islamaumaroc

دعوة حق

  دعوة الحق

13 العدد

بالنسبة للظروف العصيبة التي تجاوزتها بلادنا اليوم، لا نجد ما نفتتح به هذا العدد الأول من السنة الثانية خيرا من أن نعيد هنا نشر فقرات من الخطاب التاريخي العظيم، الذي ألقاه جلالة الملك سيدي محمد الخامس، في يوم 20 غشت المنصرم، يوم الذكرى الخامسة لثورة الملك والشعب.
فقد أبى جلالته في هذه المناسبة التاريخية العظيمة، إلا أن يضع النقط فوق الحروف، وإلا أن يدعو جميع أفراد شعبه الوفي إلى كلمة سواء بينهم جميعا، وان يتذكروا واجباتهم كمواطنين أولا، وان يضعوا بذلك مصلحة الوطن العليا فوق كل اعتبار شخصي أو طائفي أو غير ذلك. وكانت دعوة عامة، بمقدار ما كانت تنضج بالصراحة  والصدق والإخلاص، وبمقدار ما كانت تنضح أيضا بالإشفاق على مستقبل هذا الوطن من أن تتلاعب به الأهواء والمصالح والأغراض
قال جلالة الملك في خطابه الكريم :
..فالبرور بشهدائنا، والوفاء للمبادئ السامية التي ضحينا في سبيلها، ونلنا بها ما نلنا، يوجبان علينا أن نعتز بقوميتنا، ونطهر من الحزازات أنفسنا، ونحافظ على أخوتنا وتضامننا واتحادنا، وان نترفع عن سفاسف الأقوال والأفعال  التي تلهي عما قطعنا منذ استقلالنا من مراحل، وتحول دون تقدير المنجزات المحققة تقديرا واضحا.
وإذا كان لنا نحن ما نرجوه بهذه المناسبة، فهو أن يظل كل مواطن _ يرى نفسه مستحقا لشرف المواطنة _ مستحضرا لهذه الدعوة الطيبة الكريمة، وان يراعيها باستمرار، وان يعمل على تنفيذها بكل الوسائل، بسلوكه الشخصي، وبالتذكير بها، وحمل المواطنين الآخرين على اعتناقها والعمل من اجل تنفيذها.
إن أحدا لا يستطيع أن ينكراننا نعيش في أزمة. أزمة لا تتحدث عنها الصحف ولا ترددها الإذاعة، ولكن شررها يتطاير هنا وهناك، ولن ينقص إغماض الطرف عنها شيئا من حقيقتها الواقعية، وهي أنها حديث كل مجلس، وكل ناد، وكل مقهى، وكل مكتب، وكل منزل، وكل مكان يلتقي فيه اثنان، أزمة لا يكاد معظم المواطنين يعرف شيئا واضحا عن أسبابها ودواعيها وحقيقتها، ولكن الجميع مع ذلك يتحدث عنها بالظن والتخمين، وتمطيط الظواهر والدلائل والإشاعات .
وأزمة من هذا النوع، خليقة أن تفسح المجال للظنون السيئة، وللرجم بالغيب، ولسريان الحقد والكراهية، دون أن تكون هناك أسباب واضحة ومعقولة
ولعل أخطر الأزمات، سواء بالنسبة للفرد أو للجماعة، هي الأزمة الغير الواضحة الأسباب والدواعي، الأزمة التي يجد الإنسان نفسه أحيانا أسيرها، دون أن يستطيع لها علاجا، لأنه لا يعرف لها داعيا حقيقيا فيكون في إمكانه أن يحاول تلافيه أو تجنبه أو القضاء عيه .
والأزمة التي نعيشها اليوم، وقد وضعت لها أسماء كثيرة، ولكننا لا نجد لها اسما صحيحا خيرا مما دعاها به صحافي ناشئ، هو أنها ((أزمة ضمير )) .
نعم، إنها ((أزمة ضمير )) ومطلوب من كل مواطن منا، سواء كان في صف القيادة، أو كان مجرد جندي بسيط، أن يخلو إلى ضميره بعيدا عن كل المؤثرات الخارجية، وأن يحاول في إخلاص استخراج خبيثة هذا الضمير، وأن يجرب مرة أخرى _ أن يحاسب نفسه حسابا عسيرا، وأن يحملها على الجادة الواضحة، هذه الجادة التي كان يحمل نفسه عليها عن طواعية، يوم أن لم يكن في استطاعتها أن تفضي إلى غير الحرمان والتنكيل والعذاب القاسي الأليم.
مطلوب من كل مواطن منا سواء كان في صف القيادة أو مجرد جندي بسيط، أن يعود إلى هذه الجادة، فقد جربها من قبل، وحققت له معجزة، معجزة استقلاله وحريته وكرامته، وهي خليقة إذا التزمها اليوم _ كما كان يفعل من قبل _ أن تفضي به إلى التحرر الكامل، والى الرفاهية والسعادة والعزة.
إن أي ضمير سليم لا يستطيع أن يعتبر الخروج عن هذه الجادة، إلا كفرا بنعمة الله، ولا نكوصا على الأعقاب، وخيانة المبادئ، وتراجعا للوراء .
والشعب المغربي لم يرضى نفسه بعد، على أن يقبل ممن يرشحون أنفسهم لزعامته، أن يكونوا مجرد بشر بكل مساوئ البشرية، إنه يريدهم شيئا فوق ذلك، شيئا فوق البشر، فقد لقن في دروس الوطنية الأولى، إن الوطنية معناها نكران الذات، معناها التضحية، معناها البذل عن سخاء، معناها الخضوع للحق، ذلك لأن الحق فوق القوة، وفوق كل اعتبار مهما يظهر من وجاهته أو أهميته .
لقد قيل للشعب يوما: أن الحق هو الله. ومن ثم أصبح من حقه أن يتعصب لهذا الحق الذي ساقه إلى النصر، وأن يكفر بكل من يريد أن يغشه فيه أو يزوره عليه، أو يحول أنظاره عنه.
على أن الشعب ليس مشتطا فيما يطلبه، انه لا يطلب من الذين يريدون أن يعلموه الوطنية، أكثر من أن يكونوا هم أنفسهم وطنيين، فإذا كانوا كذلك، فلن تكون هناك أزمة أخرى غير الأزمات الحقيقة الواقعة، أزمة الحدود، وأزمة الاحتلال العسكري، وأزمة الاقتصاد الوطني، وغير ذلك من الأزمات التي يعجزها أن نتغلب عليها، إذا استطعنا أن نحتفظ دائما بنفس الروح التي خضنا بها الأزمة الكبرى من قبل، نفس الروح التي حقننا بها معجزة الاستقلال. نفس الروح التي أرغمنا بها فرنسا وأعوانها الذين يمدونها بالسلاح ويشايعوها في المحافل الدولية على أن يعترفوا باستقلالنا وسيادتنا، وحقنا في الحرية والكرامة والمساواة، نفس الروح التي مزقنا بها الخط الوهمي الذي كان يفصل بين الشمال والجنوب، نفس الروح التي رقصنا بها على الحدود نفس الروح التي أكرهت الإقطاعيين وأعوان الاستعمار على ان يركعوا في ذلة، وان يقبلوا الأرض، وان يطلبوا المغفرة، نفس الروح التي أعادت إلينا ملكنا من منفاه، نفس الروح التي حملت (( علال بن عبد الله )) على أن يهاجم الدمية الآدمية بسيارة عتيقة بالية وهو يعلم أنه الموت لا محالة، نفس الروح التي حطمنا بها إرادة  الاستعمار، فجعلنا من يوم  20غشت عيدا وطنيا مجيدا، وكان الاستعمار يريده مأتما حزينا تشيع فيه أمة بكاملها إلى القبر، ويهال عليها التراب ويعود قاتلوها ليشربوا في مأتمها نخب انتصارهم عليها ... نخب انتصارهم على الحرية والإنسانية والعدالة. 
هذه الروح التي حققت كل هذه المعجزات خليقة أن تحقق أكثر منها، إذا استطعنا أن نحتفظ بها سليمة نقية طاهرة، ولن يحتاج أي مواطن منا في سبيل الاحتفاظ بهذه الروح سليمة نقية طاهرة، إلى أكثر من أن يخلو إلى ضميره، وأن يحاسبه في صراحة وتجرد ونزاهة، وأن يغسل عنه ما عسى أن يكون قد علق به من الأدران، وأن يعيده إلى ما كان عليه من قبل، يوم أن كنا جميعا - جنبا إلى جنب - نخوض معركة الاستقلال.  
                                                                                  

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here