islamaumaroc

نقد مقال العوائق النفسانية للتخطيط -10-

  دعوة الحق

86 العدد

أيها القراء الأعزاء، أرجو أن تقرأوا هذه الحلقة بتدبر وإمعان، فإن فيها حججا خانقة للماديين الجاحدين تقطع عليهم كل سبيل وتحبسهم في أجحارهم مختنقين وتدعهم متحيرين، فقطع دابر القوم الذين ظلموا، والحمد لله رب العالمين.

ذكر بقية شبهات الملحدين والرد عليهم:

نشأة الأرض:
دعونا ننظر معكم إلى الأرض، وهي منفصلة من الشمس، فماذا نرى في مادتها ونواميسها؟؟ نرى كتلة ملتهبة انفصلت من جرم كبير كما تقولون. بأي ناموس انفصلت؟؟ والمعروف أن الجسم الكبير يجذب الصغير، كما تجذب الأرض كل ما عليها من الأجسام فتمنعها التناثر في الجو. لنقل معكم: إنها انفصلت، ولكن لا تنسوا أن ذلك ضد ناموس الجذب، فما حدث بعد ذلك؟؟
حدث أن الأرض وقعت على مسافة من الشمس، لأي سبب وقفت في هذه المسافة ولم تمعن في الهبوط إلى ما لا نهاية له؟ السبب غير معروف، ولا يوجد ناموس يمنعها من إمعان التدهور إلى ما لا حد له.
قلتم: إنها انجذبت إلى الشمس والكواكب الأخرى. ليكن ما قلتم، وقفت الأرض في مركزها، ثم رأيناها دارت على نفسها، أي ناموس أدارها؟ . تقولون، إنها انفصلت عن الشمس دائرة فاستمرت كذلك. نقول، إنها كانت في الشمس دائرة، ولكن غير دورتها حول مركزها، بل حول مركز الشمس لأنها كانت قطعة من سطحها لا من مركزها كما هو المعقول. لنمش معكم إلى حيث تريدون. فلنسلم لكم بدورانها حول مركزها، فأي ناموس أدارها حول الشمس بعد ذلك؟ لا يوجد في العلم ناموس من هذا القبيل، بل ولا يعقل وجوده (انظر ما قاله العلامة الفلكي نيوتن في براهينه المتقدمة).
لنسلم لكم أنها دارت حول الشمس بسبب مجهول، فما حدث بعد ذلك؟؟ حدث أن قشرتها أخذت تبرد. سلمنا، ثم ماذا؟ فتكونت عليها سحب من الأبخرة فهطلت عليها أمطار.
نقول: إن الأبخرة المتصاعدة من الاحتراق لا تكون سحبا كما هو مشاهد، فكيف نشأت المياه على سطحها. لنرد على هذا. ثم ماذا؟ فتكونت بحار وأنهار ومستنقعات. حسن، فماذا حدث بعد ذلك؟ حدثت الحياة النباتية في أبسط أشكالها. فكيف حدثت وبأي ناموس نشأت؟ هذه عضلة العقد، والطلسم الذي لا حل له. فإن الحي لا ينتج إلا من حي. والنواميس المعروفة كلها تعجز عن تعليل حدوث أحقر الأجسام العضوية. أراكم تقولون: دع الحياة جانبا فسيكشف العلم سرها في يوم من الأيام، ولنستمر في تعليل خلق الكون. نقول: على رسلكم، كفاكم ما مضى من التحكم في تعليل انفصال الأرض عن الشمس وفي دورانها على نفسها حول الشمس، وفي تكون السحب. أما وقد وصلت المسألة إلى وجود الحياة فلا نتسامح معكم فيه، فإن الحياة سر الوجود، بل هي قيومه، إذا عرف سرها فقد عرف سر كل شيء.
إنكم تقولون: إن أول ما حدث من آثار الحياة الخلية البسيطة. فما هي هذه الخلية؟ هي كل شيء. وهل الإنسان بما أفيض عليه من إبداع إلا مجموع خلايا بسيطة تركبت فيه تركبا خاصا. فإذا أغضينا عن الخلية فقد أغضينا عن كل شيء، فهو دونها في الحقيقة.
فما هي الخلية وما تركيبها؟ الخلية هي غشاء حي على شكل الكرة يحوي في داخله مادة لزجة يقال لها (البروتوبلاسما) عائم فيها نويات صغيرة، وهي بما حوت لا تدرك إلا بالمنظار. هذه هي الخلية، فكيف حدثت بمجرد فعل النواميس؟؟ ما الذي نسج ذلك الغشاء بتلك الرقة التي لا يكتشفها إلا أقوى منظار، مع علمك بأن الأرض كانت بلا قع مقفرة، أو سهوبا غامرة؟ إن كان ذلك الغشاء نشأ بالاتفاق، فما هي النواميس التي اقتضت تكوينه، وما هي تلك المادة اللزجة المشمولة فيه؟ من أين أتت؟ وفي أي معمل كيماوي تركبت بعد أن تنقت من قذر الطبيعة وخلصت من أقذائها وكثافتها؟
هب أن ذلك كله حصل، فلماذا هي حية أي نامية؟ ما هو ذلك السر المودع فيها؟ إلى هنا يرى الماديون أن نواميس الطبيعة المعروفة أعجز من أن تكفي لتعليل أصغر الكائنات الحية، بل هي لم تكف لتعليل الحركات المجردة من الحياة كدوران الأرض حول الشمس بشهادة الفلكي نيوتن وغيره، فما معنى التبجح بها والترنم بذكرها وترديدها في تعليل الموجودات بمناسبة وغير مناسبة، بل ما معنى تلك التعليلات الفاقدة لأعظم أركانها؟ من المحال تعليل وجود كل هذه الكائنات البديعة بمجرد حركات النواميس الميكانيكية، فإما أن تخضعوا لبداهة العقل فتقولوا بضرورة وجود عقل لا حد له قاد نواميس الوجود قيادة حكيمة، وإما ألا تتعرضوا لتعليل خلق الوجود وتفسير تنوع الكائنات.
أراكم تكثرون من قولكم (الضرورة) في تعليل وجود كثير من أعضاء الحيوانات والنباتات كما فعلتم في تعليل وجود الوبر الطويل في حيوانات البلاد الباردة ونباتاتها، فما هي تلك الضرورة، وما تأثيرها؟ يقولون: إن أردت معرفة بعض آثار الضرورة ومبلغ قوتها في الإبداع، فانظر إلى الحيوان المسمى بالزرافة مثلا، فإنك إن تعجبت من طول عنقها، مع طول أيديها وقصر أرجلها، فما ذلك إلا لأن (الضرورة) أثرت عليها فأحدثت هذا التغيير في جسمها. أما الزرافة في أصلها فكانت كجميع الحيوانات عنقها مناسبة لجسمها ويداها في طول رجليها، ولكن (اتفق) أن أمهاتها ولدتها في مكان لم يكن فيه ما تتغذى به من الأوراق إلا على رؤوس أشجار عالية، فاضطرت هذه الكائنات المسكينة لأن تشرئب بأعناقها كلما وخزها الجوع بأسنته لتصل إلى غذائها، فقضت (الضرورة) بأن تطول أعناقها تدريجا حتى وصلت إلى حالتها الراهنة.
هكذا يقولون، وهو كلام لا يفهم ولا يعقل، ولكنا نناقشهم فيه من باب التسامح فنقول: هل الزرافة كانت في جهة فيها أوراق الأشجار تعلو عن متناول صغارها من أول وجودها على سطح الأرض، أم حدث لها ذلك بعد؟ إن قلتم وجدت على هذه الصور بطل تعليلكم (بالضرورة) ولكنكم تقولون، إنها كانت قصيرة العنق متناسبة الأطراف، ثم حدث لها ذلك.
قلنا: فكيف يعقل أن يكون حدث ذلك بكل الزرافات في كل قارة. فهل يتصور أن يتفق أن جميع الزرافات وقعن في جهات فيها أوراق الأشجار بعيدة عن سطح الأرض؟ هب أنه (اتفق) ذلك، -مع أنه مستحيل- فلم لم تهلك هذه الزرافات بدل أن تطول أعناقها وأيديها؟ ولم لم توجد لها خاصة تسلق الأشجار بدل أن تطول أعناقها وأيديها؟ إن كان كل ما في الطبيعة مخلوقا بغير قصد، بل بمحض النواميس والضرورة، فما هي الضرورة التي أوجبت أن يكون كثير من أنواع الطيور مزينا بأجمل النقوش مزدانا بأرق الألوان، ما هي الضرورة التي حتمت أن تتحلى الأزهار بهذه الروائح العطرية الزكية، بل ما هي الضرورة التي جعلت تلك الألوان والروائح متنوعة إلى ما لا نهاية له، ولم لم تجعلها لونا واحدا ورائحة واحدة؟
ألا يسمح لي حضرات الماديين أن أقول لهم بأن لا ضرورة لذلك؟ وقد شهد بذلك داروين نفسه، ولم يكن من المنكرين للخالق، مع أنه صاحب مذهب تسلسل الأنواع.
من هنا يتبين القارئ عجز الماديين عن تعليل وجود الكون بدون خالق حكيم. إذن فلا بد من وجود خالق متصف بجميع صفات الكمال المطلق الذي لا حد له. ومن صفاته العلم والقدرة والإرادة والحياة التي لا أول لها ولا آخر، وهي غير مستمدة من غيرها كسائر صفاته تعالى. هذه الصفات مذكورة في الكتب السماوية وموضحة في القرآن أتم توضيح في سورة الإخلاص وآية الكرسي ومواضع أخرى. فهذا الخالق العظيم هو الذي أفرغ الوجود في هذا القالب البديع وله القدرة والحكمة التي لا سبيل لعقل إلى نكرانها، ولا سلطان لمتعنت في الجحود بها.

توضيح وتفصيل:
1- الرأي السائد عند الباحثين في هذا الزمان أن الأرض التي نعيش فيها انفصلت عن الشمس وكانت قطعة منها، فكيف سمحت قوة الجذب والاتحاد التي أودعها الله في الشمس لقطعة كبيرة كهذه الأرض أن تقتطع منها وتنفصل عنها وتبتعد عنها دون أن يحدث خلل في الشمس يؤدي إلى تفرق أجزائها وتلاشيها، مع فرض أن ذلك وقع على سبيل المصادفة، فهذا الأصل الذي بنوا عليه بحثهم في نشأة الأرض في غاية الضعف يفتقر إلى دليل يثبته حتى تطمئن إليه النفس وتؤمن به.
والمعروف الثابت في الأجرام السماوية بالمشاهدة الحسية أن كل جرم كبير يجذب الأجرام الصغيرة، ولا يمكنها من الإفلات كما تتجاذب أجزاء جرم الأرض وتجبر كل ما عليها من جماد وحيوان ونبات أن يبقى على ظهرها. فإذا حاول الحيوان أن يقاوم هذا الجذب وينفصل عن الأرض لم يستطع أن ينفصل حين يثب منها إلا لحظة، ثم يجد نفسه قد أجبر على العودة إليها. ولولا ذلك الجذب لانفصل كل ما على وجه الأرض عنها، ثم لم يعد إليها. فأول ما ينفصل عنها الغلاف الهوائي الذي كساها الله به ليستنشقه الحيوان البري من الناس والدواب والطير ويعيشوا باستنشاقه، ولو فقدوه لحظة لفقدوا معه حياتهم.
وبعد انفصال الهواء تنفصل مياه البحار، ثم يتلوها تفكك أجزاء الأرض. وقد يستطيع بعض الحيوان إذا أعطي آلة لمقاومة الجذب أن ينفصل عن الأرض إلى مسافة محدودة، كالطير التي أعطيت أجنحة تحركها، فتنفصل عن الأرض وتسبح في الهواء، ولكنها لا تستطيع أن تنفصل عن الهواء، ولا تستطيع أن تنفصل عن الأرض إلا لوقت محدود جدا، ثم ترجع إلى مستقرها. ومثل ما قيل في الطير يقال في طيران الإنسان، فإن
الله أعطاه عقلا صنع به آلات لمقاومة الجذب الأرضي، فاستطاع أن يحلق في الجو بتعمل وتكلف لوقت محدود يضطر بعده أن يعود إلى المستقر الأصلي، وهو الأرض التي منها خلق، وإليها يعود.
وكان العقل قبل هذا الزمان عاجزا عن اختراع آلة تقاوم ضغط الغلاف الجوي وما في أعاليه من العوائق التي منها ضعف الهواء بحيث لا يكفي لاستنشاق الإنسان والحيوان الذي يحفظ به حياته، ثم هدى الله العقل إلى اختراع آلة تقاوم تلك العوائق، فيتزود الإنسان بالهواء الصالح للتنفس لمدة طويلة وبصواريخ لها من قوة الاندفاع ما يتغلب على الضغط والجذب، ولها أجسام تقاوم الاحتراق الذي تتعرض له عند الخروج من هذا الغلاف، والإمعان في الارتفاع، وبذلك استطاع الإنسان أن ينفصل عن الأرض وعن غلافها الجوي، ولكنه بقي مرتبطا بها وعالة عليها، لأن الغذاء والهواء اللذين يحفظ بهما حياته هما من الأرض.
والمدة التي يبقى منفصلا فيها عن الأرض محدودة أقصى ما بلغته إلى حد الآن أربعة عشر يوما، ثم اضطر أن يرجع إلى المستقر. وللإنسان آمال في تطويل مدة الانفصال، ولكن مهما طالت مدته خارج الأرض، فإنه يبقى مرتبطا بها، لأن الزاد والمدد الذي يحفظ حياته من الأرض. فانفصال هذا شأنه لا يمكن أن يقاس بما افترضوه من انفصال الأرض عن الشمس. إذن لم يقم دليل مقنع على أن الأرض انفصلت من الشمس. وإنما هو افتراض وخرص، وليس من العلم في شيء.
2- سلمنا جدلا أن الشمس سمحت لتلك القطعة أن تنفصل عنها، فلماذا ابتعدت عنها إلى مسافة محدودة ثم وقفت إلى الأبد، ولم تبتعد بعد ذلك قيد أنملة ولا أقل منها. راجع مقال (دواء الشاكين وقامع المشككين) المنشور في مجلة دعوة الحق رجب 1379 الجزء الخامس السنة الثالثة تجد فيه ما نصه:
والشمس التي هي مصدر جميع الحياة تبلغ الحرارة على وجهها اثني عشر ألفا (فارنهايت)، وأرضنا بعيدة من الشمس التي هي نار حامية، بعدا كافيا بالقدر الذي تعطينا فيه الحرارة الكافية لحياتنا، لا أكثر ولا أقل، إنه لنظام عجيب.
ومع مضي الملايين من السنين لم تختلف حرارتها إلا قليلا، ولذلك بقيت الحياة مستمرة، لو تغير مقياس الحرارة على وجه الأرض حتى بلغ معدله خمسين درجة لمدة سنة لمات كل نبات على وجه الأرض، ولاحترق الإنسان أو جمد. وتدور الأرض حول الشمس بسرعة ثمانية عشر ميلا في كل ثانية. ولو أن سرعة دورانها كانت ستة أميال، أو أربعين ميلا في كل ثانية لبعدنا كثيرا جدا من الشمس أو لقربنا منها كثيرا، وحينئذ لا يمكن أن تكون حياتنا على الشكل الذي هي عليه الآن.
فمن الذي جعل دوران الأرض حول الشمس ثمانية عشر ميلا في الثانية، وقدر ذلك عالما به وجعله على القدر الذي تصلح عليه حياة الحيوان والنبات، لا يزيد ثانية ولا ينقصها، أليس هو العليم القدير؟؟؟
3- ثم بعدما وقفت في تلك المسافة المحددة تحديدا دقيقا أخذت تدور على نفسها، فمن الذي أدارها على نفسها؟ ثم من الذي جعل دورانها محددا بثمانية عشر ميلا في الثانية، لا تزيد سرعته ولا تنقص؟ وكيف علمت الطبيعة الصماء البكماء العمياء التي ينسب إليها الماديون كل شيء، كيف علمت أن تحديد سرعة الدوران بهذا المقدار هو المناسب لحياة الحيوان والنبات اللذين على وجه الأرض، وأن السرعة إن زادت أو نقصت أضرت بحياتهما. أليس هذا غاية في التحكم والتعسف وقلة الحياء من أنفسهم ومن الناس؟
4- ثم من أدارها حول الشمس في مدة محدودة هي سنة شمسية، لا تزيد شيئا ولا تنقص على ممر الأحقاب؟ وما الذي جعل مدة دورانها مناسبة للفصول الأربعة في بعض أجزاء الأرض، وفي النواحي القطبية قدر لها تجزئة أخرى. بحيث تغيب الشمس عن الأرض لمدة تسعين يوما دون أن يموت الحيوان من شدة البرد. وفي الصيف تبقى الشمس تسعين يوما مشرقة لا تغيب دون أن يحترق الحيوان والنبات. وفي الربيع والخريف تطلع وتغيب. (انظر جغرافية شمالي النرويج وشمالي السويد والأراضي القطبية، أليس ذلك تقدير العزيز العليم؟) بلى والله، ولكن الماديين قوم مغالطون.
5- قالوا، لما انفصلت الأرض عن الشمس كانت درجة حرارتها اثنى عشر ألفا بمقياس (فارنهايت)، وهو مقدار حرارة الشمس، فما الذي بردها؟ إن زعموا أنه الدوران. فإذا كان الدوران يبرد الحرارة فلماذا لم يستمر في تبريدها إلى أن تنقضي، فلا يمكن أن يعيش على ظهرها حيوان ولا نبات، ولماذا وقف ذلك التبريد عند حد محدود، هو القدر المناسب لحياة كل حي على وجه الأرض. لا يزيد هذا القدر ولا ينقص؟
6- وكيف حدثت الأمطار التي زعموا أنها لينت قشرة الأرض وجعلتها صالحة لوجود النبات والحيوان وحياتهما. زعموا أن الأبخرة، بل الأدخنة التي كانت تتصاعد من تلك الكتلة النارية صارت سحابا، ثم عاد السحاب ماء ووزع على قطرات محدودة الحجم، وصار يمطر على الأرض حتى بردت ولانت، وأنبتت النبات.
والدخان ليس من طبعه أن يصير سحابا أبدا، إذ لا ماء فيه، والسحاب إنما هو ماء ناشئ عن بخار صعد من الماء كبخار القدر، وكل ماء أغليته وبخرته لتقطير ماء ورد أو غيره، فإنما هو ماء يختلف شكله ولا تختلف حقيقته، فالماء يأتي من الماء. أما الدخان فلا ينقلب ماء أبدا.
قالوا إن الماء الناشئ عن الدخان –بزعمهم- تجمع حتى غمر وجه الأرض كله ثم انحسر وتجمع في بحار وأنهار ومستنقعات، وانكشف نحو ربع الأرض فصار يابسا، فما الذي حسره وحدده بهذا المقدار لا يزيد زيادة ذات بال ولا ينقص.
7- ثم تجيء المسألة الكبرى، بل الطامة العظمى التي تنزل على رؤوس الماديين فتبهتهم حتى لا يبقى عندهم عرف ولا نكر، وهي عضلة العضل واللغز الذي لا يحل، ألا وهي وجود الحياة في البحار واليابسة، حياة النبات وحياة الحيوان، فهذه المسألة هي التي حيرت الباب الماديين والطبيعيين والحسيين، وطمست قلوبهم وأخسأتهم، فما لهم بجوابها يدان.
فقد قال الطبيعيون أنفسهم، أن الحياة لا تجيء إلا من الحياة، فمن أين جاءت الحياة الأولى؟ لم يجدوا لهذا السؤال جوابا يحسن السكوت عليه، فتشاغلوا عنه بوصف الحياة ووحدتها وأطوارها وتنوعها، آملين أن ينسى الناس السؤال عن أصلها ويشتغلوا بما وراء ذلك، وهيهات هيهات، أن طلاب العلم لا يشتغلون بالفروع إلا بعد معرفة الأصول، فإذا عجزوا عن معرفة الأصول، فهم عن معرفة الفروع أعجز، كما قال بعض العلماء في أمثالهم من المقلدين: (إنما حرموا الوصول بتضييع الأصول) وقلت في قصيدة مخاطبا أحد المقلدين:
حرمت وصولا للحقيقة عندما     أضعت أصولا من يضعها يلدد
أيها القراء الأعزاء انتظروا المقال التالي الذي يعرض نظريات الماديين في أصل الأنواع ويناقشهم فيها الحساب، ويسد عليهم كل باب، وذلك بحول الله وحسن عونه، من يهدي الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here