islamaumaroc

طبيعة العاطفة الأدبية

  دعوة الحق

83 العدد

لا يشك أحد في أن العاطفة عنصر هام من عناصر العمل الأدبي، بالإضافة إلى الخيال والفكرة والأسلوب... ووجودها في كل عمل أدبي شرط لازم، لا يختلف عليه اثنان، إنما الاختلاف في طبيعة هذه العاطفة، ومقدارها ونوعيتها... فثمة عواطف مانعة، قلقة، هائجة، مضطربة، صارخة، عمياء.. وثمة عواطف رصينة، جدية، واعية، هادئة هدوء الموج في أيام الصحو... والسؤال الآن: أي نوعين أفضل، وأقرب إلى طبيعة العمل الأدبي الصحيح؟
إن العاطفة الأدبية المتزنة هي التي يؤثرها النقاد ويطلبونها، يعكس العاطفة المانعة التي لا تستطيع أن تتماسك أو تقف على رجليها.. هي كالشمس المتوهجة التي تعشى البصر، والآلام الكبيرة إلى تحطم القلوب والأجسام.. العاطفة العنيفة تشل التفكير، وتضعف التصور، فلا يرجى منها في ميدان الأدب خير.. ومن المعروف أن العواطف الحادة العنيفة تحمل المعبرين بها على الإكثار من علامات التعجب والاستفهام والفواصل والنقاط الكثيرة...
 العاطفة الطبيعية لا تكون متسرعة، ولا تستخدم من قبل النزعات السياسية والمذاهب الاقتصادية أو الدينية لئلا تصبح رخيصة، تستعمل كمطية لبلوغ المآرب، ومن هنا جاء عدم تقييمنا لشعر المدح الذي قاله أصحابه وهم يتمسحون بالأعتاب لقاء صلة رخيصة من مال أو متاع.
أول ما يجب أن تتسم به العاطفة الصحيحة هو الإيحاء، ولذلك كانت الآثار الفنية أشد إيحاء من غيرها لتعدد المؤثرات التي تتضمنها، قابل بين صورة شمسية لأحد المناظر الطبيعية وأخرى فنية للمنظر نفسه، تجد أن الصورة الفنية أكثر إثارة لأحلامك ومتعتك وتفكيرك لتعقدها وتعدد المؤثرات فيها بما أضاف إليها الفنان في شخصيته ونظرته الخاصة.
إن الأشياء القديمة نبع من الإيحاء لما لها من قدسية وهيبة، وروعة وجلال، لذلك يتلقاها الإنسان وقلبه خائف وجل، بعكس الأشياء الحديثة، وسبب ذلك أن الوحي يعتمد على الغموض، والماضي بطبيعته أكثر غموضا من الحاضر، ومن هنا كان الكلاسيكيون واضحين صريحين، إذ يخاطبون العقل الإنساني خطابا مباشرا، أما الرومانتيكيون فيكثرون من التلوين والتصوير لأنهم كانوا أكثر اتصالا بالمتاحف والآثار والنقوش والفنون، وبالإجمال كما ازداد الفن غموضا زادت فيه قوة الإيحاء، ولهذا كانت الموسيقى إيحاء صرفا لأنها لا تقول شيئا، بل توحي إلى السامع مشاعر مختلفة، والرمزيون عندما قرنوا الشعر بالموسيقى إنما أرادوه إيحاء خالصا، وجعلوا الغموض أهم ميزاته.
ثم يجب أن تكون العاطفة الأدبية باقية الأثر، دائمة لا موقتة سريعة المفعول.. ولا يتيسر ذلك في العمل الأدبي إلا إذا كان فيه وحدة شعورية، فالقطع الشعرية التي لا تجعلها وحدة شعورية، فالقطع الشعري التي لا تجمعها وحدة في الموضوع والشعور تكون ذات متعة سريعة ولذة آنية، نسمعها فنعجب بها ولكننا سرعان ما ننساها وننسى صورها التي مرت بخاطرنا مرور الحلم... بعكس قصائد الغزل والأشعار الغنائية، فهي تتمتع بنصيب كبير من العاطفة، ويطربنا لحنها الشجي الذي يتصاعد من رنات مقاطعها وذكرياتها المثيرة.
والعاطفة الأدبية سليمة، صحيحة، متزنة، غير شاذة ولا متحرفة، لأن الأدب فن، والفن يأبى أن يكون رخيصا يباع ويشرى، ويأبى أن يكون منحرفا مائعا، فالعواطف التي تكون من باب الزفرات والتنهدات والآهات عواطف مائعة، مريضة، ليست من الفن في شيء ولذلك يقول الفيلسوف كروتشي: «إن التعبير العاطفي ليس من الشعر في شيء لأن ميزته التأوه، والتنهيد، والمبالغة، والغلو العاطفي» وقد تسرع كروتشي، فنفى أن تكون العاطفة من عناصر العمل الفني لأن الفن في نظره انضباط ونظام، والعاطفة تشويش واضطراب، وهو القائل: «لا يمكن للشعر أن ينقل العاطفة أو يقلدها لأن العاطفة تشويش واضطراب والفن نظام وشكل».
والواقع أن الشعر، عكسا لما يقول كروتشي، ينقل العاطفة نقلا.. يهدئها ولا يثيرها، لأن من طبيعة الفن أن يعدل العواطف، ويظهرها في شكل الخيال والتصوير، لا التأوه والتنهيد، ثم يسترها وراء براقع الأحياء والغموض.
نيست قيمة الفن في أن يهيج عواطفنا، وينبه أحاسيسنا، لأن التأثير الشديد يجمد الخيال، ويخرس التعبير، ويحد من سيلان الذهن، ويشغلنا لا بأحاسيسنا عما سواها فحسب بل يشغلنا حتى عن وضعها والترجمة الصادقة عنها ولذلك كان الأدب العاطفي الكثير الهوس والهياج أدبا رخيصا مبتذلا، ويعتقد «سعيد عقل» في مقدمة قصيدته «المجدلية» أنه «لم يقم اثر فني أو عمل عظيم في حالة هياج فالفن نتيجة الهدوء، وعمل لا واع».
لعل خير ما يفصل في هذا الموضوع رأي دي غرامون ليبار الذي ينظر إلى العاطفة الأدبية نظرة معتدلة، فيرى أنها لابد أن تكون عنصرا من عناصر العمل الأدبي، ثم يشترط ألا تكون مشوشة، مضطربة ولا مائعة رخيصة، وهو ينهي عن الغلو في خلق الصدف والمفاجئات في الأدب القصصي العنيف، ويلقى أحكامه النقدية بهدوء وروية قائلا: «قد يحدث التأثر بصورة كلية، دون أن يكون هذا التأثر لذة استاطيعية «جمالية» فالهياج النفسي إذا ما بلغ حدا ما قضى على اللذة، وهو ما نراه في «لمسرحية السوقية» التي تبالغ في عرض الفواجع والمفاجئات، وفي الروايات البوليسية، وسائر الأدب الحساد العنيف الذي يجعل المشاركة الشعورية ألما لشدة التأثر، ومن هذا النوع المهيج «رقصة البطن» التي رغم براعتها، تخلو من الفن، ومشاهدة عراك الثيران، والمصارعات الدامية، والألعاب الخطرة، ومشاهد القتل والتعذيب المسرحي، ومن الخطأ أن نقيس الجمال بمقدرته على أثاره العواطف.
للعاطفة إذن حدود يجب ألا تجتازها، لأنها باتساع المدى الانفصالي تقضي على اللذة الجمالية، وربما أحدثت انقباضا كما رأينا في المسرحية السوقية، ونعرف لهذا أكثر من مثل في الحياة الإنسانية، فلو كنا نشاهد طفلا يغرق، فإننا للوهلة الأولى، نشارك والدية شعورهما، أما بعد أن نرى جنون عاطفتهما، وهياجهما فإن الشعور الذي كان يخالجنا يضيع، بل ربما تحول الشعور إلى نوع آخر مغاير، فتنقبض النفس وتتقزز لإسراف الأبوين في إظهار عاطفتهما أكثر من الحد الطبيعي الذي يحتمل أن يبديه والدان في مثل هذه المواقف، ولذلك يخشى في التمثيل المسرحي إظهار التعذيب الوحشي من الممثل الذي لا يبغي الإيلام، بل إمتاع المتفرجين، فتضيع الغاية عليه.
إن المياعة في الأدب كالمياعة في الفن تهبط بقيمة إلى الحضيض، فالكلمات الطنانة المبتذلة لا تستطيع أن تهب الأثر الفني قدرة على الخلود، والمفروض في الأدب أن يكون أساسه صحيحا لا باطلا أو مزيفا، وما العواطف المائعة سوى أساس مزيف من أسس الأدب، صحيح أن الإعجاب قاعدة من قواعد الفن الجيد ولكن ألا يثار إعجاب أحيانا من عرض ألعاب نارية، و تنظيم الحوانيت في شارع من الشوارع؟ بيد أن العاطفة التي من هذا النوع ليست عاطفة شعرية لأن الأساس الذي بنيت عليه فاسد... وإنما العاطفة الشعرية في انعقاد الزهرة تم تفتحها، في ظهور هذه القوة الروحية التي تعمل في تكوين الزهرة، وما في ذلك من جمال حي لا ينتهي معه الإعجاب.
المهم أن المياعة العاطفة الأدبية شيء مبتذل حتى ولو قصد منها صاحبها الإصلاح والتوجيه، ولذلك كنا لا نرحب بالأدب المتشائم، ولا بالأدب الزاهد لأنه يقطع ما بين الإنسان والحياة من صلات، ويرينا الجانب الأسود من الدنيا، ويعرض لنا مآسيها، ويخلق عندنا نوعا من التبرم والنقمة، مع أن الحياة ليست مأساة فقط، بل هي ملهاة تتخللها أكثر ما تتخللها، النظرات المشرقة.
ومن صفات العاطفة الأدبية أن تكون متنوعة، ذات مصادر واسعة شخصية كانت أو موضوعية... فإذا رأى أحدنا لوحة طبيعية فيها أشجار وصخور وأشخاص وبيوت، كان لابد له أن يتساءل عن الدافع الذي حدا بالرسام إلى إخراجها على هذا النسق. وأخيرا يعرف أن النسق الظاهر في اللوحة إنما كان نتيجة لظروف الفنان الشخصية والعقلية، حتى ليقول روسو: ( أن اللوحة الواحدة تصور بأشكال مختلفة تبعا لاختلاف الحالات الداخلية في نفوس الناظرين، فتباين أوضاع الصورة من مرة لأخرى عند الشخص نفسه إنما يعود للظروف التي أحاطت به. ونحن أيضا لو نظرنا إلى لوحة اليوم، ثم نظرنا إليها في الغد لكانت نظرتنا مغايرة كل التغاير، ولأوحت لنا اللوحة غير ما أوحت بالأمس، ومن هنا جاء قولنا: «إن الفنان ابن ظروفه». 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here