هذه الأبيات التي عرضها على محك الخفيف:
ويشبونها جحيما على الرا
               عي ليلقي من قبضتيه الزماما
 وهو بيت مظلوم ذهب ضحية قلم التحرير أو المصفف، أسقطت نقطتا الياء من قبضتيه، وقرأها الملاحظ بالأفراد، فتعثر بها لسانه وقضى على البيت بالاختلال.
وأؤكد للقارئ الكريم أن سائر الأبيات جارية على تفاعيل الخفيف، وليس فيها الزحاف الخبن والطي، وهما مما يتأكد فيه، وفي بيت واحد فقط دخل التشعيث :
أرسلي النظرة الحنون شواظا
               يتنزى ويزدري الأعجاما
وهو تغيير لا يلزم دخوله التالية، نظير قوله:
ليس من مات فاستراح بميت
               إنما الميت ميت الأحياء
 وإن أكرم القارئ والملاحظ من أن أعرض لهما عمليات التقطيع المدرسية، وأظن أن الناقد يعتبر هذه الزحافات التي لم يخل منها شعر، والتي هي كالملح في الطعام، رضوضا يمجها الذوق السليم . وإذا صح هذا تعين أن يزور سعادته القرويين ليدرس بها علم العروض ويعرف بعد كيف تكون الرضوض.
والذي تأكدت منه بعد فراغي من التعقيب على انتقادات الأخ الملاحظ، هو ما قلته في بداية هذا الكلام، من أن طابع السرعة والاندفاع يتحكم في أعمال الكثير منا.
وأن مجهود الأخ في هذا النقد مجهود ضائع لأنه يقم على دعائم تسنده...
رد على تعقيب
   للأستاذ: علي الصقلي
كنت أود أن يكون تعقيب الأخ الحلوي ـ المنشور في هذا العدد ـ على مقالي في نقد قصيدته «صرخة الجزائر» يعني فقط برد الانتقادات الموجهة إلى القصيدة، وكنت آمل أن يكون الأخ الحلوي قد أقلع عن عادته في خوض المناقشات بأسلوب أقل ما يقال عنه أنه بعيد عن مكانة صاحبه الثقافية وروحه الطيبة الرقيقة الشعور، ولكن خاب ظني وأنا أقرأ التعقيب، وتنقل بين غرره ودرره !
وأترك للقارئ أن يقيس مدى ما «جادت» به نفس الكاتب في تعقيبه من كلمات منكرة جارحة، وما أظن أن صاحبنا في حاجة إلى من يعرفه الحدود التي ينتهي عندها النقد الموضوعي النزيه، ليبتدئ القدح والعبث بكرامات الناس.
وإن رئيس تحرير هذه المجلة ليعلم أنني ـ بحكم ما أعرفه عن السيد الحلوي في هذا الباب ـ قد اعتذرت له اضطرارا عن تذييل مقالي باسمي الصريح، وآثرت تذييله بإمضاء «ملاحظ» صونا لكرامتي، هذا بالرغم عما ينم عنه مقالي من مشاعر الود والاحترام البالغين.
بعد فقد قرأت تعقيب السيد الحلوي الطويل النفس، وأحب أن أقف عند بعض ما أشتمل عليه من آراء أظن أنها هي تعلق عن نفسها، راجيا من القراء أن يتفضلوا مرة أخرى بالعودة إلى مقالي، ليتبينوا ما إذا كان المعقب قد عقب حقا على ما لوحظ عليه بطريقة مقنعة، أو إنما سلك سبيلا آخر لا أدري ماذا أسميه .
يرى الكاتب أن:
الشعر يجب ـ كما هو نظر العقلاء أجمعين أكتعين ! ـ أن يكون ترديد لصدى ما يسمعه الناس على أمواج الأثير.. !!
ويصر على أن ضمائر الأفعال في الأبيات الآتية تجري على نسق واحد، وفق انسجام ووحدة تأمين، يقول مخاطبا ابن الجزائر:
لم يرعك العدو يفتك بالشعـ
               ـب ويسبي النساء والأيتاما
يصعد الآه من فظائعه السو
               د ويشكو من عسفه الآلاما
لم يرعك العدو في عدد النمـ
               ل يسوق الجيوش والأعلاما
وأنا أتحدى الشاعر أن يأتيني بقارئ واحد بعد قراءة البيت الثاني مرة أو مرات بحثا عما يربطه بسابقه ن بناء على أنهما ـ أي البيتين ـ تتوزع ضمائرهما معادات مختلفة لا ارتباط بينها إلا في تأويل الشاعر المتكلف.
ويقول المعقب: «استنجدت بالمعاجم أبحث فيها عن جمع «مجال»، ولكني أظفر بشيء» وهذا عين ما لاحظناه في هذه الكلمة، ثم يقول: « وظهر فساد اتهام الملاحظ للغة بأنها لا تعرف هذا الجمع لأن أصحاب المعاجم لم يثبتوه».
فليسأل السيد الحلوي من أين لنا بمصادر للغة غير هذه المعاجم؟ وهل من الافتراء على اللغة أن نقول: أنها لا تعرف هذه المعاجم؟ ثم هل لابد أن يكون معنى قولنا أن اللغة لا تعرف كلمة ما، إن هذه الكلمة لا تجري على سنن أمثالنا بطريق القياس كما فهم، من كلامنا؟ ونفس ما قلناه في كلمة «المجال» يقال في كلمة «الصدام» التي لا يعرفها هي أيضا كتب اللغة بالمعنى الذي أراده الشاعر كما شهد بذلك هو نفسه.
ويقول السيد الحلوي في الرد على ما قلناه من أن البيتين التاليين خاليين من كل ذوق شعري ومعنى دقيق:
كلما مر عام ترجوا
            لانتصاراتهم على الحق عاما
وانتصار الضلال والباطل الزا
            هق شيء يقارب الأحلاما
يقول: «وهو ـ يعني «ملاحظ» ـ هنا يبدو خالي الذهن من حقيقة يعرفها الناس، وهي أن الشعر عندما ينزل (كذا) ليسجل الأحداث ويساير التاريخ يفقد الكثير من خياله وطلاوته الفنية...»
وأجدني هنا ـ إذ أسجل على صاحبنا موافقته على ملاحظتنا، أي على خلو البيتين من كل رونق وطلاوة فنية ـ أخالف حضرته على طول، معتقدا أن الشعر غالبا ما يكتسي طلاوة سحرية جذابة، وتزيد في أسره ونفوذه إلى الأعماق إذا تفضل، فنزل إلى دنيا الناس وسجل الأحداث وساير التاريخ وكثير من الشعر القديم ـ بله الحديث ـ إنما كتب له الخلود لأنه من هذا الصنف بالذات، لأنه أيضا امتاز في سمو خياله وطلاوته.
ويشرح البيت الآتي الذي كانت ملاحظتنا عليه أنه تصوير غير واقعي بأي حال لما يأتيه الإنسان بوحي من غريزته في حال الندم:
فارقبوا منه لعنة ملؤها الخز
               ي تعضون عندها الأقدامـ
فيقول: «وسلكت سبيل الكناية عن سقوطهم ـ أي المستعمرين ـ إلى الأرض بعد عزة وشموخ وكبرياء سقوطا فظيعا يعقر جباههم بالتراب، ويضعون معه الأقدام» ، ثم يزيد معللا شارحا: «لأن الساقط بهذه الحالة يهوي إلى الأرض فأغر الفم...!!»
ولا أحب أن أعلق بكلمة واحدة على التفسير، طالما أنه تجاوز  الحد في الوجاهة والإقناع!!.
ويدافع صاحبنا دفاعا مستميتا عن «مشروعية» وجود كلمة «يزجي» التي لا حظنا أنها نابية عن مكانها في قوله:
أن لله أعينا تتقراكم وبطـ
               شا يزجي به الأيامـــا
فيقول: «وإن بطشا رهيبا يدخره لهم ـ يعني للمستعمرين ـ ويسوق به الأيام الثقال الحبالي فتطلع عليهم بنقمة الله وعدالة السماء...»
وعندي أن هذا التأويل أرغم البيت المسكين أيما إرغام على أن يحمل فوق ما في وسعه، وإن يكون له حظ من الثقل والحبل أكثر مما يطيق.
وأبى السيد الحلوي إلا أن يعيب علينا انتقادنا إياه في قوله:
ارمها يا فتى الجزائر نـارا
               تسكن الداعر الأثيم الرجاما
حيث لاحظنا هذا الاختلال في المقابلة بين الداعر وهو مفرد، والرجام وهو جمع، وإنا أتقبل سلفا كل ما استدل به في هذا المقام من شعر ونثر، وإن كنت لا أستخفه، حاشا ما ورد في القرآن الكريم، إلا أنني أعود فأسأله: أمن البلاغة أن تقول مثلا: فلان ما أطيب نفوسه ن وأرق قلوبه، أو فلان سكن منازل ودخل حجرات، تريد سكن منزلا ودخل حجرة؟ .
وفي هذا البيت:
فأسق أرضا قد كان قلبك أجد
               اد سقوها دماءهم أن تضامـا
لا حظنا إن فيه حذفا وتقديرا، ما كان أغنى الشاعر عنهما، ولكنه يجيب على هذه الملاحظة بأن في البيت حذفا كاد يكون من المتعين، لأن المحذوف حرف، لو ذكر لكان داخلا على مثله، ودخول الحرف على مثله مستثقل، ونحن نوافقه على هذه القاعدة، ولكننا لا نشاطره الرأي أبدا في أن المحذوف في البيت حرف كما زعم، وإن الأصل.. «سقوها دماءهم من أن تضاما»، لأن البيت خال من أي متعلق يناسب هذا المحذوف ن وإنما الأصل في رأينا «مخافة أن تضاما» أو ما أشبه ذلك.. فالبيت إذن يجري على سنن الأمثلة التي ساقها في الموضوع.
بقي ما يتعلق بأمر العروض، وهنا أجاهر الأخ الحلوي ـ ولا أهمس في أذنه كما فعلت قبل ـ بأنه لا زحاف الخبن والطي ولا التشعيث بكاف لتضميد الرضوض العقيمة التي كانت بمثابة البثور في وجه الحسناء، ولا أقول كالملح في الطعام كما عبر السيد المعقب.
وبقطع النظر عن البيت الذي أدرج في عداد الأبيات المكسورة نتيجة مطبعي. فإن بقية الأبيات الأخرى، وعدتها خمسة، متصدعة بشكل لا يقبل أي جدال بالرغم عن تأكيدات الشاعر. وخذ مثلا البيت الذي اختاره المعقب ليظهر سلامته من الكسر وهو:
أرسلي النظرة الحنون شواظا
               يتنزى ويزدري الأعجامــا
فإنه لم يفطن فيه إلى موضع الكسر الذي أردناه، بل ظنه شيئا آخر أجهد نفسه في دفعة بما سماه التشعيث ن وبالتنظير له ببيت من الشعر، والذي لاحظناه في بيت الشاعر هو هذه الياء في «أرسلي» التي لا يستقيم الوزن إلا بحذفها، وحذفها لا يجوز قطعا طالما أن الخطاب لمؤنثة، وأظن أن ميزاننا الخائب ـ كما لذ للسيد المعقب أن ينعته ـ يستطيع أن يضع يد الشاعر ـ متى أراد ـ على موضع الكسر في كل بيت بيت، والعجب كل العجب أن يجرؤ الأخ الحلوي على أن يؤكد للقارئ سلامة الأبيات المكسورة وجريانها على تفاعيل الخفيف، وهو لا يملك القدرة على أن يدفع عن أي واحد منها ما مني به من عطب.
وأخيرا أؤكد للأخ الحلوي ـ إن كان في حاجة إلى تأكيدي ـ أن قصيدته ـ باستثناء ما أصيب به بعض أبياتها من كسر ـ وهذا لا يغتفر ـ صورة شعرية حية، ترسم في دقة وإتقان المأساة الجزائرية كما ينبغي أن يرسمها قلم شاعر.
 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here