islamaumaroc

الحياة الاجتماعية والاقتصادية في عهد بني مرين

  دعوة الحق

86 العدد

استقرت عناصر سكان المغرب في هذه الفترة، على ما كانت عليه في عهد الموحدين، وبدأ أثر العنصر العربي يشتد في توجيه الحياة السياسية شيئا فشيئا، ولكنه لم يكن العامل الوحيد ولا الأساسي في ضعف الدولة أو سقوطها كما توهم "طيراس"، فقد اعتمد بنو مرين على عناصر أجنبية في قيادة الجيش وبعض وحداته، خصوصا بعد أبي عنان، كما استخدموا عددا من اليهود غير المخلصين، وشغلتهم تدخلات بني الأحمر وحروب بني عبد الواد، إلى غير ذلك من العوامل، فمن الظلم والحالة هذه، أن ننسب إلى البدو العرب، إسقاط دولة بني مرين، ولكن، لا ريب أن استقرارهم في السهول الأطلسية التي هي من أخصب مناطق المغرب، جعل البربر فئتين، فئة ساكنتهم وانصهرت فيهم، وفئة انحازت إلى جبال الأطلس حيث يتضاءل النفوذ العربي، ولكنا لا نعرف مع ذلك، حربا قامت بين العرب والبربر من أجل هذا الاستقرار الذي لم يشجعه ويرحب به مقدما، سوى ملوك البربر أنفسهم، وبالرغم من قلة خبرة البدو العرب في الزراعة والغراسة بالنسبة إلى البربر، فإن ضعف موارد الدولة أيم انحطاطها إنما نشأ من عجزها عن تنسيق وتدبير ميزانيتها، وعدم الضرب بشدة على أيدي الثوار من بدو العرب الذين لم يتطاولوا على الدولة إلا بعد انهيار جهازها، وعلى كل، فلا نجد في تاريخ بني مرين أثرا يستحق الذكر مما يدل على وجود حركة عنصرية عربية ضد العنصر البربري أو بالعكس، وقد تمكن هؤلاء البدو فيما بعد، أن يكرسوا أنفسهم للجهاد ضد التدخل المسيحي الأوروبي، فدافعوا باستماتة عن شواطئ المغرب، شأن إخوانهم من البربر ومهاجري الأندلس، وإن كان هذا لا يمنع من تسجيل أثرهم السيء في الاقتصاد المغربي والحياة الاجتماعية في بعض مظاهرها.
ومما لا يمكن إنكاره، أن البدو قد كونوا مجموعة خاصة بسبب اختلاف اللغة وبعض العادات، غير أن هذه المجموعة، سرعان ما بدأت تنحل مع الزمن، وإنما كانت وحدتها اجتماعية ولم تكن قط سياسية.
وفيما يتعلق بحياة المدن، فقد سجل ابن الخطيب في "معيار الاختيار" وصفا دقيقا لأنماط الحياة بعدد من مدن المغرب المشهورة، فوصف أهل سبتة بالتكلف في الولائم وشدة الاقتصاد، حتى أنهم "يجعلون الخبز في الولائم بعدد الجماجم" وأنهم يفاخرون بمدنيتهم غاية المفاخرة.
وقال عن سلا إنها جامعة بين البداوة والحضارة، وأثبت أن أهل أزمور بربريو اللسان "أي في عهده، وهو يقصد أزمور الساحلية".
ووصف أهل فاس الجديدة "المدينة البيضاء" بأنهم يرون لأنفسهم مزية الفضل، يلقى الرجل أبا مثواه فلا يدعوه لبيته، ولا يسمح له ببقله ولا بزيته، فلا يطرق الضيف حماهم..
ووصف أهل سجلماسة بعمش العيون، ومدينتهم بكثرة الحصى والغبار.
كما سجل مسافر برتغالي بعض مشاهداته عن الحياة الاجتماعية بنواحي القصر في الشمال فذكر أن أكثر سكان هذه الجهات فقراء رثوا اللباس، وأغلب ثروتهم من الماشية، وهم شجعان ذوو حيل، وليس لديهم عدل، شديدو الطمع والخداع، ومساكنهم مبنية بالتبن والقش، وبقرهم وثيرانهم صغيرة، لكنها قوية تدر لبنا غزيرا، وتأكل كثيرا، وهي هادئة، لأنها تنام عادة في منازل السكان، وهؤلاء يستكثرون من، السمن في طعامهم، إذ ليس لديهم زيت لشدة غلائها، ولأنها تأتي من بعيد، وسمكهم قليل، ولكن فواكههم كثيرة لذيذة، وأكثرهم يشربون الخمر بدون تحفظ "ذكر ذلك ليون الإفريقي أيضا"، وهم أقل الأمم خوفا من الموت.
على أن ما سجله هذا المسافر المدقق، يشل بعض مظاهر الحياة في النواحي الشمالية في عصر الانحطاط المريني.
ومما ذكر عن آثار التخريب والنكسة الاجتماعية التي حصلت في بعض مناطق المغرب نتيجة تدخل البدو العرب، ما جاء على لسان صاحب نفح الطيب إذ يقول :
"دخلت مكناسة هذه مرارا عديدة، وقد أبلى الدهر محاسنها التي كانت في زمان لسان الدين بن الخطيب جديدة، واستولى عليها الخراب، وتكدر منها بالفتن الشراب، وعاث في ظاهرها الأعراب".
ومع أن المقري عاصر السعديين ولم يشهد عصر المرينيين، فإنه يضيف إلى كلامه السابق عن ناحية مكناس قوله:
"على أن ضواحيها كانت في زمان لسان الدين مأوى للمحاربين واللصوص، ومثوى للأعراب الذين أعضل داؤهم بأقطار المغرب".
وقد انصهرت عناصر بربرية في بوثقة العروبة كما وقع العكس، حيث نجد ناحية دكالة، بل ومختلف نواحي المحيط حتى الصويرة، قد تعربت كلها، كما اكتسبت عناصر عربية بسوس وغيرها تقاليد البدو لهجة السكان الأصليين.
وحتى أسرة بني مرين التي ارتبطت بالمصاهرة مع قبائل العرب ضمانا لولائها، تحضرت مع مر الأجيال، وأصبحت عربية في كل تقاليدها وفي لهجتها، إذ قطنت المدن الرئيسية بالمغرب.
وفيما يخص الزي، فقد كان لباس عامة البربر كساء من صوف ومطرفة من أرجوان وجلموسا غليظا على الرأس، كما كانوا يتقلدون سرافا، وهو سكين كبيرة.
وكان لباس الفقهاء كسوة تشتمل على برنوس وبرد كلاهما أبيض من صوف، ثم إحرام للتردية ومنديل يتعمم به ودراعتين وقبطية سداسية.
أما اتخاذ البياض في اللباس فمقتبس عن أهل الأندلس، منذ أن اقترح استعماله زرياب المغني على بني أمية، ولو أن الأندلسيين لم يلتزموا به دائما.
وكان لمشايخ وقادة الجيش عربا أو زناتين يلبسون زيا متشابها، وهو عمامة طويلة خفيفة يغطيها لثام ينزل إلى الكتف، وكانوا يحملوا سيفا ويتمنطقون بأحزمة للزينة، وكان الكتاب يتعممون بعمامة خضراء ولا يحملون سيفا.
وكانت الاحتفالات بالأعياد تكتسي طابعا رسميا وشعبيا، وهكذا فقد كان أبو الحسن المريني يقدم عطايا لقواد العسكر والقضاة والأئمة والخطباء والحاشية، في كل من عيد الفطر والأضحى والمولد، فيعطي هؤلاء ليلة عيد الأضحى مائة من الغنم لكل واحد، ورأسا للنفر من الجند، وفي ليلة المولد يوزع مائة ألف دينار على الفقهاء والأشراف والطلبة والحفاظ ومن يحضر المولد من العلماء والقضاة وغيرهم ممن يقوم بمهمة في ليلة عيد المولد، فيأخذ كل منهم من عشرة إلى مائة دينار.
وقد صار الاحتفال رسميا بعيد المولد منذ عهد يوسف بن يعقوب سند 691 هـ، مع العلم أن بني العزفي سبقوهم إلى ذلك بسبتة.
وكانت هناك ألعاب خاصة تجري بقصر الملك، فقد روي أن أبا عنان أشرف ذات يوم من أحد الأبراج على مصارعة بين ثور وأسد، فوصف ابن جزي ذلك حيث قال :

لله يوم بدار الملك مر به
  من العجائب ما لم يجر في خلدي
لاح الخليفة في برج العلا قمرا
  يشاهد الحرب بين الثور والأسد

وتجدر الإشارة بهذا الصدد، إلى أن الأسود كانت توجد بكثرة في غابات المغرب في هذا الوقت وبعده بكثير.
وكانت توجد بسبتة أماكن متعددة للرماية والسباق، حسبما جاء في "اختصار الأخبار"، إذ كانت هناك مرام خاصة بكل مجموعة من السكان تربطهم رابطة معينة، فكانت هناك مثلا، مرام خاصة بالقاضي وكبار الفقهاء وغيرهم "إذ الرمي طبع لأهل سبتة، طبعوا عليه، فلا تلقى شريفا ولا مشروفا ولا كبيرا ولا صغيرا إلا وله بصر بالرمي".
ويعتبر هذا العصر عهد انتشار الموشحات الأندلسية بالمغرب، كما انتشر الزجل كغناء شعبي، وبما أن الموشحات لها وضع موسيقي خاص مع سمو لغتها بالنسبة إلى الزجل، فقد عني بها على الخصوص، الطبقات البورجوازية والأوساط الثقافية.
والأزجال كما هو معلوم، من وضع أندلسي هو أبو بكر بن قزمان الذي عاصر المرابطين، ولو أن المحاولات بدأت قبله، ولكنها اتخذت طابعها المتميز في عهده، وفي عصر بني مرين، اشتهر فيها كثيرون، بينهم كبار الكتاب. ومن المجيدين لسان الدين بن الخطيب وأبو عبد الله الألوسي، وعلي بن المؤذن وابن شجاع وهو من تازا، والكفيف من أهل زرهون.
ومن الطبيعي أن تنتقل الأزجال الأندلسية إلى المغرب، ما دام الاتصال بين العدوتين مستمرا. ولم تكن لغة الأزجال نفسها بعيدة من الفصحى كما يدل على ذلك قول ابن شجاع :

تعب من تبع قلبو ملاح ذا الزمان
           أهمل يا فلان لا يلعب الحسن فيك
ما منهم مليح عاهد إلا وخان
           قليل من عليه تحبس ويحبس عليك

ومن أجود ما قيل من الأزجال قصيدة الكفيف في تعزية بني مرين عن انهزامهم في إفريقية أيام أبي الحسن، ومن أبياتها :

لو كان ما بين تونس الغربا
              وبلاد الغرب سد السكندر
مبني من شرقها إلى غربا
              طبقا بحديدا وثانيا بصفر
لابد الطير أن تجيب نبا
              أو يأتي الريح عنهم بفرد خبر

وقد أحدث الفاسيون كما يذكره ابن خلدون، في نهاية "المقدمة" عدة أنواع من الزجل كالمزدوج، والكساري، والملعبة، ضمنه نظامه ومغنوه، مختلف المعاني والأبواب كما حدث في الموشحات، فجاء بذلك، تعبيرا حقيقيا عن ميول طبقات الشعب وتفكيرها وأنماط حياتها.
ونظرا لطول ملك الدولة، فقد اختلفت الأوضاع الاقتصادية باختلاف عهد الملوك الذين تعاقبوا عليها، غير أن فترة التقدم السياسي صاحبها ازدهار ملموس في الحياة الاقتصادية، فقد قيل أن السنة التي بويع فيها يعقوب المنصور، بيع فيها القمح بستة دراهم للصحفة، والكبش بخمسة دراهم والشابل وحدة بقيراط. ولا شك أن أسعار المواد الغذائية الأساسية، تشكل المقياس الحقيقي لسائر أثمان المعيشة وعلى الأقل، فالرخاء يومئذ، كان معناه كثرة العرض بسبب وفرة الإنتاج، ولكن في عهد السلطان يوسف، انخفضت قيمة العملة بالنسبة للماضي، حيث بيعت صفحة القمح بعشرين درهما.
ومن أهم المراكز الاقتصادية بالمغرب في العهد المريني، أصيلا التي كانت مركزا للتجار الأجانب، وكان يباع بها الملف والتوابل، فضلا عن مصيدها الغزير السمك، وفي نواحي سلا كان يزرع القطن والكتان، أما آنفا فكانت تتوفر على الفواكه والحبوب الوافرة، وامتازت مراكش بغزارة زيوتها المستخرجة من المعاصر، أما سجلماسة، فقد كانت مصدرا عظيما للذهب المستورد من السودان.
وقد أصبحت ناحية مكناس منذ العهد المريني كلها جنات مغروسة، وكانت المداشر تحيط بها من مختلف الجهات، حتى عد ابن غازي منها اثني عشر ألف مدشر، وهو عدد في منتهى المبالغة، ولكنه يدل على مدى عمران هذه الناحية يومئذ.
وفي عهد يعقوب، استمر الرخاء خمس عشرة سنة متوالية، حتى أصبحت القطاني لا يوجد من يشتريها.
ونشطت تجارة المغرب مع الخارج، حيث كان ميناء سبتة يجتذب سفن البندقية ومونتبليون وجنوة ومرسيليا وغيرها فتصدر إلى المغرب الملف والمنسوجات والسلاح والخمر والخردوات والثوب والكتان، وتشحن منه الصوف والقطن والزرابي والخيل والجلود والغنم والشمع.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here