islamaumaroc

ضرورة الإيمان

  دعوة الحق

86 العدد

ما أحوج الإنسان في هذه الحياة إلى الاطمئنان والسعادة والاستقرار النفسي، ما أحوجه إلى الشعور بالتآخي والتعاون بين أفراد نوعه.
ما أحوجه إلى إيجاد التعادل بين رغبات نفسه ورغبات جسده.
الإنسان في الحقيقة محتاج إلى كل ما ذكرناه ولكن الطريق التي يسلكها لتحقيق ذلك يجب أن يختارها وأن يتعمق في معرفتها وأن يستكشف أسرارها بكل جد وتأمل.
إذا فقد الإنسان التأمل والتفكر خسر وجوده، خسر سعادته، التفكر في مظاهر الطبيعة في نظام الكون في ذات الإنسان نفسه في أعماقه في غرائزه في مصدر وجوده في ارتباطه بالكون.
الإنسان لابد له من التفكير والإسقاط صريع هواه وشهواته.
لماذا يجب على الإنسان أن يفكر ؟ لماذا يجب عليه أن يتأمل ؟ لأن تعطيل هذه القوة في الإنسان يزيغ به عن طريق الحق ويميل به عن سبل الهداية.
الإنسان يشعر دائما بأنه مرتبط بأخيه الإنسان ويحس بالمصالح المشتركة بين أفراد هذا النوع ويرى ضرورة إيجاد قوانين عامة تتحكم في غرائزه وشهواته.
الإنسان أناني بطبعه يريد التسلط على الآخرين، يريد قهرهم والاستيلاء عليهم يريد إرضاء رغباته دون أن يكون هناك حاجز يمنعه.
تلك طبيعته !
يريد أن يكون حرا لا قيود لحريته، ولكن ليس في الإمكان أن تستجاب جميع رغباته، وليس من المصلحة أن تستجاب هاته الرغبات، لأن مصلحة المجموع في تلك القيود التي تسلط على الفرد.

إذا شعر الإنسان بقيود تقف دون إرادته وحريته فإنه آنذاك يشعر بوجود غيره، وإذا أحس بوجود غيره دفعه هذا الإحساس إلى العمل من أجل إيجاد نظم اجتماعية وخلقية وقوانين عامة تربط بينه وبين الآخرين.
أصل الأنظمة الاجتماعية والخلقية والأوضاع القانونية مرتبط بهذا الإحساس الغيري، ذلك أن هذا الإحساس الغيري هو العامل الأساسي في المصلحة الذاتية أيضا.
أصل السلام إيجاد التعادل بين الشخص وغيره.
لا اطمئنان في العالم إذا لم يوجد تعادل بين هذين القوتين : بين القوة الغريزية التي تدفع الإنسان إلى حب ذاته وبين القوة التهذيبية التي تصده عن الشهوات.
الإنسان إذن محتاج إلى البحث عن الوسائل التي تهيء له التعادل المطلوب، إلى البحث عن الطريق التي توحد بين أفراد الإنسان وتنشر بينهم المودة والرحمة وتحمي بعضهم من بعض، إلى البحث عن الأنظمة الصالحة التي تحفظ للعالم كيانه وتريحه من ويلات الظلم والتعفن.
ولكن أين يجد الإنسان ذلك ؟
إلى أي شيء يركن إذا رغب في البلوغ إلى هاته الأهداف ؟
هل يستطيع أن يصل إلى هاته الغايات دون أن يكون هناك حافز يدفعه إلى الخير أو قامع يبعده عن الشر ؟
هل يستطيع أن يصل إلى هاته الغايات دون الالتجاء إلى الإيمان بالله، ودون الأمل في ثوابه والخوف من عقابه ؟
أسئلة عامة تواجه الإنسان في كل حين
أسئلة كانت سببا في إيجاد نظريات مختلفة وفلسفات تكاد تكون متباينة.
أسئلة ستظل قائمة إلى الأبد.
أسئلة أدت إلى الحق والإيمان واليقين وأدت إلى الباطل والشك والإلحاد.
ولكننا في الحقيقة يجب أن نضعها أمامنا وأن نسبر غورها وأن نبحث في أعماقنا عن الحل الذي يلائم شعورنا وفكرنا.
الإنسان ليس جسما فقط ولا عقلا فقط ولا روحا فقط، ولكنه مزيج بين ذلك.
يجب على الإنسان عند البحث عن الحلول الصالحة لهذه الأسئلة أن يمزج بين عناصر تكوينه وأن يربط بين عقله وشعوره بين فكره ووعيه بين جسمه وروحه وانذاك يصل إلى الحقيقة.
إن كثيرا من الأخطاء التي تقع لبعض الباحثين ترجع إلى كونهم يغمطون بعض الجوانب في تكوينهم فتنحرف نتائجهم وقد تكون تلك الأخطاء مبنية على الثقة المطلقة في الحواس أو العقل دون الوقوف عند حدوده مع أن الحواس قد تخدع الإنسان أحيانا والعقل قد تبطل أحكامه، فقد يثبت ما كان مستحيلا أو ينفي ما كان يعده من قبيل الممكن.
لذلك نرى أن الحل السليم الذي نستطيع أن نواجه به الحقيقة وأن نحافظ به على التوازن العالمي وأن نحفظ به النوع البشري وأن نحقق بواسطته الخير يرجع إلى الإيمان.
الإيمان بالله نور يشع في نفس الفرد فيلهمه الخير ويلهب فيه الشوق إلى الفضيلة.
الإيمان بالله عقيدة تدفع الإنسان إلى العمل من أجل الخير خوفا من عذاب الله أو رجاء في مغفرته وأي ضير على الأخلاق من الخوف والرجاء، وأي ضير على الفضيلة من انتظار الثواب والعقاب.
سيقولون إن الخير لابد أن يعمله الإنسان من أجل كونه خيرا دون أن ينتظر من ورائه جزاء بحيث يمارسه الفرد حتى يصبح عادة يقرها الضمير، ولكن المشاهدة تثبت بأن الإنسان يرجو ويخاف، فالخوف والرجاء غريزتان في تكوين الإنسان والدين إنما جاء لتهذيبهما وليجعلهما سبيلا إلى الحق والخير والفضيلة والسلام. الإيمان بالله شعور مرتبط بوجودنا لأننا عندما نحس بالوجود أو بالكينونة نفكر في مصدر الوجود، وعندما تعترينا بعض الأحداث المؤلمة أو تصيبنا بعض الكوارث أو ترهقه بعض المصائب أو يكتنفنا غموض نحس بضالتنا ونشعر بضعفنا فنضطر إلى الالتجاء إلى قوة تحمينا من الضعف والضآلة هنا نجد الاعتراف بالله سبيلا إلى الاطمئنان.
عندما يكشف العلم بعض أسرار الطبيعة ويغوص في البحث عن معرفة الكون وخباياه ويدقق النظر في نظامه، ءانذاك يقف العلماء مشدوهين أمام هذه القوة الغامضة التي لا يستطيع الإنسان اكتشافها في طفرة واحدة ولا يقدر أن يدعي بأنه عرف كلما يتعلق بها من أسرار فيعترف خاضعا بأن هذا الكون لا يسير وفق الصدفة وأنه لم يوجد وحده من عدم وإنما يسير وفق نظام دقيق يدفعنا إلى الإيمان بمدبره ومسيره.
الإيمان بالله ضرورة من ضرورات تقدم الإنسان، لأن الإيمان بالله يقف حافزا بيننا وبين الشر ويدفعنا إلى الاقتداء بالصفات العلوية الجميلة التي تحفظ العالم من الويلات وتطهره من الضغينة، وتنشر فيه الأخوة والمودة.
الإيمان بالله يجعل الإنسان واقفا عند حدوده فلا يطغى ولا يتجبر ولا يظلم، يعلم أن وراء هذه الحياة الدنيا حياة أخرى يحاسب فيها المرء على ما قدمت يداه «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره».
الإيمان بالله والإيمان بالغيب أي بالوحي وبالملائكة والكتب والرسل وباليوم الآخر وبالقدر كل ذلك يكون وحدة في عقيدتنا الإسلامية.
الإيمان بالله أصل العقيدة تنفعنا في تطبيق الشرائع السماوية وتنفيذ أحكام الله.
الشرائع المجدية والقوانين النافعة والآراء السديدة والنظريات الموفقة لا يكفي في تمكينها من قلوب الناس مجرد سدادها وصلاحيتها بل لابد من استغلال الجانب العاطفي. لابد من خلق الثقة المطلقة في نفوس المؤمنين بها حتى يدافعوا عنها دفاع المستميت فيستشهدون في نشرها ويستهينون بكل أنواع المتاعب في انتصارها.
إذا فقدت المبادئ هاته الثقة وعدمت روح الطاعة في نفوس معتنقيها فإنها لا تجد السبيل إلى التمكن وفرض السيطرة  على العالم.
كل فكرة لابد لها من استغلال الجانب الوجداني لتصير فكرة متحكمة مسيطرة قائمة وإلا ظلت فكرة يرتثيها العقل ولكنه لا يهتدي إلى طريق نشرها وتحبيبها في نفوس الناس.
في المحافل الدولية في الانتخابات العامة في مجامع الهيئات السياسية في الشرق والغرب في كل مكان نجد وسائل الدعاية تستغل لاستمالة عواطف الناس وما ذلك إلا لأن الاستغناء عن الوجدان في نشر الآراء يكاد يكون مستحيلا.
وإذا كانت هذه الحقيقة يقرها علم النفس فكيف بنا لا نستغلها لتجديد الثقة في نفوس بعض الشباب من المسلمين الذين غزتهم أراء غريبة عن دينهم وعقائد تكاد تكون مضادة لمبادئهم فأخرجتهم عن الجادة وجعلتهم لا يطمئنون إلى الإيمان ولا يركنون إلى الطاعة ولا يصدقون بأساس العقيدة ولا يعملون من أجل تفهم المبادئ العامة التي يدعو إليها الدين الإسلامي.
العقيدة في الحقيقة إنما تتمكن من نفس الإنسان ليستغلها في تطبيق الشريعة العامة وتنفيذ أوامر الله.
العقيدة هي القوة المحركة التي تجعل الإنسان راغبا في امتثال الأوامر واجتناب النواهي.
قد يفهم رجال غير مسلمين شريعة الإسلام ويتذوقونها ويؤيدونها نظريا، ولكن هذه الموازرة النظرية لا تكفي لتحقيق الغاية من الإسلام إذا لم تكن وراءها عقيدة تجعل من الرأي أمرا واقعا وتسعى بكل إمكانياتها لتجعل من الإسلام سلطانا متحكما يوجه الناس إلى الخير ويهديهم سواء السبيل.
هذه العقيدة هي التي جعلت علماء التاريخ وعلماء الاجتماع وعلماء السياسة يعللون بها انتشار الإسلام بعد الفتح بسنوات معدودات في أنحاء العالم.
هذه العقيدة أقوى من العصبيات الجزئية لذلك استطاعت أن تطغى على جميع الحيثيات البشرية فلم تجعل فروقا بين الأجناس والألوان وإنما جعلت التقوى شعارا يجمع بين المسلمين وقررت أن كل البشر سواء لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى.
هذه العقيدة هي التي يمكن للمسلمين الآن أن يستغلوها للقضاء على مظاهر تخلفهم وفرقتهم، وقد قال إمام علماء الاجتماع ابن خلدون في مقدمته(1) "فصل في أن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية التي كانت لها من عددها، والسبب في ذلك أن الصبغة الدينية تذهب بالتنافس والتحاسد الذي في أهل العصبية وتفرد الوجهة إلى الحق، فإذا حصل لهم الاستبصار في أمرهم لم يقف لهم شيء لأن الوجهة واحدة، والمطلوب متساو عندهم وهم مستميتون عليه، وأهل الدولة التي هم طالبوها وإن كانوا أضعافهم فأغراضهم متباينة بالباطل، وتخاذلهم لتقية الموت حاصل، فلا يقاومونهم وإن كانوا أكثر منهم بل يغلبون عليهم ويعاجلهم الفناء بما فيهم من الترف والذل..".
هذه العقيدة هي روح الإسلام وعليها تنبني الفلسفة الإسلامية بحيث نجد جل الفلاسفة والمتكلمين حينما استخدموا فكرهم إنما كانوا يوجهون جهودهم للربط بين العقيدة والعقل.
لقد كانت العقيدة الإسلامية خالصة من كل الشوائب صافية شفافة تدفع المومن إلى اتباع أوامر الله وتيسره إلى الطاعة وتروضه على الخير، ولكن التيارات الفكرية المختلفة التي تسربت إلى الإسلام عن طريق الثقافات الدخيلة والعقائد المتباينة التي انتشرت بين المسلمين وطرق التفكير المبنية على المنطق جعلت بعض المسلمين يعللون عقيدتهم ويدافعون عنها بالعقل والجدل وأصبح للعقل عليهم سلطان يحاولون به تعليل أفعال الله وأفعال المخلوقات وأصبحوا يتحدثون عن الإرادة والقدرة والجبر والاختيار والعدل والظلم وغير ذلك من الموضوعات المتعلقة بالطاعة من جهة وبالتكليف والمسؤولية من جهة أخرى.
وتزعم المعتزلة قديما هذه الآراء وأصبحوا يتحدثون عن الله وكأنهم يتحدثون على بشر. فمن فكرة الصلاح والأصلح التي يوجبون بها على الله أن تكون أعماله هادفة إلى ما فيه صلاح العباد إلى فكرة العدل التي تجعل إرادة الإنسان وقدرته مستقلتين عن الله –جلت قدرته- إلى إيمانهم بالوعد والوعيد، وإن الله لا يجوز له أن يعفو عن الكبائر، إلى غير ذلك من الآراء التي يمكن تشريحها بالنسبة إلى أفعال العباد ولكنها لا تكون مطابقة للعقل عندما نقيس فيها الغائب على الشاهد ونقارن فيها بين قدرة الله المطلقة وبين قدرة الإنسان المحدودة.
وقد يكون للمعتزلة مبرر آنذاك حينما أرادوا برهنة عقيدتهم وحينما حاولوا أن تكون مطابقة للعقل لأنهم ظنوا أنها إذا لم تكن منسجمة مع العقل ضعفت وانهزمت في حين أننا إذا فحصنا جل الآراء التي تتعرض للدين عن طريق العقل نجد أن سبب اضطرابها ظن القائلين بها أن العقل بلغ الكمال.
العقل لا يستطيع أن يقول قولته النهائية في المواد الطبيعية فكيف به يستطيع أن يقول القول النهائي فيما وراء الطبيعة.
قد يعجز العقل عن البلوغ لعوائق تمنعه من ذلك فإذا عجز فليس معنى ذلك استحالة البلوغ، ولكن معناه قصور العقل عن البلوغ.
يجب على العقل أن يقف عند اختصاصاته وأن لا يجزم بالحكم في غير مجاله.
يجب عليه إذا حاول البحث عن الحقيقة فلم يهتد أن لا ينكرها وإنما يجب عليه أن يشك في قوته وفي مدى مرونته.
قد يضعف العقل بعد انتصار العلوم التجريبية والمادية على تعليل الإيمان لأن التجارب تعتمد على المشاهدات والملاحظات والإيمان غيبي يتصل بشعور الإنسان وبقلبه فيقع بسبب ذلك في نفس الإنسان اضطراب ويعتريه قلق ويستولي عليه الشك فيعلن جهارا بعدم حاجته إلى قوة أرقى وبعدم اعترافه بخالق يدبر الكون ويوجه الإنسان.
والسبب في هذه الآراء إهمال عنصر الشعور في التفكير، وهناك من المفكرين من يرى أن الاستغناء عن الشعور لا يؤدي إلى الإيمان لضعف العقل في البحث عن الله ولقصوره عن البلوغ ولأن مجال العقل في ذلك ضيق، وقد قال توفيق الحكيم(2) : "نحن نسأل العقل أن يصنع لنا صورة الله فيخفق فبذلا من أن نضحك ونهزأ بالعقل، نضحك ونهزأ بفكرة الله"، ويقول الأديب الشهير الفيلسوف الثائر جان جاك روسو(3) : "الأجدر بنا أن نعتمد على الغريزة والشعور لأنهما أولى بالثقة من العقل.
حقيقة إن الإنسان ليسعى أحيانا إلى خنق روح الشعور فيه ويدعي الإيمان المطلق بالعقل في حين أن تاريخ العقل يثبت تغير أحكامه وعدم استقرار نتائجه.
وإذا كان العقل ينكر ثم لا يستطيع الاستمرار على إنكاره لأن حوادث طارئة تضطره إلى الاعتراف بما كان ينكره من قبل، فلماذا لا يستفيد العقل من هذه القاعدة في أصل إيمانه فيبتعد عن الإنكار السلبي ويلتجئ إلى الإيمان حتى يهديه الله إلى المعرفة فيضيء له جوانب الشك في نفسه ويبعده عن الضلال ؟
إن هذا هو الحل الوحيد الذي يبعدنا عن الإنكار وهو موافق للمنطق السليم، والذين لم يستسلموا إنما يعطلون هذه القاعدة ويمهلونها ويقفون مع العقل في حده الأدنى.
ولذلك قال المرحوم عباس محمود العقاد :
"فالموجود الذي يصح أن نومن به هو وجود كامل أبدي ليست له حدود.
والموجود الذي ليست له حدود لا يحيط به إدراك العقل المحدود ...
فما النتيجة اللازمة لهذه الحقيقة التي لاشك فيها ... ؟
هي إحدى اثنتين، إما إنكار جزاف وإما تسليم لحقيقة تفوق إدراك العقول.
والإنكار الجزاف يوقع العقل في نقيضين: وهو تعطيل للعقل أضل من كل تعطيل ...
الإنكار معناه أن سبب الإيمان الوحيد يكون هو السبب للإنكار...(4)".
بمعنى أن العجز عن البلوغ كان من الواجب أن يدفعنا إلى الاستسلام والاعتراف بحدود العقل والانتقال إلى الإيمان لا أن يكون سببا في الانحراف عن الله.
فالإيمان إذن ضروري للإنسان والذين لم يستطيعوا أن يصلوا إليه عن طريق العقل فليعترفوا بعجز العقل عن البلوغ وسيؤديهم هذا الاعتراف حتما إلى الإيمان.
وهذا جانب آخر يودينا إلى الاعتراف بالله إذا أضفنا إليه جانب الشعور كنا كمن جمع بين الحدس والفكر وبين التذوق والنظر وبين العقل والإلهام.
وإذا استقر الإيمان في نفوسنا فليس الغرض منه مجرد الإيمان، وإنما الغرض منه تطبيق شرائع الله والعمل على نشر مبادئه والمحافظة على ما فيه مصلحة العباد.
ولذلك كان الإيمان بالله يدفعنا إلى مسايرة تطور الأديان وإلى الانتقال معها حسب التطور البشري إلى أن بلغت نهايتها في دين الإسلام الذي جعله الله تبارك وتعالى دينا للعالمين جميعا.
والذين يتتبعون الدراسات الإسلامية يجدون في هذا الدين ملجأ ءامنا لحل كثير من المشاكل الإنسانية التي يتخبط فيها العالم سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية ويرون فيه منقذا عمليا للإنسان من القلق والاضطراب خصوصا وأن هذا الدين لا يتنافى مع الرأي ولا يناهض الفكر ولا يضيق على الحرية العلمية المجدية التي ترفع من شأن الإنسان.
ولهذا نجد تجاوبا كبيرا في تاريخ المسلمين بين دينهم وبين علومهم ومواقفهم الاجتماعية الكبرى التي حققت للعالم خيرا عظيما كما نجد بعض علماء الاقتصاد(5) يرون أن السبيل الذي يستطيع أن يحرر العالم من الاضطرابات القائمة بين الكتلة الشرقية والغربية إنما يتلاءم مع الروح الاقتصادية الإسلامية التي تحرم الاستغلال الفردي التعسفي ولا تبيح الرضوخ إلى المادة رضوخا مطلقا يفقد فيه الإنسان سيطرته على نفسه وعلى عقائده ولا تسمح باكتناز الأموال وباستثمارها عن طريق الربا المحض الذي يشل حركة المجموع ويفيد طبقة معينة في العالم على حساب الآخرين.
وإذا كان بعض المفكرين الأوربيين حينما فكروا في إيجاد حلول لمشاكلهم جعلوا المشكلة الاقتصادية أساسا للجهاز الاجتماعي من غير اعتبار للعقيدة، فإن المسلمين لم يروا مانعا من الربط بين التطور الاقتصادي وبين العقيدة المنزهة عن الابتذال، فالمسلم المومن لم يخلق ليكون إيمانه سليبا لا يرى إلا مفاتن الحياة الدنيا أو مفاتن الحياة الأخرى بل خلق للربط بين مصالحه الفردية ومصالح أخيه الإنسان وللجمع بين طيبات الدنيا وطيبات الآخرة. قال تعالى : "وابتغ فيما ءاتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين"(6).
وتبادل المصلحة بين الأفراد غالبا ما يظهر في العلاقات التجارية وفي المعاملات الاقتصادية، فإذا كانت هذه المعاملات لا تسير وفق اعتبار المصلحة المزدوجة وكانت تغلب عليها المصالح الفردية فإن الإنسان لا يكون مرتبطا بالإسلام في نظام المعاملات لأن هذا الدين جعل تعادلا بين التملك وبين الاستغلال، وجعل عنصر النفعية أساسا في نظامه الاقتصادي ولذلك حرم الاحتكار واكتناز الأموال والربا، لأن كل ذلك مما يضر بالاقتصاد العام للدولة وأفرادها.
ومن الطبيعي أن الفرد المسلم إذا سار وفق هذه المبادئ وهو يعلم أنه إن خالفها سيعاقب في الدنيا من الولاة وفي الآخرة من الله تبارك وتعالى، سيسعى ما أمكنه في أن تكون حركاته العامة موجهة إلى الصالح العام.
وفي هذا دليل على أن الإيمان ضروري للإنسان وأنه لا يقف حاجزا بينه وبين العمل من أجل التقدم البشري بل يحضه عليه، ويجبره على الخير، وصدق الله العظيم حينما قال : "من عمل صالحا من ذكر أو أثنى وهو مومن فنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملــــون(7)".


يا أيها الذين ءامنو استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم، واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه، وأنه إليه تحشرون، واتقوا فتنة به تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، واعلموا أن الله شديد العقاب.

                                                                             -قرآن كريم-

(1) - مقدمة ابن خلدون، المطبعة البهية، صفحة 111.
(2) -  التعادلية لتوفيق الحكيم صفحة 24.
(3) - عن كتاب قصة الفلسفة الحديثة لأحمد أمين وزكي نجيب محمود، الجزء الأول صفحة 257.
(4) - الإنسان في القرآن الكريم للعقاد، صفحة 47.
(5) - خطوط رئيسية في الاقتصاد الإسلامي للأستاذ محمود أبي السعود.
(6) - سورة القصص الآية 77.
(7) - من سورة النحل الآية 97.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here