islamaumaroc

نظرة عابرة حول النقد في حياتنا الفكرية الراهنة

  دعوة الحق

86 العدد

هل تستطيع حالة التغاضي عن النقدان تقدم شيئا ما أو تؤخره في مجال إصلاح العقلية النقدية عندنا ؟ هل تستطيع –وبمرور الزمن- أن تختزل من حدة العقد النفسية الموجودة، وتنقذ حياة الفكر واستقامته وتقدميته وإيجابيته من تأثير هذه العقد ؟ لا يبدو أن ذلك ممكنا بصورة مؤكدة، وإذا أمكن حقا، فمن المعقول أن يقال حينئذ إلا حاجة أكيدة تدعو إلى نقد أو رد على النقد.

الحديث عن أحوالنا الفكرية والأدبية، وما يتصل بذلك من ظواهر وحقائق، نلمسها جميعا ونعيش نتائجها جميعا، مثل هذا الحديث قد أصبح يبعث في بعض الأحيان على السئامة والشعور بالابتذال، وذلك لكثرة ما أدلي حوله من آراء ونظريات، تختلف باختلاف مشارب أصحابها واقتناعاتهم، ولكن كل هذه الآراء وهذه النظريات لم تستطع فعلا أن تقدم في الأمر أو تؤخر شيئا ذا بال، والواقع أن التجربة دلت على أن البحث عن أسباب الركود الفكري بالمغرب، لم يساهم عمليا –لحد الآن- في مقاومة هذا الركود، ولم يكن قط هو السبب فيما هو موجود الآن من مبادرات فكرية متواضعة، تظهر هنا وهناك بين الفينة والأخرى، ويتفاوت نصيبها من الجودة وطابع المسؤولية والجدية. إن هذه المبادرات المختلفة تصدر في الغالب عفويا وبصورة غير مضمونة الاستمرار، أي أن وجودها ليس ناشئا –بالضرورة- عن طريق التأثر بالأفكار الأكاديمية التي تروج حول الركود الأدبي، وضرورة القضاء عليه بما يمكن من الطرق والوسائل، وهي لهذا لا تعبر عن وجود تفاعل كامل بين المقدمة والنتيجة كما هو الأمر في الأحوال العادية، أي بين المقدمة المتمثلة في البحث عن الأسباب المتعلقة بظاهرة سيئة ما. والنتيجة التي تتجلى فيما يؤول إليه الأمر من تقويم هذه الظاهرة عن طريق القضاء على أسباب اعوجاجها، واصطناع وسائل وأحوال تكفل تصفية هذا الاعوجاج. فالمحاولات الأدبية والفكرية الموجودة الآن، وإن كانت تشمل ميادين عدة من ميادين الفكر، وتأخذ إشكالا مختلفة، كالقصة، والمقالة، والبحث، والقصيدة، واللوحة وغير ذلك – فإن هذه المحاولات لا تعكس في عمومها وجود اتجاه قوي وعام، نحو بناء نهضة فكرية جديرة بهذا الاسم، كما نرغب فيه جميعا من الناحية المبدئية، ويبتغي الوصول إليه كل من يثير الأحاديث الأكاديمية عن ظاهرة الجمود الأدبي ووسائل علاجه.
لا نطيل الحديث كثيرا عن هذه المحاولات، وعن قيمتها الشكلية والموضوعية، فذلك شأن لا يدخل بالضرورة ضمن القضايا الجوهرية التي نبتغي التعرض إليها في هذا الحديث، ولكن سؤالا واحدا يلح على الذهن بهذا الشأن، ويفرض نفسه دائما بمناسبة أي حديث عن الأحوال الفكرية والأدبية عندنا مهما كانت وجهة هذا الحديث وغايته، والسؤال هو: أليس من الضروري ومن اللازم أن يولى قدر من العناية بهذه المحاولات الفكرية، التي تظهر في محيطنا بين الفينة والأخرى على اعتبار أن مثل هذه العناية من شأنها أن تشجع القرائح، وتحفزها على المنح والإعطاء وتساعد بذلك على استثارة ما كمن من خامد المواهب الفكرية، التي لما تزل معطلة باهتة، لسبب أو آخر ؟
سؤال لعله من البساطة بالدرجة التي تجعل الجواب عنه أيضا في غاية البساطة، إلا إذا كان هناك من يجادل في وجوب العناية بالآثار الفكرية القليلة، التي تظهر هنا وهناك، ويرى أنه لا ضرورة لتشجيع محاولات من هذا القبيل، إما يأسا من جدواها، أو استخفافا بقضية الفكر، والحياة الفكرية من الأساس، ومثل من يرى هذا الرأي نتركه على رأيه، ولا نرى أن هناك فائدة من مجادلته، لكن بالنسبة لأولئك الذين يرون الرأي العادي في هذا الشأن أي الرأي الذي يذهب إلى ضرورة تشجيع المحاولات الفكرية المبذولة، وإعطائها بعض العناية تقل أو تكثر، بالنسبة لهؤلاء، نريد أولا، أن نحدد المراد بالعناية والتشجيع في هذا المجال، هل المراد بذلك هو في الدرجة الأولى، إغداق المكافئات والإجازات على ذوي الانتاج المقصود تشجيعه ؟ وهل المراد كذلك وجوب التغاضي عن سيئات الإنتاج المعروض والاقتصار فقط "تقريبا" على التنويه بمحاسنه، ونقط الإيجابية فيه ؟ وهل المراد غير هذا وذاك، مما من شأنه فقط، أن يتيح للمنتج فرصة الحصول على فوائد مادية ومعنوية مختلفة، مقابل ما بذله من مجهود، وما قدمه من إنتاج اعتصره من فكره وأعصابه ؟
هذا جانب مهم من القضية المعروضة، ومن شأنه –لدقته ونسبيته- أن تختلف فيه المفاهيم إلى حد ما، بل وتذهب أحيانا في هذا الاختلاف إلى درجة التناقض البين.
وترجع دقة هذه المسألة إلى كونها متعلقة –في جملة ما تتعلق به- بأهواء الناس ونزواتهم، أما نسبيتها فتعود إلى ما هو موجود من اختلاف المفاهيم بهذا الشأن، وتأثر هذه المفاهيم بأمزجة الأشخاص وظروفهم النفسية والعقلية، ونظرتهم إلى الأشياء من زوايا متنوعة، فهناك من يرى –على ما يبدو- أن التشجيع الذي يمكن أن يولى للفكر، يجب أن يتمثل –خاصة- في بذل المعونات المادية، باعتبارها ذات أهمية رئيسية في هذا الميدان، وذلك بما تساعد به رجل الفكر من مغالبة الصعوبات المادية، التي تأخذ منه عادة كل مأخذ، ولا تترك له أحيانا فرصة كافية للخلق والإنتاج، وثمة من يرى أن التشجيع المعنوي لا يقل أهمية عما عداه، بل ربما يكتسي أهمية أكثر، وتسأل عما يراد بالتشجيع المعنوي، فتجاب بأن المقصود به هو أن يبدي الجمهور الاهتمام الكافي بما يقدمه المفكر من إنتاج، أي الإقبال على ما يعطيه للمجتمع من بنات فكره، وعصارة ذهنه، والتجاوب في ذلك معه تجاوبا يشعره بقيمة ما يبذله من جهد، وما يقدمه للمجتمع من خدمات.
وقد يطول استعراض الآراء بهذا الشأن، مما يمكن أن يشط بنا عن الموضوع كثيرا، لكن إذا صهرنا الآراء كلها في بوتقة واحدة، فإننا لا نجدها تخرج –في الجوهر- عن المطالبة للمنتج بحقوق وإمكانيات، تساعده على نشاطه الخير، وإلا فإن هذا النشاط يشل في بداية الطريق، أو في نصفها على الأقل، كما يلاحظ في كثير من الحالات.
ولا أظن أن هناك من يرفض –مبدئيا- ضرورة تشجيع الفكر على هذه الوتيرة، وإن كانت الحقائق العملية، لا تساعد دائما على الاستجابة لمقتضى هذه الضرورة، بيد أن الذي لا يجب أن يغرب عن الذهن بهذا الصدد، هو أن مبادرات التشجيع لرجال الفكر لا يجب أن تأتي دائما من الجمهور المستهلك، أو المسؤولين عن الشؤون العامة فقط، بل إن رجال الفكر أنفسهم مطالبون بتشجيع الحياة الفكرية والإنتاجية، والمساهمة في مدها دائما، بأمصال الحيوية والتجديد والنشاط، وذلك عن طريق الاهتمام بما يصدر من آثار فكرية قليلة، والإسهام في إحداث التجاوب الذي يرجى من وراء صدور هذه الآثار، وإفساح المجال هكذا أمام قضايا الفكر، لتأخذ مكانها أو بعض مكانها في أذهان الناس وعلى صعيد الاهتمامات العامة للجمهور.
لكن المراد بالتشجيع هنا ليس من نوع ما يجب أن يصدر عن الجمهور العادي من دلائل الإقبال، وما يجب أن يتلقاه المنتج من مكافئات مادية على مجهوداته وعطائه، فإذا كان على الجمهور أن يمنح لرجال الفكر تشجيعات ممكنة من هذا النوع فإن التشجيع الذي ينتظر من الأوساط نفسها التي تعنى بالفكر، وتشتغل به – هذا التشجيع يجب أن يتمثل في العناية بتقييم الإنتاج الصادر – على قلته – والمبادرة إلى تقويم ما هو منه في حاجة إلى تقويم، ومراقبة الاتجاهات الفكرية والمحاولات الإنتاجية المنبثقة عنها، وملاحقة كل ذلك بالتشذيب والتوجيه والتمحيص، ومطاردة مظاهر النزوع إلى التفاهة والعشوائية والطفيلية في ميدان الأدب والفكر والثقافة.

في هذا الإطار – وليس في سواه – يجب أن نضع قضية النقد العلمي والأدبي في هذا البلد وفي محيطنا العربي عموما، وبذلك فقط يمكن أن يكون النقد عامل إيجابية وتقدمية في حياتنا الفكرية والعلمية، وبذلك أيضا يمكن أن يصبح كأداة تشجيع حقيقي لحياة الفكر والإنتاج، وسبيلا إلى استحثاث قرائح المنتجين، بل وفي مقدمة وسائل التشجيع التي لا بد من اعتمادها لبذر عوامل نشاط شامل قد ينضج ويتسع مداه، ليصبح نهضة حقيقية كاملة، أما الحل الذي يذهب إلى أنه من الأنسب التغاضي عن التشدد في النقد – ولو بصورة مؤقتة – فلا أظن أنه ينبني على شيء إلا على مراعاة بعض الحقائق السلبية، التي تسود الحياة الفكرية والإنتاجية عندنا، وهذه الحقائق – من نزوع إلى الخلط بين العلمية والذاتية، وميل إلى التعسف في النقد أو الرد على النقاد والمعقبين، وضعف عدد من المنقود لهم أمام ما بجناحهم من انفعالات – علاوة على موقف "المتفرجين" و"الشامتين" الذين ينظرون عادة إلى عملية النقد، على أنها "معركة" لابد أن يكون فيها غالب ومغلوب، وشجاع وجبان – هذه الحقائق كلها هي موجودة بالفعل، ولا سبيل إلى المكابرة فيها، لأنها واقع فكري قائم، تعيشه الحياة الفكرية عندنا، وتعاني منه ما تعاني مما يمس بقدسية الحقيقة العلمية في بعض الأحيان، ويجعل البحث عن هذه الحقيقة محفوفا في كثير من الحالات، بطفيليات الجدل العقيم، والمماحكات الشخصية، التي لا تكاد تجد لها حدودا تقف عندها.
لكن هل تستطيع حالة التغاضي عن النقد أن تقدم في هذا الباب شيئا ما أو تؤخره ؟ هل تستطيع إذن – وبمرور الزمن – أن تختزل من حدة العقد النفسية الموجودة، وتنقذ حياة الفكر، واستقامته، وإيجابيته، وتقدميته، من تأثير هذه العقد وما تحمله من نتائج سلبية وتقهقرية في أكثر الحالات ؟ لا يبدو أن ذلك ممكن بصورة مؤكدة وإذا ما أمكن حقا، من المعقول حينئذ أن نستغني بعض الشيء عن النقد، بل من الجائز أن يقال في مثل هذه الحالة، ألا حاجة أكيدة تدعو إلى نقد أو رد على النقد.
عرفت الصداقة الأدبية بالمغرب خلال الثلاثين سنة الأخيرة، توسعا متزايدا، وإن كان لا يزال محدودا على العموم لحد الآن، وبتعدد الصحف والمجلات التي كانت تظهر وتختفي خلال فترات مختلفة من هذه الحقبة، تعددت وجهات الكتابة الأدبية من مقالة، وقصة، وأقصوصة، وقصيدة، ومقطوعة، وأبحاث متسلسلة، وخواطر عابرة، وغير هذا وذاك من ألوان الكتابة وأساليبها، وكان من الطبيعي أن يصاحب هذا النشاط الإنتاجي، نشاط مواز له على صعيد النقد، والمناقضات الأدبية فنشرت – مجلة المغرب "الرباط" – سلسلة نقدية للشعر، كان لها صداها البعيد آنئذ، "حوالي سنة 1934"(1) وتجلت هذه الأصداء في عدة ردود، وردود مضادة، يعكس بعضها حالة الأدب والفكر الأدبي كما كان سائدا ساعتئذ، وحملت مجلة المغرب الجديد "تطوان"(2) هي الأخرى مقالات نقدية وردودا عليها بلغ بعضها درجة لا تناسب المستوى الأدبي والثقافي في شيء، وخلال الحرب وما بعدها ظهرت على أعمدة "الثقافة"(3) والملحق الثقافي للمغرب "سلا" ورسالة المغرب "الرباط" وغيرها بعض المقالات النقدية كان بعضها يثير أخذا وردا بين كاتب وآخر.
ولم تكن هذه المقالات الجدلية تمر مرور خافتا بل كانت تستثير فضول القراء، ويعلق عليها البعض منهم، إلى جانب ما يعلق عليه من أحوال الحرب ومشاكل التموين والقضايا الوطنية وغير ذلك.
وفي عهد الاستقلال، برزت عدة مطبوعات دورية سواء منها الشهرية والأسبوعية، وعني بعض هذه المطبوعات – فيما كان يعنى به – نشر جملة من التعليقات بين الفينة والأخرى، ومقالات تسودها روح التقييم والتوجيه، سواء أكان المحور الذي تدور حوله هذه المقالات هو كتاب معين ظهر في الأسواق أو بحث من الأبحاث صدر في الصحف، أو شريط ما عرضته الشاشة أو مسرحية خاصة، مثلت على الخشبة، وسواء أيضا أكان هذا المحور هو مجموع الأحوال الأدبية عندنا، وحياة الإنتاج والاستهلاك الفكري في مجتمعنا الحاضر، وما يدعو إليه الحال بمناسبة ذلك، من محاولة تقييم مجمل الإنتاجات الصادرة، واستخراج نقط الضعف التي قد تتسم بها هذه الإنتاجات، ونقد ما يمكن نقده من نزعات وظواهر فكرية، تظهر من خلال ذلك كله، وقد يثير بعض هذه النزعات سلسلة طويلة من الجدل كموضوع الشعر المتحرر، وغيره من المواضيع المماثلة :
1" إذا ما استعرضنا حملة الكتابات النقدية من هذا القبيل، والتي ظهرت على فترات مختلفة من حياة المغرب الفكرية خلال هذه الحقبة، فإن ذلك يتيح لنا بعض الملاحظات والاستنتاجات التي لا تشمل بالضرورة كل ما كتب في النقد أو الرد عليه "فتمت فعلا بعض الدراسات والتقييمات من هذا القبيل، نشرت مستوفية بعض شروط الكتابة العلمية وتسودها – على العموم – روح موضوعية ملحوظة" إلا أن هذه الملاحظات تنطبق على كثير مما نشر غير ذلك من كتابات النقد والنقد المضاد، طوال الثلاثين سنة الماضية، ومما يلاحظ على هذا النحو خلال كل هذه الحقبة أن أية مبادرة نقدية، لابد أن تثير في الغالب رد فعل من جانب المنقود له، وغالبا ما يكون رد الفعل هذا عنيفا وحادا، بحيث يكتسي في جملته شكل حملة مضادة، ينصب بعضها على موضوع الدفاع عن الذات، ويكتسي جانبها الآخر، صبغة هجوم على الشخص الناقد، وتفنيد آرائه واستنتاجاته جملة وتفصيلا في بعض الأحيان.
2" لا تخلو بعض الكتابات النقدية، من بعض التعابير التي تعكس في مضمونها مقدار ما بلغه المنقود له من انفعال حاد، وتوتر يكاد يذهب بلب الحليم وبالطبع فإن مثل هذه التعابير لابد أن تعتبر من قبيل الحشو الذي فرضته نقائص العقلية النقدية السائدة عندنا.
3" كثيرا ما يخرج النقد بسبب ذلك أو غيره – عن الموضوع الأصلي الذي أثير من أجله هذا النقد وهكذا يتشعب الموضوع تشعبا غير ضروري في كثير من الأحيان، ويذهب فيه الجانبان "المتعاركان" مذاهب شتى تتناول فنونا كثيرة، ومناحي مختلفة إلا أن الموضوع الرئيسي الذي كان مثار الجدل في الأول يبقى في كثير من الأحيان غامضا وغير قار لا يكاد يتبين له ولو من آخر.
4" وقد تؤدي هذه الحالة من الجدل المتشعب، وتبادل اللمزات واللواذع، أن أحد الطرفين ربما يمل "العراك" أو أنه يوجه بعض المؤاخذات، إلى الصحيفة الناشرة، أو لأسباب أخرى مجتمعة مع هذه، فينسحب نتيجة لذلك ولغيره عن الميدان، ساخطا على عالم الإنتاج والنقد، وقد يكون انسحابه نهائيا، بحيث لا تجد له أثرا – بعد ذلك – في ميدان من ميادين الكتابة مهما تقادم العهد على الحادثة "النقدية" التي أثارت سخطه وحفيظته.
5" وفي نفس الوقت تجد عددا ممن يقدر لهم أن يتابعوا تفاصيل المعركة الناشبة – تجدهم في حالات عدة – متحزبين لهذا أو لذاك، بحسب شخصيته ونظرتهم إليه من مختلف الزوايا سياسية كانت أو اجتماعية، أو غيرها، لا بالنظر إلى طبيعة الموضوع المثار، ووجه الحق والصواب فيه عند هذا أو الآخر، بل وقد تجد من بين المتتبعين هؤلاء من يتطوع هو الآخر بالكتابة في الموضوع مناصرا وجهة نظر هذا ضد الآخر، متمحلا في ذلك تمحلا يزيد في تعقيد "المعركة" النقدية القائمة، ويضاعف إمكانيات توسعها الذي لا يحد.

طيلة ثلاثين سنة متواصلة أصاب خلالها البحث الأدبي والعلمي في المغرب تقدما لابأس به وعلى الرغم من أن فنون التعبير الأخرى كالقصيدة والقصة وغيرها ما زال تطورها محدودا جدا ولا يؤبه له في بعض الاعتبارات، فإن القرائح في هذه الميادين ليست مع ذلك جامدة كل الجمود، وقد برزت في خلال العقد الأخير محالات مهمة جدا لو تعددت ووجدت الأصداء الإيجابية الكافية لحققت للقصة وللشعر هنا فقزات حقيقية.
لكن موضوع النقد بقي – كما رأينا – خلال كل هذه المدة الطويلة، دون أن تتحقق في مضماره تطورات إيجابية – تجعله قادرا على استيعاب التطورات التي وقعت في ميدان المبادرة الإنتاجية، وكفيلا بتوجيه هذه المبادرة، وتقويمها عند الاقتضاء، والإسهام بذلك في بعث نهضة فكرية حقيقية، يترجاها الجميع، وهذه ظاهرة لابد أن الكثيرين يلاحظونها، ويرون فيها عاملا من عوامل التخلف الذي نعانيه في مضمار الحياة الأدبية والعلمية.(4)

وبديهي أن يتساءل كل من له عناية بقضايا الفكر والثقافة عن دواعي هذا الجمود الذي يسم الكتابة النقدية عندنا، بل وهذا الأثر السيء الذي تحدثه بالفعل على سير الحركة الأدبية والفكرية، التي لم تجاوز عندنا بعد طور النشوء الأولي ؟ سؤال لا يقل إلحاحا عن تساؤلنا التقليدي الدائم، حول عوامل الركود الأدبي بوجه عام، بل إن تساؤلنا عن جمود الكتابة النقدية، وتعقد نفسية النقاد والمنقود لهم، لعله أكثر أهمية وإلحاحا لأن تخلف النقد عندنا له أثره – ولا شك – في تخلف الحياة الأدبية بصورة عامة، وما تعانيه من تعثرات في مختلف الميادين.
لكن هل من اليسير أن يلقي المرء نظرة هنا ونظرة هناك، ليدعي في الأخير أنه قد نجح في تحديد عوامل التخلف الذي يسم الكتابة النقدية عندنا، وبالأخص موقف المنقود لهم من العملية النقدية، أن استقصاء ذا روح شمولية كهذا، يستوجب – في الواقع – إجراء دراسات نفسانية وغيرها على نطاق واسع ومن اللازم لذلك – أن يكون الاهتمام بهذا الموضوع غير محدود، بل من شأنه أن يشغل أذهان الكثيرين، وخاصة منهم المعنيين بمثل هذه المسائل حتى يستطاع بذلك تكوين فكرة موضوعية وشاملة عن مختلف جوانب هذه الظاهرة، وعن العوامل المختلفة التي تكمن وراءها، ولعل من بين هذه العوامل على ما يظهر :
1" ما يرجع لطبيعة التأثير، الذي ما فتئت الحياة الأدبية بالمشرق العربي تحدثه على أفكار الكثيرين منا وانفعالاتهم الفكرية، لقد كان هناك منذ فجر النهضة الفكرية الحديثة في الشرق، صراع أدبي و"حملات" أدبية و"خصومات" و"منازعات" تخوضها أقلام لها وزن كبير في دنيا الأدب والفكر العربي الحديث وكان الجمهور الأدبي يتتبع هنا – في الغالب – تفاصيل هذه الخصومات، وينفعل بها، وربما تقود هذه الحالة أفرادا أو غيرهم إلى التحزب لهذا الأديب أو الآخر، والتأثر بطريقته في المصاولة والمجاولة، وليس ينكر أن مجلات محترمة كالرسالة وغيرها كانت مجالا خصبا لحوادث أدبية من هذا القبيل، عدا الكتب الكثيرة الصادرة في مثل هذا المعنى، وبعضها لم ينشر على الناس إلا في نطاق تعزيز حملة منظمة ضد هذا الأديب أو الآخر من أدباء العربية البارزين، فهل كان لكل هذا تأثير ما في تكييف عقليتنا الأدبية، وتوجيهها هذا التوجيه الذي يكاد يجعل من النقد أحيانا أداة لتصفية الحسابات الشخصية، ويثير انفعالات المنقود لهم إلى درجة الغضب الصاخب، كما تمكن ملاحظته في عدة حالات ؟
2" للخوف على السمعة، والحرص على الهالة الاجتماعية تأثير محتمل أيضا في هذا المجال ! فبعض الذين تنقد إنتاجاتهم على نحو أو غيره – يشعرون أنهم قد أصبحوا في حاجة إلى دفاع عن مكانتهم الأدبية والهالة الاجتماعية التي تحيط بهم نتيجة لذلك أو غيره، أن محاولة تصويب رأي لهم، أو تقويم خطأ أو إبراز نقص، أو نقض حجة، أو التماس دليل، أو توجيه إرشاد أو غير هذا وذاك، كل هذا قد ينال في اعتبار مثل هؤلاء – من المقام الأدبي أو العلمي الذي لهم بين الناس، ومن تم فإن اللجوء إلى "الرد" و"الرد على الرد" بكل ما يصاحب ذلك من ضراوة في النقاش وتمحل في إيراد الحجج والمسوغات، يعتبر شيئا حتميا لتصفية الحالة ورد المهاجم إلى صوابه.
3" ومما يضاعف من حدة ردود الفعل عند المنقود لهم، أن عددا من النقاد لا يترددون في توجيه كتاباتهم النقدية، توجيها يكتسي صبغة حملة منظمة في بعض الأحيان، وماذا ينتظر بعد ذلك من المنقود له إلا أن يعيد الكرة هو والآخر، وبشنها حملة مضادة لا تقل شراسة وحدة.
4" وبوجه عام، فإن مزاجنا الذي يبدو مرهقا في أكثرية الحالات، ربما لا يساعد البعض منا على مواصلة النظرة الموضوعية للأمور، وذلك لما لدى مثل هؤلاء من طاقة انفعالية سريعة الاستجابة للإثارة، وشعور بالذاتية أكثر من اللازم تحتد معه الانفعالات احتدادا، كلما كان هناك أدنى شعور بنيل من كرامة، أو انتقاص من القيمة الشخصية.
إن اعتبار المزاج في هذا المقام يقوم – في الواقع – على مجرد ملاحظة بسيطة، ولا ادعاء هناك بأن هذا التعليل هو ذو قيمة علمية مطلقة، إلا أن هذا لا يمنع – مع ذلك – من ملاحظة الظاهرة الموجودة، والتي يمكن تبينها على نطاق واسع، وهذه الظاهرة هي أن حدة المزاج عندنا – كما عند كثير غيرنا من الشعوب – تفرض علينا أحيانا جملة من المشاعر السلبية، لا على صعيد الحياة العامة، بل في نطاق الحياة الثقافية كذلك الأمر الذي قد يصل في عدة حالات إلى حد إضعاف العقلية العلمية الهادئة الرصينة عندنا، ويستصدر منا أحيانا مواقف فكرية فجة ومبتسرة، وخاضعة للنزوات، وذلك – على الأخص – عندما يصدر البعض منا إنتاجا فيوجد من يتعرض لهذا الإنتاج بالنقد والتعقيب، حتى ولو في حالة ما إذا اقتصر الناقد على توجيه ملاحظات جزئية، لا تنسال في شيء من القيمة الجوهرية للأثر المنقود.

لقد حاولنا في الفقرة السالفة – أن نتبين بعض الأحوال السلبية التي تميز حياة النقد عندنا وخاصة تأثيره على عدد من المنتجين، وما يتخذه هؤلاء من مواقف إزاء العملية النقدية تدعو إليها – كما هو ملحوظ– عوامل نفسية واجتماعية مختلفة.
ومثل هذه الأحوال لا تشجع – حقيقة – على ازدهار جانب النقد في مضمار الحياة الفكرية داخل بيئة مختلفة كبيئتنا الراهنة، ولعل ذلك هو ما دعا بعض أفاضل الكتاب إلى إبراز خشيتهم من أن تؤدي المبالغة في النقد – والحالة على ما هي عليه – إلى عكس المراد منه كعامل على نمو الإنتاج الأدبي وازدهاره ومن غير شك، فإن هناك اعتبارات وجيهة جدا، من حقها أن تحملنا – باستمرار – على الأخذ بهذا القول من ناحية مبدئية، ومن هذه الاعتبارات :
1 – ضرورة تفادي المهاترات التي يجر إليها النقد في المحط الأخير.

2 – وجوب تلافي الخصومات التي يطلق عليها عادة الخصومات الأدبية، والتي تستحيل في كثير من الحالات إلى خصومات شخصية حقيقية، تتحكم فيها العقد والنزوات.
3 – ما يفرضه الحال من الحيلولة دون جعل النقد الأدبي أداة لتصفية الحسابات الشخصية، أو ما هو في حكم الحسابات الشخصية.
4 – اجتناب تثبيط بعض الهمم، أو بالأخص، همم الناشئين الذين قد يحدث توالي النقد عليهم، نوعا من الشعور بالنقص، ربما يخمد فيهم جذوة النشاط، وهو لما يزل في بداية اشتعاله فينصرفون بذلك عن الخوض في الحياة الإنتاجية كلية.
5 – الإشفاق عموما على القيم الفكرية والخلقية، والحرص – من أجل ذلك – على أن تنشأ في مجتمعنا الأدبي تقاليد جميلة ومنتجة، لا أن تتكون في حظيرته – بالعكس – سوابق، قد لا نحمد تأثيرها أمدا طويلا.
وهنا نجد أنفسنا راجعين لترديد سؤال سابق : هل يكفي لمعالجة أحوال كهذه، تتعلق بموقفنا من النقد في حياة الفكر والإنتاج، وعدم قابليتنا له كحتمية علمية مقدسة، وضرورية لكل حياة فكرية إيجابية ونامية ومتطورة، هل يكفي – في مثل هاته الحالة – أن يغض الطرف عن النقد – ولو إلى حين – ويترك المنتجون وشأنهم، لكي يستطيعوا الاستمرار في الإنتاج بغض النظر عن طبيعة هذا الإنتاج وقيمته وجدواه ؟
قد تعدد الآراء في هذا المجال، ولكن لا أظن أن أحدا يذهب إلى الأخذ بمبدأ السلبية، وترك الحبل على الغارب، وهؤلاء الذين قد يظن أنهم دعوا إلى رأي من هذا النوع، لا أعتقد أنهم دعوا إليه فعلا بهذا المفهوم الضيق، أي رفع كل رقابة على سير النشاط الفكري، وتقبل جميع ما يصدر من إنتاج على علاته، إنما الذي يظهر، أنهم ما ذهبوا إلا إلى القول باجتناب النقد المتحامل، الذي يتخذه صورة حملة حقيقية، الأمر الذي يزعج حقا ذوي النفوس الحساسة، ويبدي لهم جو النقد في إطار جو معركة، تشرع فيها الحراب وتصلت السيوف.
إن على المنتج ألا ينزعج من حملات من هذا القبيل، إذا كان واثقا مما يكتب، وذا شعور حقيقي بواجبه كمفكر ومنتج، عليه – قبل كل شيء – رسالة هو مطوق بها، ومن مقتضيات هذه الرسالة محاولة استجلاء الحقيقة المقدسة، عن طريق التعاون مع القراء وخاصة منهم النقاد والمعقبين، أما إذا اشتط هؤلاء النقاد، وجاوزوا مهمة التوجيه والتقويم إلى "مهمة" الحملات الشخصية، فليترفع منتجنا عن الانفعال السلبي، الذي قد يحدثه ذلك، وطبيعي أن ترفعا من هذا النوع، إذا شاع على نطاق واسع بين المنتجين، فلابد أنه يعين – في الأجل البعيد – على تقويم طريقة النقد نفسها عند النقاد، ويقنعهم بضرورة احتذاء سبيل المنطق السليم وإلا انكشف موقف من يصر منهم ركوب مثن الشطط، وظهر زيفه الفكري واضحا للملأ أما ما عدا ذلك من نقد
علمي للآراء التي يوردها المنتجون، وتمحيص للحقائق التي يسجلونها بل ونقض موضوعي منطقي، لبعض الاستنتاجات التي يتوصلون إليها، كل هذا من المعقول ومن اليسير جدا النظر إليه على حقيقته، أي باعتباره ظاهرة تعاون بين النقاد والمنقود لهم على خدمة قضية الثقافة والمعرفة، وتضامن من أجل دفع عجلة النهضة الفكرية إلى الأمام، لا على أنه وليد مجرد الرغبة البسيطة في التقريع والتشهير وهذه حقائق بديهية كان من الممكن ألا تورد هنا ضمن فقرات هذا الموضوع، ولكن بعض الظواهر السانحة في دنيا الفكر عندنا، قد أوجبت إيراد بدهيات من هذا القبيل.

تجتاز حركة الفكر في هذه الربوع مرحلة رئيسية لها ما بعدها بالنسبة لمستقبل المغرب في مضمار الثقافة الإنسانية، أن هذه المرحلة ليست – بحق – إلا مرحلة تطور أولى على اعتبار أن حركة الفكر هنا لا تزال – على العموم – حركة ناشئة، لم تستكمل بعد شروطها الجوهرية، لتصبح حركة دينامية ناضجة ومبدعة، لكن أليست المرحلة الأولى من حياة كل وليد هي أهم مراحل حياته إطلاقا، لأن في خلالها تنمو ملكاته الحيوية، وتتكيف نفسيته، وتتجوهر شخصيته، وتتحدد خطوط مزاجه واتجاهاته ؟ وفي غضونها بالذات تتكون إلى حد ما – بذور مصيره كأداة فعالة منتجة، أو ككتلة مشلولة جوفاء ؟
وبالنظر لأهمية هذه المرحلة من النمو، فإن مثل هذه الحالة تقتضي عادة بذل عناية قصوى بالمخلوق الناشئ : مساعدته على النمو المتكامل، والتطور السليم تعزيز مجهوده من أجل مواجهة العقبات المعترضة، والتغلب عليها، توجيه خطواته والسهر على توازنها، وتقويم هذه الخطوات عند حدوث أي تعثر، إلى غير هذا وذاك، مما تستوجبه كل رعاية منظمة ومضبوطة علمياً.
ووضعنا الأدبي الناشئ هو – بطبيعة الحال – في نفس الحاجة إلى المراقبة والدعاية. – وكما ذكر في مطلع الحديث – هو في حاجة إلى تشجيع يعزز خطواته، التي لا بد أن تتعثر كثيرا قبل أن تستقيم، ومن غير شك، فإن النقاد ذوي الشعور بالمسؤولية الفكرية، هم في مقدمة من هو مطوق بضمان هذه الرعاية، وتحقيق فاعليتها المنتجة.
إن عطاءنا الفكري لا يزال – كما قد نتفق عليه جميعا – دون أي مستوى منشود، سواء من ناحية الكم أو من جهة الكيف، ويبدو ذلك واضحا لأول وهلة، وهو أكبر داع لما تردد من كثير الكلام حول الركود الأدبي عندنا إنتاجا واستهلاكا، ولكنه يبدو أكثر من ذلك دقة إذا ما وضعنا أمامنا جملة الأسئلة التالية :
1 – هل الأفكار التي نوردها هي في حقيقتها أفكار خصبة معطاء، وما مظهر خصوبتها وقدرتها هكذا على الإعطاء الإيجابي الغني ؟ وهل تستطيع بذلك كله أن تدفع قطار الفكر كثيرا أو قليلا إلى الأمام ؟ وما مظاهر هذا الدفع ونتائجه ؟

2 – إننا – ونحن في بداية تطور فكري لا شك في وجوده – لا مناص لنا طبعا من الانفعال بتيارات الأدب والفكر خارج حدودنا الخاصة، أي حدودنا الثقافية العربية، بل إن هذا الانفعال هو حتمية إيجابية يجب أن تستمر دائما، ولو بلغ نضجنا وعمق إدراكنا الأدبي مبلغا كبيرا، إذ أنه ليس لنا دائما أن ننفعل وكفى، بل علينا كذلك أن نتفاعل مع معطيات الفكر العالمي، فنعطي ونأخذ ونلهم ونستلهم، من أجل خدمة الثقافة الإنسانية، وتقدم الوعي الإنساني العام، كل هذا مسلم به مبدئيا – ولا شك، لكن في حالة تطورنا الفكري الحاضر، هل نشعر فعلا أننا ننفعل انفعالا إيجابيا بتيارات الأدب المعاصر ؟ وهل يبدو من خلال هذا الانفعال، أننا نهضم هضما جيدا ينمي لدينا – فيما بعد – نوعا من القدرة على الابتكار والتجديد ؟ وهل يتراءى أن لدينا استعدادا مبدئيا للوصول إلى هذه الحالة القائمة في جوهرها على الابتكار والتجديد، ومعلوم – بكل بساطة – أن هذا هو مقياس قيمة كل تطور ثقافي صحيح، في نهاية المطاف، وإلا كان المورد الثقافي لأمة ما ضحلا لا يرجى من ورائه شيء له أهمية جذرية.
3 – هل ثمة بيننا حالة شعور بالمسؤولية الفكرية، وما يقتضيه ذلك من اتباع سبيل النقد الذاتي، والالتزام بالخلق العلمي في التفكير والاستنتاج، والتحلي بالاستقامة في نقد آثار الغير، ومجانبة طريق التهافت واللامسؤولية، وغير ذلك من المظاهر التي إذا ما توافرت وتضافرت، فإن من شأنها أن تعطي لأية حركة ثقافية صبغتها الجادة الناضجة.
4 – هل نعمل كل ما يمكن عمله حقيقة، من أجل اصطناع القارئ الواعي المثابر، واجتذابه إلى ما يكتب وينشر، ولو في هذا النطاق الصحفي المتوافر الآن ؟ وفي حالة ما إذا كان إنتاجنا لم ينجح عمليا في تحقيق غايات من هذا القبيل لحد الآن، وذلك بالصورة الكافية، فأي سبيل علينا أن ننتهجه للتقرب من هذه الغايات على قدر الإمكان ؟
5 – إن مرامينا وتطلعاتنا الفكرية تتفق – في كثير من الحالات – مع جملة من المبادئ والقيم، نعتقد في الغالب أن بها قوام الحضارة، وعليها يجب أن ترتكز حياة إنسانية سليمة، جملة من القيم الفكرية والفنية وغيرها، تقوم عند أي كاتب كمحور تدور حوله أفكاره واقتناعاته العامة وإقناعه للآخرين لكن هل ترانا نحرز نجاحا حقيقيا في تقريب هذه القيم من الأذهان، وتصويرها تصويرا دقيقا وأمينا يتيح لها في أفكار الناس، وأذواقهم، ومشاربهم، وتطلعاتهم، مقاما ما، وإن كان محدود المدى ضيق التأثير ؟
أسئلة كثيرة من هذا النوع تقحم نفسها على الذهن، كلما تناول المرء موضوع الإنتاج عندنا والقراءة والنقد وما يتعلق بكل ذلك من شؤون وشجون، إذ أن هذه الأمور متعلق بعضها ببعض، ومؤثر بعضها في بعض، ومن وراء ذلك كله، لابد أن تكون هناك أهداف أساسية متوخاة، وهذه الأهداف أهداف الوعي والتطور والحضارة، هي أهداف الفكر الحديث، مهما اختلفت اللغات وتباينت المشارب والنزعات.
وحركتنا الفكرية ناشئة، تتضح بأسباب التفاؤل والأمل، وإن كان التفاؤل يحتاج دائما إلى ما يبرره من ناحية مبدئية على الأقل، ومبدأ التفاؤل هذا موجود، في توافر حياة جامعية عصرية بالمغرب، ومن البديهي أن للروح الجامعية تأثيرا لابد منه في إشاعة النظرة العلمية الجادة، وبكل ما تقتضيه من رحابة صدر في البحث، وسماحة في تقبل النقد، ونزوع دائم إلى الإبداع، وعمق إدراك للأشياء، ونشدان للحقيقة لا غير ومن يستعرض بعض ما ينشر يجد آيات من هذه الروح، بادية للعيان تدل على إمكانيات تقدمية مهمة غير أنه بمقدار ما تتعرض هذه الإمكانيات للصقل عن طريق النقد، بقدر ما تكون ذات قابلية أكثر لإعطاء أجود الثمرات، ضمن الأهداف الفكرية الكبرى المشار إلى بعضها آنفا، والتي تتوخاها كل حركة فكرية جادة وناضجة.
إن الكاتب لا يكتب لنفسه، في المحط الأول، ولو كان الأمر كذلك لما كان له أن ينشر كتاباته على الناس بوسيلة من الوسائل، ولذلك فإن على الكاتب أن يتقبل مبدئيا – فكرة النقد – بل ويتزود بطاقة كافية من التسامح مقابل ما يمكن أن يكون هناك من مغالاة في العملية النقدية، وذلك كله، قبل أن يلقي بما ينتجه إلى الجمهور، وكيفما كان مستوى هذا الجمهور فكريا، ومدى قدرته على التمييز بين الغث والسمين، فإن هذا لا يمكن أن يناقض ضرورية النقد الموضوعي، باعتباره عملية حيوية، لضمان سلامة الوليد الفكري، الذي تمخضت عنه هذه السنوات الثلاثون من حياة المغرب الأدبية.

عنيت "دعوة الحق" منذ مطلع سنتها الراحلة، بإحياء سنتها القديمة، التي سارت عليها فترة من الدهر، منسجمة مع خطة بعض المجلات الثقافية العربية، مراجعة ما ينشر فيها من شعر ونثر ووضعه على محك الوزن والنقد، ولو كان الأمر ممكنا من الناحية العملية، لوددت – كما ربما يود كثيرون – أن تنشر المجلة نصف ما ينشر فيها، على أن يخصص النصف الآخر، لنقد ما ينشر، وليس المهم في ذلك، هو مجرد التعرض لإنتاج شخص ما بالنقد والتعليق، ليس المهم في ذلك هو المقالات في حد ذاتها، وإنما المهم أكثر من هذا كله – وكما تقدم – هو العمل على إشاعة النظرة الموضوعية في جونا الأدبي والثقافي، وبث روح علمية متصوفة قوامها استطلاع آفاق الحق والخير والجمال، مجردا عن مختلف الملابسات الحشوية والعقد النفسانية.
ولا ريب أنه سيبقى من حسنات هذه المجلة أن تساهم – بما يمكن أن تنشره من نقد موضوعي في خلق جو فكري إيجابي من هذا القبيل، لكن الحصول على نتائج مهمة من هذا النوع يقتضي توسعا كبيرا في موضوع النقد، واهتماما أكبر من جانب النقاد، بما يعالجونه من مواضيع نقدية، ولحد ما نشر للآن، فإن الذين يتولون عملية النقد في المجلة، لا يخرجون – في الغالب عن ثلاثة أصناف :
1" أصحاب النظرة العابرة، وعذر هؤلاء أن الحيز المخصص للنقد، أقل من أن يتسع لفحص علمي مدقق.
2" أصحاب النظرة الجزئية الذين لا يتناولون من العدد إلا جزءا ضئيلا منه، ثم يغضون عن الباقي، على اعتبار أن الوقت غير متسع لهم، أو أن الموضوعات التي لم يتناولوها، هي أطول من أن يعلقوا عليها أو ينقدوها ولم أستطع إلى الآن أن أدرك هل يمكن أن يعتبر هذا عذرا وجيها أم لا.
3" أصحاب الحملات والهجمات وأكثر هؤلاء – كما هي العادة – ممن يتولون الرد على نقد سابق موجه إلى إنتاجهم في الغالب، وبالطبع فإن الردود على هذه الوثيرة، لابد أن تؤول – مع انتشار الوعي العلمي – إلى الانقراض وذلك لما تعكسه من بدائية وانفعالية لا يمكن أن تبرر إطلاقا.
وعلى أي، فإن المجلة إذا ما ازدادت عنايتها بالنقد وفسحت له مجالا أوسع – والأنسب أن تجزأ المواضيع إلى أدبية عاطفية، وأدبية علمية، أو علمية خالصة، وتسند مهمة النقد إلى اثنين أو ثلاثة ممن هم أقرب بحكم مشربهم الثقافي إلى المادة المنقودة – إذا ما ازدادت العناية بالنقد على هذا النحو أو غيره وتضافرت الآراء على استهجان النزعات العشوائية في النقد، ودأبت المجلة على تحبيب النظرة المنطقية إلى الجميع، بل وصلت في ذلك إلى حد إبداء ملاحظاتها الخاصة على طريقة النقد عند هؤلاء أو أولائك من الناقدين(5) هذا إلى جملة مبادرات أخرى منها، ربما تكون أبلغ من هذا أو أبعد أثرا، إذا ما وقع السير على سنن بعيد المدى من هذا القبيل، فأظن أن دور المجلة في تحسين مستوى النقد عندنا، سيكون دورا عظيما، وذا نتائج تذكر في تطور حياتنا الأدبية والفكرية المعاصرة.
وإذا ما استرجع المرء إلى الذاكرة أيادي هذه المجلة في ميدان الثقافة والفكر هنا، فإنه سيرى – ولا شك – أنها كفاءة حقيقية للقيام بدور مهم كهذا الدور.

أمسك النفس بالعفاف

ولقد أصرف الفؤاد عن الشي
             ء، حياء، وحبه في السواد
أمسك النفس بالعفاف، وأمسي
             ذاكرا، في غد، حديث الأعادي
                                          "بشار بن برد"

 

(1)  لذعات بريئة : مجلة المغرب ابتداء من يوليوز 1934 الأعداد الموالية.
(2)  راجع مثلا العدد 11 من السنة الثانية "1934".
(3)  راجع مثلا العدد 5 من السنة الثانية من مجلة "الثقافة "يناير 1963" الإدريسي : للحقيقة والتاريخ.
(4)  حملت "دعوة الحق" في ثناياها عددا من الفصول من هذا القبيل، وقد خصصت أحد أعدادها الماضية لاستطلاع أحوال الأدب والفكر في هذه الربوع.
(5)   كانت "مجلة المغرب" من بين المجلات التي سارت على هذه الطريقة، طريقة توجيه ملاحظاتها الخاصة على منهج النقد عند بعض الذين كانوا يكتبون فيها من النقاد.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here