islamaumaroc

عمليات السبر أو مفحصة القرن العشرين.-3-

  دعوة الحق

86 العدد

أشرنا في الجزأين الأولين من هذا البحث إلى ظهور عمليات السبر إلى الوجود كما تعرضنا للأهمية العظمى التي أصبحت تكتسيها هذه العمليات بعد التطورات السياسية والاقتصادية والثقافية التي عرفها العالم كنتيجة حتمية للتقدم العلمي والازدهار الصناعي والرقي العمراني.
وقد بينا في المقالين السابقين المواضيع التي أصبحت عمليات السبر تشتغل فيها والتي يمكنها أن تهتم بها في المستقبل كما أوضحنا أن هذه العمليات تشمل الميدان السياسي كما تهتم بالنشاط الاقتصادي والعمل التجاري. ونأمل أن نعمل في هذا الجزء الثالث والأخير على توضيح بعض الجوانب الفنية التي تحيط بهذه العمليات وعلى التعرض إلى بعض الأجوبة عن الأسئلة المهمة التي وردت في الجزء الثاني من هذا البحث الذي لا يعدو طور ترجمة حرة تصرفنا فيها بكل حرية ونزاهة بعد قراءة دقيقة للأبحاث التي نشرتها السيدة إيلفير دوبرياك الخبيرة الكبيرة بمثل هذه العمليات الفنية، كما سبق أن أشرنا إلى ذلك في مقدمة، الجزء الأول.
إن ميدان هذه العمليات قد عرف توسعا لا حدود له، كما شاهد انطلاقا يضيق عنه الحصر حيث أصبح من الجائز إن لم يكن من الضروري تطبيق طريقة السبر في ميادين مختلفة، وقد يكون من بواعث الدهشة ودواعي الاستغراب أن يحاول الخبراء الفنيون تطبيق هذه العمليات لإحياء العهود الغابرة والأزمان السالفة. أو ليس فيما يحاول القيام به اليوم المعهد الوطني للدراسات الديمغرافية من كتابة تاريخ سكان فرنسا منذ القرن السابع عشر ما يبعث على العجب ويدعو إلى الاستغراب ؟ لقد أبى هذا المعهد الوطني إلا أن يحيي تاريخ الشعب الفرنسي ليعرف كيف كان موقفه في مختلف المراحل الهامة التي قطعها في حياته إلى الآن. وإذا كانت العملية الحالية لا تهتم إلا بالحقبة الخاصة التي تبدأ بالقرن السابع عشر إلى القرن العشرين فإن نجاح المعهد سيساعده ولا شك على القيام بعمليات أخرى قد تدور حول التاريخ الفرنسي في القرون الوسطى بل إلى ما قبلها وترمي هذه العملية إلى جمع مختلف السجلات الموجودة في بعض المقاطعات التابعة للكنائس لتتكون منها نماذج ممثلة للشعب الفرنسي في عهد من العهود.
ومتى تم جمع هذه السجلات وتكوين هذه النماذج فستسلط على هذه النماذج الأضواء الكفيلة بكشف حقائق ميول الشعب الفرنسي واتجاهاته لأن كل نموذج من هذه النماذج سيكون مثالا حيا لطبقة معينة من طبقات المجتمع الفرنسي ؟ وقد تتم معرفة البيئة التي تعيش فيها والوسط الذي يمثله من خلال حياته الخاصة ومواقفه إزاء الأحداث التي كان الشعب الفرنسي مسرحا لها في تلك الحقبة المعينة من الزمن.
ويمكن استعمال طرق السبر كآلة للتدقيق وأداة من أدوات التحديد. فقد يمكن معرفة أحد المجتمعات بواسطة عملية السبر أكثر من معرفته بواسطة الإحصاء الذي تنظمه الدولة وتشرف عليه منظمات وجمعيات ومؤسسات كبيرة العدد. ويرجع ذلك لعدة أسباب أهمها أن الإحصاء لا يكون صحيحا مائة في المائة، ثم إن الإحصاء يتطلب أن تكون الأمة التي يجري عليها تعرف القراءة والكتابة ولا يرى فيها أثر للأمية التي يعسر معها كل بحث نزيه مستقيم صادق، كما يتطلب الإحصاء إدارة قوية كل أعضائها وموظفيها من قدماء العاملين الذين حنكتهم التجارب واكتسبوا خبرة واسعة وطريقة إدارية قويمة. وبما أن الشعوب النامية لا تتوفر على هذه الشروط الأساسية فإن عمليات السبر أليق بها وأحسن إذا ما سمحت بذلك لجماعة من الخبراء والفنيين ووضعت حدا للارتجال والفوضى إذ يكفي أنذاك اختيار نماذج معينة في أقاليم جغرافية محددة وإجراء عملية سبر دقيقة على هذه النماذج.
وقد سبق أن قلنا بأن عمليات السبر لا تتطلب من النفقات ما يتطلبه الإحصاء العام الذي لا يمكن الاستغناء عنه بأي وجه من الوجوه ولكن عمليات السبر يمكن أن تجري في قضايا معينة بل من الممكن استعمال طريقة السبر لمراقبة بعض الطرق الإحصائية الأخرى. وتسمح طرق السبر بالوقوف على بعض المميزات الخاصة بالأشخاص الذين وقع الاختيار عليهم كنماذج حيث يتمكن المشرفون على هذه العمليات من جمع معلومات دقيقة وبيانات واقية عن كل شخص وبالتالي عن الوسط الذي يمثله.
وهكذا فعند القيام ببحث في قضية الاستهلاك مثلا يمكن أن نعرف المميزات الخاصة بكل عائلة وأن نقف على معلومات دقيقة فيما يخص إقامة هذه العائلة والناحية التي تقطن بها ومدخولها والوسط الاجتماعي الذي تنتمي إليه ومهنة أب العائلة وعدد أفرادها وتجهيز البيت وسيارة العائلة وآلات الطبخ والأدوات الكهربائية المستعملة في العائلة مع بيان ثمنها ووقت شرائها والنفقات التي صرفت قبل الشروع في عملية السبر. ونضرب لذلك مثلا آخر : فقد أشرف المعهد الوطي للإحصاء والدراسات الاقتصادية على عملية سبر خاصة "بميزانيات العائلات" وقد اتضح من خلال نتائج هذه العملية دخل العائلة ومبلغ نفقاتها في كل فرع من فروع الميزانية كما سمحت هذه العملية بمعرفة الآمال التي يتوقع أفراد العائلة تحقيقها من حيث التجهيز العائلي في الأمد البعيد والقريب وتأثير شكل تركيب العائلة وعمل المرأة على مستوى الحياة ومبلغ ما يفعله المستوى الثقافي والتعليمي في العائلة وما هذا السيل من المعلومات والبيانات إلا أحد الروافد التي لا يمكن أن يتوفر عليها رجال البحث الاجتماعي إلا بواسطة عمليات السبر التي تساعد على إنجاز تحليلات تبلغ الغاية في الدقة والتحديد وتفيد في وضع كل تصميم عام.

الأبحاث المستمرة :
ليس السبر أداة من أدوات التحديد والدقة فحسب ولكنه وسيلة للوصول إلى معارف وآراء ومواقف، ذلك أن الباحث السابر إذا طلب من الموظفين في دولة من الدول متى يرغبون في التمتع بحق التقاعد فإنه سيتوصل إلى رأي خاص وإذا سأل عن الوقت الذي يأخذون فيه التقاعد فإنه سيصل إلى واقع ملموس.
إن عمليات السبر تأتي في مختلف الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية بنتائج إيجابية رغم أنها لا تتعدى كونها لقطة من لقطات عدسات المصور أخذت عن حالة معلومة أو قطعة من قطع الرأي العام أو رقعة من رقاع مجتمع من المجتمعات سواء كان الأمر يتعلق بجماعة محدودة من المستهلكين لمادة من مواد الاستهلاك أو كان الأمر خاصا بمجموع السكان في إطار وطني عام ولعل هذا ما يجعل هذه العمليات تتجدد كما تتجدد عدسات المصورين كلما حل ضيف كريم أو حدث حادث وطني هام حيث تبقى هذه الأبحاث مسترسلة مستمرة متعاقبة الواحدة تلو الأخرى بغير اعتبار لا للعدد ولا للعدة المطلوبة. وقد استطاع المعهد الوطني للرأي العام في فرنسا أن ينظم عمليات سبر متواصلة حول شعبية الجنرال دوكول منذ سنة 1959 كلما مرت شخصية الرئيس الفرنسي بمرحلة سياسية مهمة ليعرف ما يعتري هذه الشعبية من نقص وما يلم بها من مظاهر المحبة والتقدير والإجلال منذ أن أعلن الرئيس الفرنسي مبدأ حق الشعب الجزائري في تقرير مصيره وفي فترة طغيان الغلاة الاستعماريين عندما وضعوا الحواجز وقبل المفاوضات الجزائرية الفرنسية الأولى في مولان ومحاولة الانقلاب الذي نظمه القادة الفرنسيون المغالون في الجزائر ضد حكومة الجنرال دوكول سنة 1961 وعند إعلان وقف القتال في الجزائر والانتخابات التشريعية وإضراب عمال المناجم بالرغم من كون الجنرال الفرنسي كان يريد أن يعزز نفوذه ويقوي شعبيته بإجراء استفتاء كلما أحسن بتضعضع مقامه وتزعزع هذه الشعبية التي لا يبغي دوكول بها بديلا.
ويمكننا بفضل عمليات سبر الرأي العام أن نعرف أن 24 في المائة من سكان فرنسا كانوا يكونون رأيا حسنا عن الولايات المتحدة الأمريكية في سنة 1956 وأن 20 في المائة من الفرنسيين كانوا لا يرون بعين الرضى هذه البلاد بينما كانت نسبة الراضين عنها في سنة 1960 44 في المائة ضد 12 في المائة وقد ارتفعت نسبة الراضين 1964 إلى 52 في المائة ضد 6 في المائة.
وينظم المعهد الوطني الإحصاء والدراسات الاقتصادية مرتين في كل سنتين عملية سبر في موضوع الشغل ومرتين في كل سنة أبحاثا حول نوايا بعض الأفراد في الشراء ومرة في كل شهر وثلاث مرات في كل سنة عمليات سبر رؤساء المعامل ومديري الشركات في موضوع الآفاق الاقتصادية.
وقد تكون في الميدان الحر بفرنسا جماعات من المستهلكين والتجار تقوم بعمليات سبر مستمرة على نماذج معينة دائمة لا تتغير، تتركب من أشخاص توجه لهم الأسئلة في كل مرة لصالح زبناء يبيعون القهوة أو السكر أو الصابون أو غيره من مواد الاستهلاك العادية.
ومما لا ريب فيه أن هذه الأبحاث المستمرة الدائمة مفيدة جدا ولكنها مع ذلك لا تخلو من ضير ينقص من قيمتها ويضعف صلاحيتها وهذا الضير هو ارتفاع ثمنها وهو ما يمكن أن نفسر به نسبيا قلة تطبيقها واستعمالها في عدد من الأقطار بخلاف البلاد الاشتراكية التي نقبل عليها إقبالا عظيما حتى أصبح أصحابها يتوفرون في الاتحاد السوفياتي مثلا على وسائل عظيمة واعتمادات مهمة حيث يجري بحث مستمر على مائة ألف عائلة، ومما يساعد على الوصول إلى ملاحظات قيمة كثيرة أن نظام الاقتصاد في الاتحاد السوفياتي مركز وتابع للدولة الشيء الذي يسهل مأمورية الباحثين وييسر مهمة السابرين.

الأسس والطرق :
تتجلى مشكلة الأسس عند القيام بعمليات السبر إذ من الواجب الشروع في القرعة الرياضية ابتداء من لوائح معروفة، إن المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية في فرنسا يتوفر على مرتبات إدارية تتجدد في كل وقت حتى تكون ملائمة لكل ظرف وحين وحتى يتمكن من استعمالها لإجراء القرعة الرياضية عند كل عملية للسبر ولكن المؤسسات الحرة لا تتوفر على هذه المرتبات الإدارية فكيف يمكنها أن تواجه المشكل ؟ فمراجعة اللوائح الانتخابية في الإطار الوطني لا تخلو من صعوبات لأن هذه اللوائح تحتوي على عدد من الأخطاء والأغلاط وهي لا تستطيع أن تعطي أي بيان عن الأفراد الذين لا زالوا دون الواحد والعشرين من عمرهم كما أن التوصل إلى الوقوف على هذه اللوائح ليس في تناول الجميع وفي سائر الأوقات وقد يسهل في بعض الأحوال إلى حل مشكلة الأسس إذ يمكن للمشرفين على عملية سبر في موضوع يتعلق بالسيارات أن يقفوا على مرتب البطاقات الرمادية التي تتوفر عليها عامة نقابة صابغي السيارات. ومن المعلوم أن في مستطاع الجميع أن يحصل على مرتب البطاقات الرمادية، وإذا ما كانت عملية السبر تتعلق بهيئة الأطباء فإن في إمكان السابرين أن يطلعوا على دليل هذه الهيئة.
ولكن عمليات السبر لا تتوقف على أسس العمل وأدواتها وحدها، فكيف يتم إجراء هذه العملية بعد التوفر على الأسس والأدوات الضرورية ؟ وكم تستغرق مدة البحث ؟ وما هي الطريقة المتبعة للوصول إلى نتائج صحيحة لا يشوبها تزوير ولا يحيط بها غلط ؟ سيكون الجواب على هذه الأسئلة عبارة عن أقصوصة صغيرة لا تزيد على بعض السطور.
يبدأ الأمر عندما يتقدم شخص معين ليطلب من أحد هذه المعاهد القيام ببحث في موضوع محدد حيث يشرع المعهد بمجرد حصول الاتفاق بين الشخص والمسؤولين عن المعهد، في وضع الخطة العامة وأحكام المسطرة وتحضير كل ما تحتاج إليه العملية من آلات وأدوات. وأول ما يشرع فيه المعهد الفني هو تحديد الأسئلة التي ستكون محور البحث ووضع تصميم لعملية السبر واختيار النماذج التي سيجري عليها البحث، بعد هذا التحضير الضروري يأخذ المعهد في إجراء أسئلة من الاستجوابات مع الأشخاص الذين أخذهم كنماذج لعملية السبر إلى أن يستقصى سائر الأشخاص ويقوم المعهد بجمع هذه الأجوبة لبحثها واستغلالها من الناحية الميكانوغرافية ثم يتخلص إلى مراقبة النتائج التي تتطلب مزيدا من الانتباه والحزم حتى إذا ما أنهى المعهد هذه المرحلة الأخيرة استدعى الشخص الذي طالب بإجراء عملية السبر ليسلمه النتائج ويتنافس معه في فحواها ومغزاها.
وكثيرا ما يحصل الاتصال بين بعض العمليات الشيء الذي يؤدي إلى تعاون وثيق بين مختلف معاهد السبر الرسمية منها والحرة وهكذا فإن مركز البحث الاقتصادي جمع الوثائق الخاصة بالاستهلاك وهو المركز التابع لمندوبية التصميم في فرنسا يضطر في كثير من الأحيان إلى التعاون مع المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية في مختلف مراحل عدد كبير من الأبحاث وعمليات السبر ؟ وقد يقوم معهد حرفي بمساعدة معاهد تابعة للدولة في مرحلة استخلاص النتائج إذا كان المعهد التابع للدولة لا يتوفر على آلة ميكانوغرافية، وقد تفرض المواضيع المتعددة على بعض المعاهد استغلال مواهب كثير من الفنيين والخبراء على اختلاف تكوينهم ومراتبهم، وهكذا إن المعهد الوطني للدراسات الديموغرافية يشغل عددا كبيرا من الرياضيين والأطباء الإحصائيين والمؤرخين ورجال الاقتصاد والاجتماع وعلم النفس الاجتماعي.
ومن هؤلاء الباحثين من هم ملحق بصفة رسمية بالمعهد يعمل فيه طول يومه بصفة متواصلة لا تعرف الانقطاع، ومنهم من يعمل بصفة مؤقتة كمساعد لمعهد ما في بحث معين وفي موضوع يكون للمساعد المؤقت خبرة كبيرة به وتجربة قوية وإلماما عظيما. والمشرفون على هذه العمليات لا يلجأون إلى إجراء هذه الأبحاث عن طريق المراسلة إلا في بعض الأحيان لأنهم لا يستطيعون عد الأجوبة التي قد يتوصلون بها.
ولكل معهد من المعاهد المذكورة طريقته الخاصة في توظيف رجال البحث وتكوينهم التكوين الفني اللائق ومراقبتهم ومراكز عمل هؤلاء الباحثين الذين يكونون في بعض الأحيان مراسلين في مختلف جهات العالم وفي كثير من الأقاليم الفرنسية لأن بعض الأبحاث تتم في مائتين أو ثلاث مائة بقعة ما بين مدينة وقرية ومدشر، وتعمل بعض المؤسسات الإحصائية الفرنسية مع مساعدين لها بالخارج، كما تستغل في بعض الأقطار النامية باحثين من سكان الأقطار بمساعدة بعض الخبراء الفرنسيين الذين يوجهون هؤلاء الباحثين المحليين ويرشدونهم ويدربونهم على الطريقة التي يتعين عليهم إتباعها تلك الطريقة التي لا يتم تحديدها إلا في معاهد باريس وكذلك في كل ما يتعلق باستخلاص النتائج فإن إنجازه يتم في المؤسسة المركزية.
ومن الطبيعي أن يحدث اختيار النماذج التي يجري عليها البحث بعض الصعوبات لأن من الضروري أن تكون تلك النماذج ممثلة للوسط التي يتم فيه البحث حيث تكون تلك النماذج المختارة عبارة عن صورة مصغرة مجموع الطبقات التي تنتمي إليها تلك النماذج التي لا يمكن تحديدها إلا بطريقة عملية واحدة تقضي بإجراء القرعة الرياضية. وتنقسم القرعة إلى نوعين :
1) القرعة "النصيبية" وهي عبارة عن قرعة لا تكون صحة نتيجتها أكيدة لأنها ترمي إلى إعطاء كل نموذج للسكان الذين يجري عليهم البحث "نصيبا" وحظا في السؤال، ولا تتم هذه القرعة إلا على أسس سبر لائحة تحمل أسماء جميع السكان الذين يتكون منهم الوسط الذي هو موضوع البحث والدرس.
2) القرعة "المحتملة" وتوجد طرق متعددة لتحسين فعالية هذه القرعة دقيقة إذا كان يسود الانسجام التام الوسط الذي يجري فيه البحث وكان النموذج مهما جدا لأن الشيء الذي يعتبر في الواقع هو عدد الملاحظات التي يتوصل إليها لا نسبة المشاركين في عمليات السبر.
وكيف كانت عملية السبر فإنها تتطلب مزيدا من الحذر والحزم في مختلف المراحل فتحرير الأسئلة يفرض كثيرا من الانتباه لأن كل سؤال ناقص أو يكتنفه نوع من الغموض سوف يأتي بنتائج مخالفة لما كان منتظرا كما أن توجيه سؤال إلى الناس في موضوع لا يمسهم لا من قريب ولا من بعيد قد يجعله يفقد محتواه اللهم إلا إذا كان المقصود من توجيه السؤال إليهم هو إظهار جهلهم وعدم توفرهم على أي رأي في الموضوع وكذلك الأمر عند توجيه سؤال في بعض الميادين التي يعتقد سلفا أن الجواب عليها لن يكون صريحا ولا يفيد في أي شيء. وهكذا فقد يكون من خطأ الرأي التفكير في إجراء عملية سبر في موضوع سياسي في عهد هتلر.
أما إذا أخذ أحد الباحثين في الجواب بنفسه على الأسئلة التي كلف بتقديمها إلى أشخاص معينين عن طريق القرعة، أو لم يحترم تصميم النماذج فإن هذا سوف يؤدي به إلى نتائج غير محمودة لأن الأجوبة ستكون غير صحيحة رغم ما قد يبذله هذا الباحث من التحري عند الجواب ولعل هذا ما جعل سهر المسؤولين عن المؤسسة المكلفة بالبحث مفروضا عند إجراء عملية السبر لأنهم بمراقبتهم المباشرة يساهمون في إظهار الحقائق وإبعاد شبح التزييف والتزوير.
ومن الواجب عند استقصاء النتائج واستخلاصها وتحليلها أن يتجنب الباحثون ذكر ما يرغبون فيه هم أنفسهم لا ما جاء في أجوبة النماذج التي كانت هدف البحث لأن الذين ينظمون عمليات السبر هذه لا يريدون أن يأتوا بنتائج موحاة أو مبتكرة وإنما يحاولون من خلال تحليل حالة معينة أو وضعية معلومة أن يخرجوا بالحلول التي استخلصوها من النتائج حتى يعلم الذين طالبوا بإجراء هذه الأبحاث حظوظ مشاريعهم من النجاح أو الفشل، ومما لا ريب فيه أن الإحصائي لا يتوقع أشياء مجهولة ولكنه يعتمد على أرقام محددة ليبتكر تخمينات محكمة وتقديرات قريبة من الواقع مستندة على شروط يضعها على ضوء هذه الأرقام. فإذا ما حصلت زيادة 3 في المائة في الدخل المعد للاستهلاك مع بقاء المساواة في توزيع المواد فإن بيع السيارات سيزداد بوحدات مقدرة.
وخلاصة القول فإن في الإمكان اعتبار عمليات السبر بمثابة شكل عصري الديموقراطية المباشرة فلماذا لا تلغى الانتخابات والقيام بعمليات السبر في جميع القضايا التي يتعرض لها الوطن والمواطنون إن تعويض الانتخابات بعمليات السبر غير ممكن لأن هذه العمليات لا تخلو من خطأ قد يؤدي هذا إلى جدال عنيف عند إعلان النتائج، كما أن الأحوال النفسانية التي يتم فيها اختيار النماذج التي تلقى عليها الأسئلة يكتنفها نوع من التكلف والتصنع، ويجب أن لا يغيب عن أذهاننا أن عمليات السبر لا يمكن اعتبارها أداة لاتخاذ قرارات حاسمة. إن التصويت مهمة اجتماعية نبيلة لها معالم محدودة تقضي بتسليم السلط إلى شخص معلوم يصبح نائبا عن جميع الذين كلفوه بالدفاع عن مصالحهم وشؤونهم وهذا ما يجعل من العسير على عمليات تعويض العمل المباشر ولكن هذه العمليات ذات فوائد جمة وروافد عديدة أعظمها أنها تفضل النفسية البشرية والميزان الرياضي على الجهل والتخمين وما أحسن اعتبار النفسية وتقدير الميزان الرياضي في طريق العلم والمعرفة.
وعلى كل حال فقد استطاعت عمليات السبر أن تفرض وجودها في مدة قصيرة كما تمكنت من إظهار فعاليتها وجدواها في وقت قريب، وقد كانت الدول المتقدمة أول من استغلها كما أخذت الشعوب النامية ترنو إليها نظرا لما تحمله من خصائص وما تتحلى به من مميزات كصلاحيتها في مختلف الميادين وقابليتها لإعطاء أحسن النتائج والسرعة العجيبة التي تمتاز في مختلف المراحل، وليس قصدي من هذا العرض دعوة المسؤولين في الدولة والمشرفين على القطاعات الرسمية والحرة وعلى الدور التجارية والشركات الصناعية والمنظمات الاقتصادية والاجتماعية والهيئات السياسية والثقافية إلى استعمالها وإنما قصدي من ترجمة هذا البحث ووضعه وعرضه على أنظار الطبقة الواعية في بلادنا اطلاع جميع طبقاتنا الاجتماعية على هذا النوع الذي لا زال يعتبر وليدا في ميدان الإحصاء والذي أصبح الآن بمثابة الأساس الأول والشرط الأساسي في نجاح المشاريع الاقتصادية والمنتوجات الصناعية. وما أجدر بلادا تسعى لتثبيت دعائم اقتصادها وتدعيم أركان صناعتها العصرية والتقليدية أن تعتمد على مثل هذه العمليات حتى لا تموت في مهدها وحتى لا تذوق مرارة الفشل والخيبة قبل أن تشق طريقها.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here