islamaumaroc

من أعلام الأدب الاسباني: روبين داريو -1-

  دعوة الحق

86 العدد

روبن داريو ..
مسافر، جوابة، لا يستقر، ولكن اسمه لم يذع ذيوع أسماء مشاهير الرحالة.
دبلوماسي أنيق، مثل بلاده وتحدث باسمها مرات متعددة، ولكن الناس إذ يخوضون في حديث الساسة والسياسة لا يعرجون على ذكر اسمه بجانب الأسماء اللامعة في آفاق السياسة.
صحفي قدير، ظل ينشر جهده ويسكب عرق جبينه بين يدي صاحب الجلالة، الصحافة، سنوات من عمره البهي، ولكن اسمه برغم ذلك، لم يرق إلى حيث رقيت أسماء رواد الصحافة الكبار.
شاعر غنائي، لا أعمق ولا أروع، عجز كل شعراء الكلمة القشتالية – في إسبانيا وأمريكا اللاتينية – الذين عاصروه : أن يحلقوا بعجاج قدميه في تعبيرنا القديم.
أجل، لقد تعددت وتنوعت النواحي العبقرية في شخصية روبن داريو، بيد أن الناحية الشاعرة فيها تفوقت في النهاية وتغلبت .. وحلقت، كنسر جبار ليس يرضى بالسفوح منزلا له ومستقرا، لتطير باسمه إلى الأعالي وتطرق الخلد له منزلا .. حيث هوميروس والمهلهل، وأبو العلاء المعري ودانتي اليجبيري : وابن زيدون وكونكورة ...
شيد روبن داريو، من أول لحظة، إطارا له، كشاعر مجدد(1)، وبجناحي خصب خلاق، لا يتعب، حلق في سماء التجديد الشعري، منتصرا، مظفرا، حتى لفظ النفس الأخير.
وفي يوم الناس هذا، يدرس روبن داريو كزعيم لحركة ثورية عميقة في الشكل والمضمون الأدبيين، هي ما يعرف في تاريخ الأدب الإسباني المعاصر باسم (2)Modernismo.
في يوم ما من سنة 1865، زفت الآنسة روساسا رمينطو إلى منويل داريو .. كان زفافا بلا حب.
وفي يوم ما بعد ثمانية أشهر من ذلك التاريخ افترق العريسان إلى الأبد، لأن زفافهما كان بلا حب.
وانصرفت أيام وتوالت أخرى .. وفي اليوم السادس عشر من يناير 1867، وضعت روسا ثمرة الزفاف(3) الذي كان بلا حب .. طفلا أسمر يصرخ وينتخب بمرارة لكأنما يحتج، بعنف، على ما حدث، أو لكأنما أحس أن أحدا لم يرغب في مجيئه إلى الدنيا.
إن عشاق الكلمة المكوكية، ومحبي اللفظة المجنحة، فاضت أعينهم عبرات، وامتلأت أنفسهم حسرات في تلك السنة لموت شحرور فرنسا المغرد بودلير Ch. Baudelaire (4)(1821/1867) ولكنهم ما أحسوا العزاء فيه بمجيء شاعر إلى الدنيا
من معدن بودلير، اسمه : روبن داريو .. الطفل الأسمر الذي كان أروع ما تمخض عنه زواج فاشل بين روسا ومنويل.
وعطفت عناية السماء بالطفل الأسمر، فرق له قلب خالة أمه برنادرا سارمينطو، وأشفقت عليه نفسها، فتبنته وأسبغت عليه عطفا وحنانا شديدين، وأغدق عليه زوجها فليكس راميرث من حدبه ولطفه وصفاء قلبه، ونشأ الطفل الأسمر في دار ذات فناء أندلسي، يالروعة حضارتنا عبرت ثورة المحيط ومجاهله لتستقر هنالك بالقرب من الأمزون، فيه الورد والياسمين، والحبق، وليالي الربيع الأرجة.
ويمضي به موكب الحياة، ينساب بهدوء كزورق على صفحة بحيرة أسطورية، على أن الطفل برغم عطف خالة أمه عليه ومحبة زوجها له، كان يحس في أعماقه رغبة لحنان وعطف يفتقدهما عند الخالة وزوجها، ويتألم، ويحاول عبثا أن يفهم، غير أن الأيام كفيلة بهتك الأستار وكشف الغوامض، ذات يوم، والطفل الأسمر يعد ثمره اثنى عشر أبريلا، يساق إلى بيت في مدينة ليون .. هنالك كانت تنتظره امرأة اتشحت بالسواد، وقف بين يديها، خجولا، مستحييا، شدها، متعجبا .. غمرته المرأة بكلمات فيها دفء عاطفة، وصدق شعور، واحتضنته إلى صدرها، تقبله وتبلل وجهه الصغير بالدموع، ولم يفهم روبن كنه ذلك، وأحس بقلبه يخفق بعنف، ولكن الإنسان الذي جاء به إلى المرأة المتشحة بالسواد هو الذي قال له : (هذه هي أمك الحقيقية، تسمى روسا، جاءت من بعيد لتراك).
في فترة مبكرة جدا من حياة الطفل الأسمر، بدأت تظهر عليه مخايل الذكاء، وعلائم النبوغ، فتعلم مبادئ القراءة والكتابة ولما يتجاوز الثالثة من عمره .. ثم ساقته ظروف طفولته البائسة إلى مدينة ليون، وفيها أمضى فترة يدرس مع اليسوعيين ...
وتضافرت عدة عوامل، بيئية ونفسية وثقافية، لتفتق في نفس روبن جداول من شعر عذب ملذ، وكان من أبرز تلك العوامل، هذه الطبيعة الفاتنة الساحرة التي تفتحت بين جوانبها أكمام طفولته، تتجلى جبالا هي براكين مشتعلة، وبحيرات، هي بلور أزرق شفاف .. وهذا الظمأ القاتل إلى حب وعطف وحنان لم يتلمسه في معاملة الخالة وزوجها، لم يكونا قادرين، برغم حبهما له وعطفهما عليه، أن يعوضاه حب الأبوة وعطف الأمومة، وكان محروما منهما، فاندفع، على صغر سنه، يبحث عن ينبوع من حب جارف وعطف صادق وحنان دافئ، يطفئ به ظمأه القاتل .. فتعلق قلبه الأخضر الصغير بحسناء في فتنة الربيع تدعى (إلينا).
وأحس، وهو بجانبها، أن عينيه فقط ليبصرها بهما، وأذنيه، فقط، لينصت بهما إليها، وصوته، فقط، ليهمس باسمها ...
وكان أيضا من أظهر تلك العوامل، هذا الشغف الشديد منه بالقراءة والإغراق في مطالعة القصص العجيبة، فالتهم فيما التهم من كتب، في أواخر عقده الأول وأوائل عقده الثاني (أعمال موراطين، والكيخوتي وألف ليلة وليلة، والإنجيل، والمهام Los oficios لتثيرون، وكورينا لمدام دي سطايل، وقصة مفزعة، عنوانها : قافلة سطروثي : La caravana de Strozze.
تضافرت كل تلك العوامل، وغيرها، يصحبها النبوع، ويواكبها الذكاء، وتمهد لها الموهبة الفطرية لتفتق لسان الطفل الأسمر روبن بأعذب الشعر وأجمله .. وأصغى الناس في (ليون) لصوته وهو يرتفع راثيا أو ممجدا وجوه القوم وسراتهم .. وذاع اسمه، وهو لم يتجاوز الحادية عشر، كشاعر طفل.
تلك كانت البداية .. بداية رحلة الخلود لطفل ملأ بؤس حرمانه عطف الأب وحنان الأم أقطار نفسه مرارة، وغمر سحر الطبيعة وجمالها حناياه إشراقا، ومنحته لقاءاته مع الكيخوتي وألف ليلة وليلة دنيا من الرؤى والأحلام، فجاشت نفسه بألف نغمة معذوذبة، تدفقت شعرا رائعا من حنجرته .. وهكذا بدا صوت الطفل الأسمر روبن يرتففع بغناء ملذ حلو كعصفور يغني على أعالي الدوح .. وارتفع الصوت وارتفع، وأصغت ليون، وطرب الأمزون ومغاني نيكاراكوا .. ثم أصغت أمريكا ليصغي بعدها العالم.

(1)  انظر كتاب : D. R. José Rogerio Sanchez, Sinteres de la literatura espanola
(2)  راجع الحلقة الثانية من سلسلة هذه الأحاديث في العدد الخامس من دعوة الحق السنة الثامنة.
(3)  كان ذلك في مدينة توكويوس Chocoyos التي سميت بعد بـ مطابا Metapa وهي تقع في نيكاراكوا بأمريكا الجنوبية.
(4)  يعد من ألمع الرمزيين الفرنسيين في القرن التاسع عشر، وديوانه (أزهار الشر) Les fleurs du mal الذي نشره سنة 1857 تحفة رائعة سالت بها القربحة الرمزية الفرنسية، وقد ترجمت آثار له إلى اللغة العربية، كما صدرت دراسات عنه وعن أدبه بأقلام شرقية ومغربية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here