islamaumaroc

لم يكن القرآن بلغة قريش فحسب -1-

  دعوة الحق

84 العدد

اطلعت صدفة أثناء قراءتي لمجلة الأديب البيروتية لشهر أكتوبر الماضي في ركن بريد الأديب على مراسلة الأستاذ عبد الخالق عبد الرحمن في تعقيبه على مقال الأستاذ حسن الكرمي الذي نشر في عدد يوليو 1964 من نفس المجلة.
أشار الأستاذ حسن الكرمي في مقاله الموما إليه إشارة خفيفة إلى لغة القرآن حيث قال: ( وعلى هذا جاء القرآن الكريم بلغة قريش التي أجمع عليها العرب وجاء قرآنا عربيا مبينا ولم يأت غريبا ولا في لهجة من اللهجات ).
ودفعت هذه الإشارة الخفيفة بالأستاذ عبد الخالق عبد الرحمن إلى مراسلة المجلة المذكورة رادا على زميله الكرمي بقوله: ( والحقيقة والواقع يثبتان خلاف ذلك فالقرآن لم يكن بلغة قريش فحسب بل فيه من غيرها فقد ورد بلغة هذيل وكنانة وطيء وجرهم ومذحج وقيس عيلان وغيرها ).
وأنا لا أدري هل الأستاذ الكرمي يريد أن يقول أنه لا يوجد في القرآن ألفاظ من اللهجات الأخرى غير لهجة قريش أم أنه يقصد فقط أن القرآن عربي مبين نزل في معظمه بلغة قريش، ووجود ألفاظ من اللهجات الأخرى لا يؤثر مطلقا في بيانه الناصع ولا في قرشيته، لأن عبارة الأستاذ الكرمي مختصرة أشد الاختصار، لم تهيئها عبارات سابقة كما لم توضحها عبارات لاحقة. فالحكم على اعتقاد الأستاذ الكرمي فيما يخض لغة القرآن حكم سابق للأوان.
غير أن الأستاذ عبد الخالق عبد الرحمن رد عليه  بما سمعتم. وأحال قراء مجلة الأديب على كتاب له فصل فيه ذلك، وعنوانه «فضل القرآن على العربية» ولا شك أنه كتاب مفيد سيسد إن شاء الله هذا النقص  الذي نعانيه في مثل هذه الدراسات.
إلا أن الكتاب لم توضع له مقدمة بعد، كما يخبرنا بذلك مؤلفه، ولا زال لم يسلم للمطبعة حتى الآن، وقد يطول انتظارنا له، فمن يدري؟ ولهذا أحببت – في انتظار ظهور هذا الكتاب أن أطلع إخواني القراء في المغرب- ولو بشكل مختصر جدا- على اللهجات التي وردت في القرآن  الكريم من غير لغة قريش. وأنا لا أدعي أنني أرد بهذا على الأستاذ الكرمي- فما أحوجني إلى علمه- إذ لا أعرف بالضبط هل يعتقد ما نسب إليه صديقه الأستاذ عبد الخالق. كما أنني لا أدعي أنني سأغني القارئ الكريم عن قراءة كتاب «فضل القرآن على اللغة العربية» الذي أتمنى أن يصلنا قريبا. ولكني أمل أن يعرف قراؤنا أن في العزيز لهجات كثيرة وانه لم يقتصر على لغة قريش وحدها.
وأنا لا أدخل في هذا العرض البسيط إلى التفاصيل والخلافات والابتكارات التي وصل إليها بعض الباحثين المعاصرين في هذا الباب، وإنما اقتصر هنا على ذكر ما اتفق عليه المفسرون القدماء.
ولقد عددت أثناء تلاوتي للقرآن الكريم، معتمدا في ذلك على شرح العلامة الورع الزمخشري المسمى بالكشاف وعلى ما ورد في ذيل تفسير القرآن للإمامين محمد بن أحمد المحلي وأبي بكر السيوطي من لغات  قبائل العرب لأبي قاسم بن سلام، أقول عددت 45 لهجة. وقد أكون نسيت أخرى، ولعل بعض الفضلاء يدركون ذلك بعدي ويطلعوننا عليه مشكورين.
واعتقد أن من المفيد جدا أن ارتب لك هذه القبائل حسب أهمية عدد مفرداتها الواردة في كتاب الله العزيز.
وأول قبيلة حظيت بقسط وافر من المفردات في القرآن هي هذيل، وقد أحصيت لها 46 لفظة يقول المهتمون بهذه الدراسات إنها من لهجة هذيل، وزعت في القرآن على الشكل الآتي:
1. «بئسما اشتروا»: معناها باعوا بلغة هذيل وتوجد في سورة البقرة الآية 90.
2. «لاعنتكم» الموجودة في سورة البقرة الآية 200 ومعناها الإثم.
ويخيل إلي أن أول من شرح هذا اللفظة بهذا المعنى هو المنذري، روى عنه هذا أبو الهيتم. حين قال:
«ألعنت في كلام العرب الجور ثم فقلت له التعنت من هذا؟ قال نعم»
واعتقد أن هذا المعنى يوافق ما جاء في حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: « الباغون البراء ألعنت» ومعلوم  أن جميع الكلمات المشتقة من العنت هي كذلك من لهجة هذه القبيلة التي نتحدث عنها، هكذا يوجد بآل عمران « وما عنتم» الآية 118، أما بالنساء فنقرأ بالآية 25 «وألعنت منكم» وبالتوبة  «وما عنتم» ونتلو بالحجرات «ولعنتم» وكلها بالمعنى الذي ذكرنا.
3. «عزموا الطلاق» ومعناه حققوه- سورة البقرة الآية 217.
4. لفظة «صلوا» الكائنة في سورة البقرة الآية 264 ومعناها نقيا
5. قوله «إناء» الليل- سورة آل عمران الآية 113 ومعناها ساعات.
6. كلمة « فورهم» بسورة آل عمران الآية 125، ومعناها حالا، وعكسها التراخي كما قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله" «الأمر على الفور لا على التراخي» ويرى الزمخشري «1» أنها مشتقة من «فارت القدر، إذا غلت».
ويرى فقهاء اللغة أن هذه المفردة هي أيضا لهجة قيس عيلان وكنانة.
7. مراغما. سورة النساء الآية 100 ومعناها مهاجرا، وطريقا يراغم بسلوكه قومه ولا شك أن كل مشتقاتها من لهجة هذيل. ك « على رغم أنوفهم» والرغم الذي بمعنى الذل.
وراغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره هذا الفراق.
ويرى الزمخشري«2»: « وأصله لصوق الأنف بالرغام وهو التراب».
8. قوله عز وجل: « وجعلكم ملوكا» سورة المائدة الآية 20. نلاحظ هنا أن المفسرين اختلفوا في معناها. أما الإمامان محمد ابن احمد المحلي وأبو بكر السيوطي فيريان أنها بمعنى أحرار. أما الزمخشري فبعد أن يأتي في شرح الكلمة يقول: « ملكهم بعد فرعون ملكه» ثم يذكر ما ذهب إليه الشراح في هذا الصدد فيقول «3» وقيل كانوا مملوكين في أيدي القبط فأنقذهم الله، فسمى إنقاذهم ملكا، وقيل: الملك من له مسكن واسع فيه ماء جار. وقيل من له بيت وخدم وقيل من له مال لا يحتاج معه إلى تكلف الأعمال وتحمل المشاق.
9.  قوله عز وجل: « وما مسني السوء» سورة الأعراف الآية 188 ومعناها الجنون.
ولقد جاءت بنفس هذا المعنى في سورة هود «بعض ألهتنا بسوء».
10. لفظة «فرقانا» الموجودة في سورة الأنفال الآية 29 «يا أيها الذين أمنوا أن تتقوا
  الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم.
11. قوله: « خرض» في الآية 64 من سورة الانفال، وقد جاءت في هذه اللغة بمعنى حض.
12. «وليجة» في سورة الأنفال الآية 16 ومعناها بطانة وأولياء.
13. «عيلة» سورة التوبة الآية 28 ومعناها الفاقة ونطق بها بعض القراء بالهمز بمعنى المصدر كالعافية.
14. أنفروا « الكائنة في سورة التوبة» الآية 38 وجميع الكلمات التي تشتق منها كـ « ألا تنفروا» في نفس السورة الآية 39.
15. « السائحون» التي بمعنى الصائمون الموجودة في سورة التوبة الآية 112.
16. «غمة» في سورة يونس الآية 71 ومعناها في هذه اللهجة التي نتحدث عنها شبهة.
17. قوله جلت قدرته في سورة يونس الآية 92 التي يقول فيها لفرعون اللعين، يوم غرقه في البحر: « فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون».
فلفظة بدنك الواردة في هذه الآية الشريفة هي من هذيل ومعناها الدرع. ولقد قرأها أبو حنيفة بإبدانك يريد بدروعك. وعندنا شاهد آخر من الشعر العربي يظهر أن لفظة بدن بقيت تحمل معنى الدرع زمنا ليس بالقصير وكانت معروفة متداولة بين الناس
أعادل شكتي بدني وسيفي   وكل مقلص سلس القياد
ويحكي لنا الرواة تعقيبا على هذا البيت أن هذا الشاعر كان يملك درعا من ذهب وهو هنا يفتخر به وبسيفه وبفرسه المكتنز اللحم.
18. «حصيد» ولها معنيان، أولاهما «منحدر من الأرض» بلهجة العمالقة، وثانيهما « ما سوى من الأرض» بلهجة قبيلتنا هذه التي نتحدث عنها وتوجد هذه اللفظة في سورة هود الآية 100.
19. لفظة «ظل» الموجودة في سورة النحل الآية 58 ومعناها صار ورغم أن في الآية إشارة إلى القبيلتين خزاعة وكنانة اللتان كانتا تقولان أن الملائكة بنات الله: «ويجعلون لله البنات سبحانه، ولهم ما يشتهون وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم» فإن هذه المفردة هذلية لا  جدال فيها، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن المعنى الإجمالي للآية لا يستقيم إذا اعتبرنا ظل بالمعنى المعروف المتداول بيننا الآن في لغتنا.
ولقد خبط الذين تعرضوا لهذه الآية بالشرح خبط عشواء لم يخرجوا إلا بالتأويلات البعيدة.
أما الزمخشري، وهو اللغوي المحنك فقد غاص مع المفردة إلى الأعماق وقال في شرحها: «ظل بمعنى صار».
لكن العلامة أحمد بن المنير رد عليه في كتابه المسمى بالانتصاف بما لا يمكن أن يقوم حجة ضد ما ذهب إليه جار الله، تلك المعنى التي أثبتناها أعلاه.
قال: «جاز أن يراد الظلول نهارا لقصد المبالغة في وصفهم بالعناد والإصرار وأنهم لو عرجوا نهارا في الوقت الذي لا يتغابى على البصر فيه شيء إلى السماء لتمادوا في كفرهم وتكذيبهم والله أعلم».
20. المبذرون: ومعناها المسرفون وهي موجودة في سورة الإسراء الآية 27.
21. شاكلته: وهي بمعنى ناحيته في اللهجة الهذلية وتوجد في سورة الإسراء الآية 84.
22. قوله عز وجل:« رجما بالغيب» أي ظنا في الغيبة وتوجد هذه اللفظة في سورة الكهف الآية 22.
23. قوله تبارك وتعالى: «ملتحدا» ومعناه ملجأ، وتوجد هذه المفردة بسورة الكهف أيضا الآية 27.
وقد يظن ظان أن لفظة «الكلمات» الموجودة في هذه الآية الشريفة معناها «اللفظ» واعتقد – والله اعلم- أن المقصود ب «لكلمته» هي الآيات القرءانية، وحجتنا على ذلك قوله تعالى: « وإذا بدلنا آية مكان آية» وقوله كذلك: « أيت بقرءان غير هذا أو بدله» فقال له ربه: وأتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلمته، ولن تجد من دونه ملتحدا».
24. «يرجو» الموجودة في آخر آية من سورة الكهف ورقمها 100 ومعناها يخاف بلغة هذيل.

                                                                                                يتبع

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here