islamaumaroc

المؤرخ الوزير لسان الدين بن الخطيب

  دعوة الحق

90 العدد

اثنين أرخا لعصر بني الأحمر، فكشفا عن السلالة النصرية، حتى عصرهما الذي عاشاه جنبا إلى جنب، ولم تنل من علاقتهما الطيبة سوى التنازع على المزيد من السلطة، في دولة طالما استبد فيها الحجاب والوزراء، وانتقصوا من سلطة السلطان، فكانت نهايتهم على يدي من نازعوهم أمور المملكة، بايعاز من صاحب سلطة قضائية أو إدارية، مثلما حدث بين ابن الخطيب هذا، وقاضي الجماعة ابي الحسن علي النباهي الجذامي، وعلى نحو ما سنرى من خلال سيرة الأول.
هو لسان الدين ابو عبد الله محمد بن عبد الله ابن سعيد بن عبد الله بن سعيد بن علي بن احمد السلماني، نسبة إلى سلمان، بقعة باليمن نزلت بها بعض القبائل القحطانية، وكانت أسرة ابن الخطيب احدى هذه القبائل، ومن اليمن وفدت الأسرة إلى الأندلس، حيث اتخذت قرطبة مقرا لها.
ثم هاجرت الأسرة إلى طليطلة - كما أخبر بذلك ابن الخطيب نفسه في مقدمة «الاحاطة» - عام 202 ه -817م وهو العام الذي حدثت فيه ثورة أهل الربض بقرطبة ضد أمير الأندلس الحكم بن هشام حيث حرض الفقهاء أهل الربض ضد الأمير، ولكن «الحكم» قضى على الثورة في الموقعة  المشهورة بـ (موقعة الربض)، وشتت شمل القائمين بها، فنفى من نفى، وشرد من شرد، وغادر قرطبة جمهور من المعارضين والعلماء، ومن هؤلاء أسرة ابن الخطيب، حيث قصدت طليطلة، فبقيت بها قرابة قرن ونصف، ولما أحسست أسرة المترجم له بالخطر المحدق بالمدينة - حيث أصبحت هدفا للاسبان في أواسط القرن الخامس الهجري (اوائل القرن الثاني عشر الميلادي) بادرت بالنزوح عنها إلى مدينة (لوشة) (Loja) مسقط رأس ابن الخطيب في 25 رجب 712ه (16 نوفمبر 1312م).
تربى ابن الخطيب في أسرة عرفت بالأصالة والعلم والجاه، فقد كان أبوه عبد الله من أكابر العلماء والخاصة، كما أخبر بذلك ابن الخطيب نفسه، حيث ترجم لأبيه في كتابه (الاحاطة في أخبار غرناطة)، فروى لنا أنه ولد في (672 ه - 1273م) واستقر حينا في غرناطة، ثم عاد إلى (لوشه) مقر الأسرة، ثم رجع إلى غرناطة، حيث التحق بخدمة السلطان (ابن الوليد اسماعيل) ملك غرناطة (713ه - 1314م).
ولما توفي هذا السلطان، وخلفه ابنه السلطان (ابو عبد الله محمد)، التحق والد ابن الخطيب بديوان كتاباته أيضا، ثم بأخيه السلطان ابي الحجاج يوسف (732ه - 1315م) حيث عاصر الكاتب الكبير، والرئيس العظيم (أبي الحسن علي بن الجياب)، والذي منح من قبله لقب الوزارة، وأخيرا سقط عبد الله مع ولده الأكبر- أخي لسان الدين - قتيلا في والجزيرة الخضراء، وذلك في جمادي الأولى 741ه - أكتوبر 1340م.
لقد نشأ ابن الخطيب في العاصمة غرناطة، وتلقى بها دراسته(1)، وكانت غرناطة وقتئذ ميدانا احتشد فيه الأكابر من العلماء والأدباء، فدرس اللغة والشريعة والأدب على جماعة من أقطاب العصر، مثل «أبي عبد الله بن الفخار الألبيري» شيخ النحاة في عصره،  «وأبي عبد الله بن مرزوق» فقيه المغرب الكبير، والقاضي «ابن البركات بن الحاج البلفيقي» ودرس الأدب والشعر على الوزير «ابلي عبد الله الحكم اللخمي» وعلى الرئيس  «أبي الحسن علي بن الجياب»، وغير هؤلاء، كما درس الطب والفلسفة على حكيم العصر وفيلسوفه الشيخ « يحي بن هذيل» فلا نبالغ اذن إذا قلنا أن غرناطة في ذلك الوقت كانت أعظم مركز للدراسات الأدبية والعلمية والاسلامية، في هذا القطر الغربي من العالم الإسلامي، وكان هذا من حظ ابن الخطيب إلى حد بعيد.
هذا، وقد تأثر مستقبل ابن الخطيب السياسي بحكم منصب والده، فمنذ شب عن الطوق ونفسه تطمح للوصول إلى مركز أبيه، فلما توفي الوالد دعي ابنه للخدمة مكانه، وكان حينئذ في الثامنة والعشرين من عمره، حيث تولى امانة السر لاستاذه الرئيس «ابي الحسن بن الجياب» وزير السلطان ابي الحجاج يوسف الأول النصري وكاتبه(2)، ثم خلف استاذه في الوزارة، وتقلد ديوان الإنشاء للسلطان ابي الحجاج يوسف، وكان ابن الخطيب يومئذ قد ملك زمام ارفع الأساليب شعرا ونثرا، بفضل استاذه الراحل، وظهر أثر هذه التلمذة على رسائله السلطانية التي حررها بقلمه على لسان ملوك الأندلس والمغرب، والتي نعتها المؤرخ ابن خلدون «بالغرائب»، وقد جمع ابن الخطيب نفسه منها الكثير في كتابه «ريحانة الكتاب، ونجعة المنتاب» كما أورد المقري عددا منها في مؤلفه «نفح الطيب»(3)، ويعتبر كتابه «كناسة الدكان، بعد انتقال السكان» (برمته) مجموعة من الرسائل السلطانية التي تمثل العلاقات السياسية بين غرناطة والمغرب في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي(4).
ولقد كسب ابن الخطيب ثقة هذا السلطان، حيث قربه من مجلسه، وخلع عليه الجم من النعم، كما أصبح أثيرا لديه، مودعا أياه أمانة سره وكتابته، وذلك لروعة هذه المكاتبات السلطانية التي دبجها له من  جهة، ولنجاح سفاراته مع ملوك النصارى والمغرب من جهة أخرى، فقد بعثه عاهل غرناطة إلى أبي الحسن المريني ملك المغرب عام 749ه - 1348م.
ولما توفي السلطان أبو الحجاج يوسف قتيلا – في يوم عيد الفطر 755ه 19 أكتوبر 1354م - خلفه في الملك ولده السلطان «محمد الخامس الغني بالله» واستمر ابن الخطيب في معاونة الوزير «أبي النعيم رضوان» على خدمة السلطان الجديد، كما تولى الوصاية على الأبناء القصر للسلطان المتوفى، ثم قام بسفارة إلى السلطان «ابي عنان المريني» عام 755ه - 1354م، ولقد نجح ابن الخطيب في مهمته هذه نجاحا عظيما.
فقد استجاب ملك المغرب للمطالب التي حملها ابن الخطيب لصالح ملك غرناطة، وفي مقدمتها العون الحربي لمقاومة ملك قشتالة.
ولقد ظفر ابن الخطيب بمكانة ممتازة لدى (الغني بالله) إذ منحه ثقته كأبيه من قبل، وخلع عليه لقب (ذي الوزارتين)، لجمعه بين الكتابة والوزراة.
ولكن حدث أن اندلعت الثورة بغرناطة في رمضان 760ه 1359م، وانتهت بأن فقد السلطان الغني بالله ملكه، واستولى اخوه الأمير اسماعيل على العرش، كما تمخضت هذه الثورة عن مقتل الوزير (ابي النعيم رضوان)، ثم فرار الغني بالله إلى وادي أش، وعليه فأصبح ابن الخطيب لا يملك من الأمر  شيئا، غير أنه حاول أن يستميل إليه السلطان الجديد، فقبله في الوزارة مؤقتا، ثم تشكك بعد قليل في نواياه، بتحريض منافسيه وحساده، فقبض عليه، وصادر أملاكه، وبذلك فقد ابن الخطيب جاهه ونفوذه، بل ومتاعه بين عشية وضحاها.
لم تطل هذه النكبة بابن الخطيب، فقد بعث ملك المغرب السلطان أبو سالم سفيره (الشريف أبا القاسم التلمساني) إلى ملك غرناطة الجديد، يطلب إليه أن يسمح للملك المخلوع (الغني بالله ووزيره ابن الخطيب) بأن يغادرا الأندلس إلى المغرب ضيفين عزيزين، فرضخ  سلطان غرناطة الجديد لهذا الطلب، سياسة منه، وابقاء على أواصر الوداد مع بني مرين، واحتفاظا بهم سندا في مستقبل الدولة الاسلامية بالأندلس. وبهذا أطلق سراح ابن الخطيب ولحق بسلطانه حيث لجأ بوادي آش، ومن ثم إلى المغرب ومعهما نفر كبير من الحاشية، فوصل الركب فاس في محرم 760ه - 8 ديسمبر 1358م، حيث استقبلهما السلطان أبو سالم استقبالا حارا، واحتفل بقدومهم احتفالا عظيما، وألقى ابن الخطيب في هذه المناسبة بين يدي المضيف قصيدته الشهيرة(5) يستنصره ليعين سلطانه على أمره.
ويشهد ابن خلدون المؤرخ ذلك الحفل - بصفته من كبار رجال البلاط المريني - فيصفه لنا ويقول: أن ابن الخطيب استولى على سامعيه فأبكاهم تأثرا.
هذا وقد طاب العيش لابن الخطيب بالمغرب في رعاية السلطان «ابي سالم» والذي أقطعه الأراضي ورتب له الرواتب، حيث استقر في «سلا» حوالي ثلاثة أعوام منفيا، (1358 – 1361م)، (760 – 763ه) اقتنى  خلالها الضياع والأموال، ولكن لم ينس في الوقت نفسه نزعته الثقافية والتأليفية، فجاس  خلال مدن المغرب، دارسا باحثا، ملتقيا بالعلماء في تجواله، وفي نهاية المطاف يرجع إلى سلا حيث رابط بضاحية (شالة)، قرب أضرحة ملوك بني مرين.
هذا وقد أصيب ابن الخطيب إبان هذه الفترة في زوجته أم أولاده، وبالرغم من كل ما أصابه من نكبات متوالية فإنه لم يقعد عن التأليف، ولم يخلد إلى الراحلة والسكينة، ويكفي دليلا على ذلك تلك المؤلفات التي حررها وقتئذ وأهمها:
1) معيار الاختبار، في ذكر المعاهد والديار.
2) نفاضة الجراب، وعلالة الاغتراب.
3) اللمحة البدرية، في تاريخ الدولة النصرية.
4) الحلل المرقومة، في اللمع المنظومة(6).
5) رقم الحلل، في نظم الدول.
6) كناسة الدكان، بعد انتقال السكان.
7) رسائل في فنون مختلفة، معظمها نظمه شعرا.
وفي هذه الأثناء تم انقلاب في فاس، ترتب عليه مصرع السلطان ابي سالم، في ذي القعدة 762ه (1360 م) وتقلد السلطان صاحب الانقلاب الوزير عمر بن عبد الله، والذي أعان « ابن الأحمر» المخلوع على أمره، ووقف إلى جانبه في استرجاع عرشه، حتى سنحت الفرصة، ووافت الظروف، وذلك باندلاع ثورة جديدة في غرناطة، صرع فيها السلطان اسماعيل  ابن الاحمر، على يد الرئيس ابي سعيد والذي فر إلى (قشتالة) عقب عودة الغني بالله إلى الأندلس واستلائه على (مالقة) ثم دخوله غرناطة وتربعه على العرش من جديد عام 763ه - 1361م.
لقد استدعى سلطان غرناطة الجديد « محمد الخامس الغني بالله» وزيره المنفي ابن الخطيب ليقدم إلى دار ملكه برسائل مؤرخة: 14 جمادى الأخرة 763ه (15أبريل 1361م) ليتقلد منصبه السابق، فاستجاب له ابن الخطيب وجاز البحر، صحبة اسرة السلطان واسرته، حتى وصل العاصمة، وهناك وجد  من يزاحمه منصبه، وينافسه السلطة، وهو شيخ الغزاة (عثمان بن ابي يحي)، صاحب اليد على السلطان في استرجاع العرش، فنشب خلاف بين الرجلين، وحقد كلاهما على الآخر، ولكن ابن الخطيب كان أشد مراسا بأساليب الكيد والدس، فتغلب على  خصمه، إذ زين للسلطان خطورة نفوذ «عثمان» هذا، وبدا يخيفه من غدره، وغدر اشياعه، فاستجاب ابن الأحمر لنصح ابن الخطيب وقضى على «عثمان» وآله في شهر رمضان 764ه - 1363م، وبذلك استرد ابن الخطيب كامل سلطته، دون مناوئ أو منافس، ولكن إلى حين.
فقد شعر مرة أخرى بما يحاك حوله من حبائل ومكايد، ورأى سلطانه يتأثر بسعاية الخصوم، وقد تزعم هذه الحملة الجديدة ضد ابن الخطيب رجلان قويا التأثير في السلطان بحكم وضعيتهما في الخدمة السلطانية، ولما لهما من مكانة سياسية في الدولة هذان الرجلان هما:
1) الشاعر محمد بن يوسف المعروف بـ «ابن الخطيب» تلميذ ابن الخطيب، ومعاونه في الوزارة.
2)  قاضي محمد بن يوسف المعروف «ابو الحسن علي بن عبد الله النباهي، ولي نعمة ابن الخطيب»
وحينئذ شعر ابن الخطيب بخطورة موقفه عند السلطان، بين هذين الرجلين الداهيتين، فدبر أمره على مغاردة الأندلس نهائيا، دون أن يشعر السلطان مطلقا بذلك، وفعلا طلب منه أن يأذن له في تفقد بعض الثغور والموانئ الأندلسية، فأجابه السلطان، وكان من جانبه قد اعد العدة للابحار إلى المغرب، حيث يحل على السلطان ابن ابي الحسن المريني وقد تم له ذلك بوصوله إلى جبل طارق، وكان الجبل يومئذ ضمن أملاك المرينيين، ونجحت الخطة، إذ استقبله قائد ميناء الجبل بحفاوة، وسهل له مهمته، بأمر من سلطان المغرب، وأجازه إلى «سبتة» هو ومن معه من ولده، قبل أن يودع هذه البقاع بعث برسالة مؤثرة إلى السلطان الغني بالله يعلل فيها مسلكه الأخير هذا، ويبرر له تصرفه الإضطراري، ثم يستسمحه في النهاية، طالبا غفرانه، راجيا عونه لأسرته التي خلفها وراءه في غرناطة.
وصل ابن الخطيب إلى «سبتة» ومنها التحق بتلمسان، مقر السلطان «عبد العزيز» الذي احتفى وأكرمه، ثم بعث بسفرائه إلى غرناطة، يلتمس من سلطانها أن يجهز أسرة ابن الخطيب، فأجابه، «ابن الأحمر» إلى طلبه وكان ذلك عام 773ه، 1371م.
وكان من المتوقع أن يهنأ ابن الخطيب بهذا المقام بالمغرب، فالسلطان قد أحله مكانته اللائقة به، وأبدله مما فقد الشيء الكثير، ولكن -  للاسف - اتخذ منافسوه بغرناطة من هربه - على هذه الصورة - مادة دسمة للكيد، وأكدوا للسلطان « محمد الخامس ابن الأحمر» ادانته، وعدم وفائه لولي نعمته، وزاد الاتهام تأكيدا أن ابن الخطيب كان حريصا على أن يحمل معه أمواله وذخائره إلى المغرب، وفي هذا يقول له «القاضي النباهي» غريمه،- في الرسالة المعروفة التي بعث بها إليه -: «فهمزتم ولمزتم وجمعتم من المال ما مجمعتم.. ثم هربتم بأثقالكم» «(7)».
كان القاضي النباهي فيما سبق من أنصار الوزير ابن الخطيب، بل أن تعيينه قاضيا للجماعة واستصدار ظهير هذا المنصب قد تم على يد ابن الخطيب نفسه، كما نجد في كتاب الاحاطة ترجمة للنباهي تنبئ عن تقدير ابن الخطيب لهذا الرجل، إذ ينعته بأنه « فريع بين مجاده وجلاله، ويقيه تعين وأوصاله، عف النشأة، طاهر الثوب، مؤثر للوقار والحشمة، بعيد الغور، مرهف الجوانب، ناظم، ناثر، نثره يشف على نظمه، ذاكر للكثير، بعيد المدى في باب النزاهة، ماضيا غير هيوب..» الخ. ولكن ذلك «النباهي» تنكر تماما لابن الخطيب ولم يحفظ له هذا الجميل، قد آزر الوزير «ابن زمرك» ضذه، وسعى سعيا حثيثا في سبيل القضاء عليه، وتتجلى هذه الروح الشريرة، وما يمليه الحقد الشخصي، والضعائن الدفينة، في تلك الرسالة التي بعث القاضي النباهي إلى ابن الخطيب بالمغرب، وفيها يعيب عليه الانصراف إلى اقتناء الضياع والديار، كما أنه نسب إليه في بعض مؤلفاته بعض محدثات في الدين، مما يمس الشريعة الاسلامية، كما تناول في بعض المؤلفات الأموات من الناس، وذلك بالطعن أو العيب فيهم، الأمر الذي يستنكره الدين..، وحتى مغادرة ابن الخطيب للاندلس مؤخرا رأي فيها النباهي غدرا بالسلطان ولي نعمته، كما كذبه في ادعائه الانقطاع للعبادة في المغرب، وأنه لو أرادها حقيقة لقصد الديار المقدسة، أو أبقى على نفسه بغرناطة بجوار الكفاح والجهاد، لنصرة المملكة الاسلامية، والتي يتهددها خطر الاسبان كل حين.
وفي الأخير ينهي النباهي رسالته بالنيل من أسرة ابن الخطيب، وأنهم حديثو عهد بالنعمة، وأن ثروتهم هذه لن تأت إلا عن طريق المنصب والسلطة.
وقد كان لهذه الرسالة أثر كبير فيما بعد، حيث كانت صك الاتهام، والتي أدين ابن الخطيب على أساس ما ورد فيها، عندما حلت نكبته، ودنت ساعة نحسه(8)
هذا، ويرجع تاريخ هذه الرسالة إلى اواخر جمادي الأولى 773ه 1371م، وقد تسلمها ابن الخطيب بتلمسان، وأجاب على ما جاء بها مفصلا، وذلك في كتابه «الكتيبة فيمن لقبناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة»، وشدد النكير على القاضي النباهي، ففيه يصفه بأنه «الجعسوس» أي القزم الدميم، وزاد ابن الخطيب فوضع رسالة خاصة، للنيل من خصمه اللدود، وسمهاها «خلع الرسن، في وصف القاضي ابن الحسن».
ظل القاضي النباهي وابن زمرك على عزمهما بسحق غريمهما ابن الخطيب، فبعد إحراق كتبه العقائدية، عمد النباهي إلى استصدار حكم الشرع في جريمة الإلحاد، وهو الاعدام، وحصل من السلطان على مصادقة لهذا الحكم، وبعث القاضي ابو الحسن بنوابه إلى السلطان عبد العزيز، وبأيديهم هذا الحكم فقابل السلطان رسل غرناطة بالاستنكار، وخاطبهم  قائلا: «هلا انفذتم فيه حكم الشرع وهو عندكم وانتم عالمون بما كان عليه..» وبالغ في إكرام ابن الخطيب، وأضفى عليه مزيدا من عنايته.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن ابن الخطيب  قد لاحظ وقتئذ قوة المغرب في عهد صديقه السلطان عبد العزيز ملك المغرب، ومبلغ العداء بين فاس وغرناطة - وقد بلغ أوجه، فحرض السلطان على ضم غرناطة لمملكته - وقد بلغ من وراء ذلك إلى سحق أعدائه هناك، وتأمين مقامه بالمغرب، وما يتبع ذلك من حماية مصالحه الخاصة.
ويظهر أن هذه السياسة قد لاقت قبولا عند السلطان «عبد العزيز»، فصمم على تنفيذها، وفي يقول ابن خلدون: «ثم تاكدت العداوة بينه وبين ابن الاحمر، فرغب السلطان عبد العزيز في ملك الأندلس وحمله عليه، وتواعدوا لذلك عند رجوعه من تلمسان إلى المغرب(9) وبلغت ابن الأحمر رغبة ملك المغرب هذه، فتخوف لذلك كثيرا، وأسرع في ايفاد رسله بالهدايا والتحف الثمينة إلى بلاط فاس، آملا في نيل رضا السلطان عبد العزيز، واتقاء شره, ثم تفاجئ الظروف الموقف، فيموت السلطان عبد العزيز بعد ذلك بقليل، ويجلس على عرش المغرب ابنه «أبو زيان محمد السعيد» طفلا في الرابعة من عمره، في ربيع الآخر 774ه - 1372م، وقبض على زمام السلطة الفعلية وزيره أبو بكر بن غازي فتغبرت الأوضاع السياسية بالمغرب تماما، واظطر ابن الخطيب حينئذ أن يتزلف إلى الملك الطفل ووزيره، فألف كتابه المعروف باسم «أعمال الاعلام، فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الاسلام» وفيه يبرر هذا الوضع الجديد، شرعا وعرفا، وتاريخا، وأورد لذلك الاشباه والنظائر، ردا على المناهضين، وصنائع بني الأحمر وعملائهم.
وفي هذه الأثناء قام السلطان ابن الأحمر بمحاولة أخرى للايقاع باين الخطيب، وذلك بأن أوعز إلى الوزير «ابن غازي» ان يسترد ابن الخطيب، فامتنع ابن غازي، وتوترت العلاقات مرة أخرى، بين غرناطة وفاس، الأمر الذي جعل ابن الأحمر يوغر صدور هؤلاء الأمراء المرينيين، ضد النظام القائم في فاس وبذل في سبيل القضاء على هذا النظام مساعدات ضخمة، كما اقنع من اتصل بهم من حكام الأقاليم –  وبخاصة حاكم سبتة «أبو محمد بن عثمان» -  بأن من الأفضل للمغرب أن يكون الملك رجلا راشدا، لا طفلا صغيرا، لا يدرك شيئا، واتفق معه على تنصيب الأمير المريني «أبي العباس أحمد بن ابي سالم» ملكا على المغرب، وانه -  أي محمد بن عثمان - سيكون الوزير المستقل، وأعطاه المزيد من المساعدات الهائلة لتنفيذ هذا الاتفاق، على أن يحقق هذا الوزير لابن الأحمر ثلاثة مطالب بعد نجاح الخطة، وهي 
1- تسليم ابن الخطيب.
2- تسليم الأمراء المناهضين لابن الأحمر.
3- التنازل عن جبل طارق.
ووقعت بعض الحوادث بالمغرب، وتمخضت عنها ثورة قاضية، أدت إلى حدوث الانقلاب المنشود لابن الأحمر، ونودي حينئذ بالأمير «احمد بن السلطان ابي سالم» واليا على المغرب «776ه-1374م».
وهنا أسرع السلطان الجديد بالقبض على ابن الخطيب، وسجنه، وبذلك تهيأت الفرصة لوضع نهاية الوزير المنكود فقد كان الوزير الجديد ببلاط فاس «سليمان بن داوود» من ألد خصوم ابن الخطيب، ومن جهة أخرى فقد أرسل سلطان غرناطة سفيره ووزيره عبد الله بن زمرك، ليشهد آخر فصل لهذه الرواية، وليدق آخر مسمار في نعش ابن الخطيب، فقد عقد السلطان أحمد مجلسا من مستشاريه وكبار رجال الدولة، ونوقش ابن الخطيب أمام هذا المجلس، وذلك حول كافة الادعاءات المقامة ضده، وبالأخص دعوى الإلحاد، تلك الدعوى التي صاغها القاضي النباهي من قبل، وكان مجلسا صوريا بطبيعة الحال، فإن نتيجة المحاكمة كانت مقررة ومتفقا عليها من قبل في كل من غرناطة وفاس.
لقد أوذي ابن الخطيب أمام شهود هذه المؤامرة وافتى الفقهاء المتعصبون بإعدامه شرعا، فأعيد إلى سجنه حسث دبر الوزير «سليمان بن داوود» أمر قتله في السجن، وفعلا بعث إليه ببعض الأشرار الذين قتلوه خنقا أواخر 776ه - 1375م، وفي صباح سحبت جثته إلى الفضاء حيث تم حرقها ، ودفن بضاحية فاس.
ويروي المقري أنه تمكن مؤخرا من معرفة قبر ابن الخطيب، وذلك خلال إقامته بفاس، أوائل القرن الحادي عشر الهجري « القرن السابع عشر الميلادي» فزاره مرارا حيث يرقد، وفي هذا يقول: «وقد زرته مرارا - رحمه الله تعالى- بفاس المحروسة، فوق باب المدينة الذي يقال له: باب الشريعة، وهو يسمى الآن «باب المحروق» وشاهدت موضع دفنه غير مستو مع الأرض، بل ينزل بانحدار كثير» رحم الله ابن الخطيب بقدر ما زود التاريخ من ذخائر، وأهدى العلوم والمعارف من نفائس.

 

(1) - العبر لابن خلدون ج 7 ص: 332.
(2) - توفي ابن الجياب بوباء الطاعون الجارف، في شوال 749هـ (يناير 1349م).
(3) - ج 2 ص: 570، وما بعدها، ج 4 في عدة مواضع منه.
(4) - لقد قمت بتحقيق هذا الكتاب، وسينشر قريبا بمعونة الدار المصرية للتأليف والنشر بالقاهر.
(5) -نفح الطيب للمقري ج3 ص: 46-48، ازهار الرياض لنفس المؤلف ج1 ص 197-200 وهي ثمانون بيتا.
(6) - هذا الكتاب يتحدث فيه ابن الخطيب عن تاريخ الدولة الاسلامية، وقد أهداه إلى السلطان ابن سالم المريني ملك المغرب، فكافأه عليه بمضاعفة رواتبه، كما كتب في شأن المؤلف إلى سلطان غرناطة، يطلب إليه الافراج عن ممتلكات ابن الخطيب المصادرة.
(7) - المقري في نفح الطيب ج 7 ص: 56.
(8) - المقري في ازدهار الرياض ج 1 ص: 212-224 حيث أورد المؤلف هذه الرسالة كاملة.
(9) -  ابن خلدون في العبر جـ 7 ص 338 – 3147.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here