islamaumaroc

التحكيم في الإسلام

  دعوة الحق

86 العدد

يرجع نشوء وتطور التحكيم إلى زمن بعيد، وقد عرفه اليونان والرومان والعرب في الجاهلية والإسلام، ولا زال إلى اليوم يلعب إلى جانب القضاء دورا أساسيا في إشاعة روح التفاهم والوفاق، والعمل على تقارب المصالح والحقوق المتعارفة كما يعتبر التحكيم من الناحية الدولية ركنا من أركان السلام وعاملا قويا لتدعيم العلاقات الودية، وتهدف فكرة التحكيم حل المنازعات الفردية أو الدولية بالطرق السلمية بواسطة قضاة منتخبين وعلى أساس احترام الحق.
وليس هناك فرق من الناحية المادية بين التحكيم والقضاء فكلاهما يعتبر من الطرق القضائية لتسوية المنازعات على قاعدة احترام الحق، كما أنهما يستندون على رضا الطرفين، إلا أن الفرق بينهما في القانون الدولي هو من الناحية الشكلية والتركيبية، فالتحكيم يتميز بالتوقيت ويجري بواسطة قضاة منتخبين وكذلك بموجب عقد ثنائي الطرق ويكون لأجل حل خلاف محدد لاحق، أما القضاء فيتم بالديمومة بمعنى أن هيأته لا تؤسس مباشرة من الأطراف أنفسهم ويكون لأجل عدد غير محدد من المنازعات ولوقت أيضا غير محدد.
فالتحكيم إذن هو الطريقة العقدية لحل المنازعات، ولذلك وجب أن يستند إلى إرادة الطرفين ورضاهما المشترك وأن تخول المحكمين سلطة مستمدة من إرادة الطرفين المتنازعين تلك الإرادة المبنية في عقد التحكيم وفقا للأحكام التي يحددها القانون أو العرف أو وفقا للقواعد التي يحددها الطرفان بشرط أن لا تخالف النظام العام.
وإلى جانب القضاء العادي الذي كان يرفرف على جميع البلاد الإسلامية وينظم بأحكامه العادلة وقواعده الرحيمة أحوال المسلمين الشخصية ومعاملتهم المختلفة كان يقوم بجواره التحكيم الذي لجأ إليه المسلمون لحل خلافاتهم السياسية، خاصة عندما نشأت فكرة الخلافة وما ترتب عليها من انقسام بين المسلمين، واختلفوا بشأنها شيعا وأحزابا، ولعل أشهر مثال على ذلك الخلاف الذي حدث بين علي ومعاوية على الخلافة، فقد حكما أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص ووضعا صك التحكيم ضمناه القواعد التالية، وفيما يلي نصه حسب ما ورد في تاريخ الطبري الجزء الأول ص 33/34 :
(بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية ابن أبي سفيان.
قاضى علي على أهل الكوفة ومن معهم من شيعتهم من المؤمنين والمسلمين.
وقاضى معاوية على أهل الشام ومن معهم من شيعتهم من المؤمنين والمسلمين.
إننا ننزل عند حكم الله عز وجل وكتابه، ولا يجمع بيننا غيره، وإن كتاب الله عز وجل بيننا من فاتحته إلى خاتمته، نحي ما أحيا ونميت ما أمات فما وجد الحكمان في كتاب الله عز وجل :
وهما أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس، وعمرو بن العاص القرشي، عملا به وما لم يجدا، في كتاب الله عز وجل، فالسنة الجامعة غير المفرقة وأخذ الحكمان من علي ومن معاوية ومن الجندين من العهود والمواثيق والثقة من الناس، أنهما آمنان على أنفسهما وعلى أهلهما، والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه، وعلى المسلمين والمؤمنين من الطائفتين كلتيهما، عهد الله وميثاقه، أنا على ما في هذه الصحيفة، وإن وجبت قضيتهما على المومنين فإن الأمن والاستقامة ووضع السلاح بينهم أينما ساروا على أنفسهم وأموالهم وشاهدهم وغائبهم، وعلى عبد الله بن قيس، وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه أن يحكما بين هذه الأمة ولا يرادها في حرب ولا فرقة حتى يعصيا.
وأجل القضاء إلى رمضان، وإن أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه على تراض منهما وإن توفي أحد الحكمين فإن أمير الشيعة يختار مكانه ولا يسألوا على أهل المعدية والقسط، وإن مكان قضيتهما الذي يتقاضيان فيه مكان عدل بين أهل الكوفة، وأهل الشام، وإن رضيا وأحبا فلا يحضرهما فيه إلا من أراداه، ويأخذ الحكمان من أرادا من الشهود ثم يكتبان شهادتهما على ما في هذه الصحيفة، وهم أنصار على من ترك هذه الصحيفة وأراد فيه إلحادا وظلما، اللهم إنا نستنصرك على من ترك ما في هذه الصحيفة).
إن هذه الوثيقة الهامة قد تضمنت جميع العناصر الأساسية التي يجب أن يشملها عقد التحكيم : أسماء الطرفين المتخاصمين، طالبي التحكيم، علي ومعاوية، وأشياع كل منهما وأتباعه، أسماء المحكمين أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص، وأصول تعيين خلفهما في حال وفاتهما أو وفاة أحدهما قبل إنهاء المهمة الموكولة إليهما، والقواعد التي يجب عليهما التقيد بها والحكم بموجبها وهي مستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية، تعهد الطرفين المتخاصمين بحماية المحكمين وحماية أولادهم ونسائهم وأموالهم، تعهد المحكمين بتنفيذ ما ورد في عقد التحكيم حتى يستثب الأمن ويوضع السلاح تحديد وقت الاجتماع للتحكيم وفي شهر رمضان، ويمكن تأجيله باتفاق المحكمين، تحديد مكان الاجتماع في مكان عدل متوسط بين أهل الكوفة وأهل الشام، المحكمان أنصار الطرف المدعى للحكم على الطرف المتمرد عليه بتنفيذ مضمونه، أشهاد الله سبحانه وتعالى وطلب معونته على تحقيق ما تضمنه هذا الميثاق.
الحكم : في الوقت المحدد يجتمع المحكمان ويبحثان القضية المعروضة على التحكيم من جميع نواحيها ثم يتفقان على المبادئ الأساسية التي يجب عليهما أن يحكما بها بالاستناد إلى القواعد العامة في الحقوق وإلى ما ورد في صك التحكيم من أحكام ثم يضعان صيغة الحكم وينظمان به محضرا يوقعانه ويبلغانه إلى الطرفين.
ففي قضية علي ومعاوية عندما تمت الإجراءات الخاصة بالتحكم وضع المحكمان محضر الحكم وقالا فيه :
(بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما تقاضى عليه عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص، تقاضيا على أنهما يشهدان أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.....).
وبعد هذه المقدمة أوردا صيغة الحكم والحلول النهائية التي اتفقا عليها والتي تضمنت أن عثمان قتل مظلوما وأنهما اتفقا على خلع علي ومعاوية معا وأن يولى على المسلمين خليفة آخر ممن أحبوا وأرادوا غيرهما.
وفي خلال هذه الفترة التي كان يجري أثناءها التحكيم، كان معاوية يعد جنوده ويدربهم على القتال في حين كان جيش علي في العراق ينتظر النتيجة، وكان بعض أفراده قد دب بينهم الخلاف والشقاق وأخذوا يتناحرون ويتخاصمون فلما علم معاوية نتيجة الحكم القاضي بعزله لم يذعن له ولم يقر به، ولما رأى ذلك منه علي أراد أن يحكم السيف إلا أن ظهور الخوارج قد أعاق سبيله، ثم اغتيل على يد أحدهم عبد الرحمان بن ملجم، فكان هذا الحكم نتيجة هذه المأساة الأليمة.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here