islamaumaroc

العدد الماضي في الميزان

  دعوة الحق

83 العدد

تقدم إلي الأخ الأستاذ محمد بنعبد الله رئيس تحرير "دعوة الحق" بالعدد الماضي وهو يطلب إلي أن أنجز وعدا طالما ترددبيني وبين المشرفين على إصدار هذه المجلة، وهو نقد العدد الماضي، وأردف الأخ بنعبد الله طلبه بالحديث عن مقال للإستاذ زكي المحاسيني (هموم النقد) وقد أهداه إلى الأسستاذ عبد.
وقد وأعدت ووعد الحر دين، وحينما عدت إلى العدد الماضي كان أول ما قرأته مقال الأستاذ زكي المحاسيني (هموم النقد) وقد أهداه إلي الأستاذ عبد المجيد بن جلون، أنها أذن مناورة أو مؤامرة تمت بين أطراف ثلاثةكلهم عزيز علي وكلهم صديق لي هم رئيس تحرير المجلة والأستاذان ابن جلون والمحاسني.
الأستاذان ابن جلون والمحاسني اتفقا معا على (أننا لم نبلغ بعد مستوى ثقافيا يستتوجب قيام النقد بيننا،فإن رواج الأدب ما يزال محدودا... وإذا كان القارئ العربي في هذه البلاد مايزال في حاجة إلى التشجيع على القراءة والترغيب فيها، فلعل من الأنسب أن نترك له تلمس الطريق والانزعجه بالنقد) من مقال ابن جلون.
(لقد تأبى هذا الأديب  المطبوع، على الظلم في القلم ومباسم الكيد في النقد فترفع عن أسقاف طغمه يعلك أكبادها الحسد، وتنتشر الصفرة على وجهها من ضيق النفس وتخوص العيون لحرمانها الفكري، فهي كالعقارب تجعل حتما في أقلامها، وما شأن كاتب يجول في آثاره الناس، فيقول للواحد أحسنت وللثاني أسأت وهو دونهم، وينفس على المحسن جميل صنعه ويبيت ليله شأتما ويراه الناس متجنبا ظلاما). من مقال المحاسني.
بعد هذه الدعوة المثيرة ضد النقد والنقاد يطلب مني أن  أنصب ميزانا لنقد العدد الماضي، أنني أخشى أن تكون أسلحة النقاد قد فلت ووهنت حدتها، وأخشى مع هذا أن يقبر النقد إلى الأبد، جناية من المتجنين على النقد الذين أثاروا الأستاذ المحاسيني، وهو بعد شاب طري العود، فما يزال به أثر من كيدهم وقد عز عن أن يكون مرمى لسهامهم لما أجاد وأبدع وجد وألف.
ولكني وعدت أن أنصب للعدد الماضي ميزانا وما ألفت أن أخاف وعدا، فليكن شفيعي عند الأستاذين أني لست من (طغمة يعلك الحسد أكبادها) وأني أود أنأبدي رأيا لا أدعي له كمالان ولا أحاول أن ألزم به أحدا من الناس، فهو ميزان أرجو أن يكون عادلا، والعدل عادة لا يثير وأن لم يرض كل الرضى.
أعتقد أن مجلة (دعوة الحق) يجب أن تأخذ طريقها الذي ترسمه بإجهاد سواء فيما تتشره من أبحاث إسلامية أو أدبية أو علمية وافية أو من قصائد وقصص، ولكن الميزان يختل في يديها   أحيانا فتنشر مقالات وأبحاث دون المستوى الذي تهدف إليه وتتغياه، ومن أجل ذلك ما تزال ترتفع بفكرك في بحث قيم يأخذ بأسباب البحث من عرض للموضوع واستعراض لادلته واستنتاج للفكرة التي يهدف إليها الباحث، ثم تنزل بفكرك إلى موضوع عادي بسيط يتناوله قلم عادي بسيط، أو موضوع خطابي وعظي أو قصيدة ساذجة وقد تكون طنانة اللفظ مدوية التعبير يسمع لدويها رعد كما يسمع من طبل ضخم فارغ.
هذا الانسجام المنعدم بين جيد الأبحاث والقصائد ورديئها لا أسمح لتفسي أن أغفره للمجلة ولا أن أتغاضى عنه في العدد الماضي مني على الأخص، فقد كسبت المجلة احتراما كبيرا لدى قرائها، وعلى كتابها أن لا يحرجوها لتتمكن من الاحتفاظ بهذه المكانة.
ولن أشير إلى أحد من الناس ولا إلى إنتاج من هذه الانتاجات التي اعتبرها دون مستوى المجلة، فلعل كتابها يعرفون ذلك. قبل غيرهم، أما القراء فهم ولا شك مدركون.
ففي العدد الماضي-كما في سائر أعداد المجلة- قسم للدراسات الاسلامية، وأني لأقبل دائما على هذا القسم إقبالي على حوض بارد ساعة قيظ لافح وعطش ملهب، ولكني اصطدم دائما (بدراسات ) خطابية يمكن أن تكون مادة لخطب الجمعة ولا تدخر لمجلة خاصة الدراسات الاسلامية، وشؤون الفكر والثقافة تصدر مرة كل شهر أو شهرين، قراء المجلة –فيما ترجو- على مستوى من الثقافة يرتفعون به عن هذه المادة الخطابية أو الموضوعات التعليمية التي ملات هذا القسم من المجلة، وأني لاستثني بحث الدكتور الهلالي الذي استطال حتى بلغ سبعا من المقالات، فهو بحث تتوفر له أسباب البحث والاستقصاء  ولكن جدير ببحث يبلغ عدد أجزائه سبعا ثم يزيد أن ينشر في كتاب لا في مجلة سائرة لا يستطيع فيها القارئ أن يصل حيل أفكار الكاتب وقد فرقت بينها  شهور ذوات العدد.
وبهذه المناسبة أعتقد أنه من المستحسن في الأبحاث التي تنشر في المجالات أن تكون تامة الموضوع غير منجمة ولا مقسطة حتى لا يلفت زمام البحث من فكر القارئ فينصرف عن تتبعها، ينطبق ذلك على بحث الدكتور الهلالي كما ينطبق على بحث الأستاذ زنيبر عن نجيب محفوظ ولا أظنه ينطبق على الأبحاث التي تستقبل بنفسها كبحث الأستاذ عبد الله كنون في نقد المنجد.
وأعود إلى الدراسات الإسلامية في العدد الماضي فأجد الفكر التي دعا إليها الأستاذ الهراس من توحيد الدعوة الإسلامية فكرة جديرة بالإعتبار، ولكن الدعوة إلى مؤتمر لا تكفي لإخراج الفكرة إلى حيز الوجود، فيجب أن تتوفر قبل أي مؤتمر جهود الباحثين إلى ربط الدعوة الإسلامية بالحياة عن طريق العلم والبحث لا عن طريق الإرشاد والوعظ لنجعل من دعوة الإسلام رسالة حية تعيش مع الناس ولا تكتفي بوعظهم أو ببيان أهمية الإسلام كعقيدة ودين، فذلك شيء أعتقد أنه مفروغ منه، ومن المؤسف  أن تكون الجماعات الإسلامية التي أتبثت في أرجاء العالم الإسلامي لم تع بعد رسالتها، ومن المؤسف ألا تكون قادرة على القيام بهذه الرسالة، ولهذا أعتقد أن المؤتمرات لن تكون مجدية لتحقيق فكرة توحيد الدعوة الإسلامية.
وفي قسم وفي قسم الدراسات الإسلامية من العدد مناقشة عن ثقافة القرآن والثقافات العالمية في جزئها الثاني وما يزال الأستاذ الحمداوي فيها يناقش الأستاذ الوزاني عن معنى عنوان مقاله: هل يريد به كذا...وسياق الحديث يقتضي كذا... الخ متى.. متى يهدف الباحثون والكاتبون منا إلى الهدف رأسا دون مقدمات؟ ومتى نتخلص من تأثير ثقافة الكتب الصفراء التي نتفق معها عمرا من عمرنا ونحن نحاول أن نفهم معنى عنوان يتركب من مضاف ومضاف إليه، هل الإضافة فيه معنوية أو ليست محضة معنوية..؟
هذا النوع من المناقشات لا يغزي بقراءة المقالات، ولذلك أرجو مخلصا أن نقتصد فيما نكتب وأن نهدف إلى الهدف مباشرة فذلك أجدى حتى على الكاتب نفسه.
التعريف الذي أفتتح به قسمالدراسات الاسلامية لكتاب (قصة الإيمان بين العلم والفلسفة والقرآن) تعريف ورد في شكل رسالة من الشيخ طه الوالي إلى الأستاذ الشيخ نديم الجسر مؤلف الكتاب، ولكنه وأن وفت به رسالة لصديق فإنه لا يفي بالتعريف بهذا الكتاب القيم الذي يعتبر منأحسن ما ألف لتبيان تدرج فكرة الإيمان عند العلماء والفلاسفة وفي الكتب السماوية، وقد بذل الأستاذ نديم الجسر جهدا مشكورا في هذا الكتاب حتى استطاع أنيجمع فيه كل الأدلة المنطقية والعقلية والعاطفية والعلمية التي اهتدى بها العلماء والفلاسفة على اختلاف عصورهم إلى الإيمان، وليس هو نقلا أو استعراضا فحسب، ولكنه دراسة ذاتية صاغها الشيخ نديم –أمد الله في حياته- في أسلوب قصصي ممتع.
وإذا كان الكتاب لم يأخذ مكانة بين الكتب العالمية رغم أن المؤلف طبعه على نفقته ومنع بيعه، بل أنه أعلن عن استعداده لإرساله مجانا لكل من يطلبه فلان الكتب القيمة ما تزال تجتاز أزمة الجحود بين القراء العرب.
أعتقد أن القسم الثاني منالعدد (قسم الأبحاث والمقالات) يدعوني لأن أنظر فيه نظرات أخرى جد سريعة.
وأبادر إلى القول بأن الأبحاث الأدبية تمتاز عادة في( دعوة الحق) بقوتها ومتانتها وتوفر الباحثين فيها.
على كل عناصر البحث وأسلوبه،  فهي تمثل في الغالب ما يمتاز به الباحثون المغاربة في الشؤون اللغة والتاريخ والأدب من صبر ومجالدة على المراجعة البحث، ولو تقصتهم أحياتا جدة الاستنتاج، وتقديم شيء حديد إلى العلم.
وليس كذلك الملاحظات التي ينشرها تباعا الأستاذ عبد الكريم كنون على (المنجد) بل هي تعتبر صادقا عن المجهود الذي يبدله هذا العالم الكبير في الأدب واللغة والتاريخ على السواء والتصحيحات التي يقوم بها للمنجد تكتشف عن أخطاء لغوية وتاريخية وقع فيها مؤلفو هذا  المعجم الذي لا تخلو منه مكتبة تلميذ أو مدرس أو أستاذ.
وكم أود لو جمع الأستاذ كنون أبحاثه هذه وأطلع عليها مؤلفي المنجد حتى يتلافوا مثل هذه الأخطاء في الطبعات القادمة.
والموضوع الذي طرقه الأستاذ عبد المجيد بن جلون (توحيد اللغة العربية) يعتبر من الموضوعات  الحية التي تعني بها البلاد العربية جميعها، ويهتم بها معظم المثقفين العرب، وقد طرق الموضوع كم جهاته المختلفة وهو يستهدف إيجاد لغة موحدة في ألفاظها بين سائر البلاد العربية، الفكرة سامية هادفة ولكني أناقش رأيين أثارا انتبهي في  هذا المقال الجيد:
الرأي الأول: أسقاطه المعاجم من  مجال أحياء اللغة العربية وتوحيدها، فقد قال: (أن اللغة لا يضعها المدونون ولا يبحثون عنها في المعاجم القديمة...بينما تسيطر علينا نخن فكرة أحياء الألفاظ القديمة والتنقيب عليها في بطون معاجم مرت على وضعها مئات السنين بالضبط كما لو كنا نبحث عن مواليد في مقبرة)، وقال وهو يخطط طريق إحياء اللغة وتوحيدها: (... وإعادة المعاجم القديمة إلى رفوف التاريخ لتكون مصادر تاريخية، أما أن تكون مصادر لغوية فلا...).
أعتقد أن الأستاذ عبد المجيد ذهب به الحماس للإحياء إلى درجة الثورة حتى على بعض وسائل الأحياء، قيمة المعاجم في  الأحياء لا تنكر، فهي تمدنا بمادة لا يمكن أن نجدها في أفواه الذين اختلطت ألسنتهم بالعجمي كما هو الأمر في جميع أنحاء العالم العربي، هي مادة خام حقيقة ولكن دور المثقفين هو صقلها وأخرجها من المتحف إلى الحياة، لا يمكن أن ينكر الأخ عبد المجيد خطورة الاعتماد فقط على لسان المتكلمين بهذه اللغة لإحيائها وهو لسان مختلط ما تزال اللغات الأجنبية تنال منه وتشوه صفاءه، ولن يبيح هو نفسه لباحث عراقي أن يسجل (كلاس) بمعنى الكأس على أنها لغة حية وهي كلمة إنجليزية صميمة دخلت  اللسان العربي العراقي بحيث أصبحت أشهر وأعرف من كلمة كأس عند الناطقين بالعربية في بلاد الرافدين، ولا يمكن أن يسمح لإدخال كلمة (تانت) بمعنى خالة أو عمة وأخدها من أفواه الناطقين بالعربية فليس مصر، ولا كلمة (سيمانة) بمعنى الأسبوع وأخذها من أفواه الناطقين بالعربية في المغرب.
ثم أن المعاجم هي التي ساهمت في أحياء اللغة العربية معيتة (الجهود الفردية الجبارة التي بذلت خلال المائة سنة الماضية، بذلها العلماء والأدباء والشعراء والمترجمون، أعادت إلى اللغة بريقها، وجعلتها قادرة بصفة عامة على التعبير عن أدق المعاني بأجمل الألفاظ) كما يقول عبد المجيد نفسه، ولو اعتمد هؤلاء العلماء والأدباء والشعراء على أفواه الناس فقط لما كان للغة العربية هذا البريق الذي أخرجها من عصر التخلف إلى عصر الحياة، لقد كانت المعاجم في ساعدهم، وهي ككل شيء قديم يمدك بالمادة الخام لتصنع منها أنت بعد ذلك تحفة رائعة.
أما الرأي الثاني: هو خوف الأستاذ عبد المجيد من المترادفات، ورغم أني لا أومن بأن اللغة العربية فيها من المترادفات، ورغم أني لا أومن بأن اللغة الغربية فيها أنت المترادفات ما سجل على أنه من المترادفات، فقد أخذت في كثير من الأحيان صفات أو نعوت لمسميات فسجلت في كتب المتأخرين على أنها أسماء ومترادفات، وهذا غلط فادح وقع فيه كثير من الذين دنوا اللغة العربية، ولا يمكن أن توخذ اللغة العربية بهذه الجريرة وإنما يجب أن تعود الأمور إلى نصابها، وأن اقتضى الأمر التخلي عن هذه الأسماء والنعوت.
ثم أنه لا خوف من تعدد أسماء بعض الأشياء في اللغة العربية رغم أن توحيد الأسماء والمصطلحات أفيد وأكثر توثيقا للصلات بين الفكر العربي في شرق الوطن العربي وغربة.
ومن الأبحاث التي تسترعي النظر في العدد الماضي البحث الذي كتبه الأستاذ محمد العربي الخطابي وحاول فيه –بعد مقدمة طويلة حوت كثيرا من الأفكار العامة المسلمة- وضع أسس لتخطيط عام للتعليم والتربية وإذا كانت هذه الأسس تخص التعليم أكثر مما تخص الثقافة والبحث العلمي فيبدو أن العنوان كان أكبر من المقال، وأنه ما يزال بتطلب تخطيطا لميثاق خاص بالثقافة والبحث العلمي إلا إذا كان الكاتب –وهذا ما لا أظنه- يعتبر التعليم هو الثقافة وهو البحث العلمي.
وقد أورد الأستاذ الخطابي كثيرا من الأفكار ونقل كثيرا منها عن كتاب أجانب، ويبدو في بعضها شيء من التناقض، فهو إذ يقول: (أن من محكمة أن تحذر الدول النامية الوقوع في أخطار قد تؤدي بها إقامة مجتمع آلي مفكك تنعدم في أفراده روح الأصالة والابتكار وتعوزهم الدعامة الفكرية والتربوية اللازمة، فيصبحون بذلك مجرد رؤوس محشوة بمعلومات جافة وأجسام تحركها مطالب العيش المادية الصرف) إذ يقول ذلك ينقل على الأثر عن السيد نوارير سياكيان هذه الفترة: (يجب تخطيط التربية للزيادة من فعاليتها، على أن تراعي في هذا التخطيط التربية للزيادة من فعاليتها، على أن تراعي في هذا التخطيط جميع العوامل الاقتصادية والاجتماعية والديمغرافية والجغرافية والأدبية وغيرها، بمعنى أن يكون تخطيط التربية وثيق الارتباط بالتخطيط العام للإنماء الاقتصادي الوطني).
أليس في الاتجاهين اللذين تشير إليهما الفقرتان بعض التخالف إذ الفقرة الأخيرة تهدف إلى تكوين الآلات المنتجة التي تحركها مطالب العيش المادية الصرف بينما الأولى تنكر على أي نظام للتربية هذا الاتجاه؟
ويلتقي الفكر العربي من مشرقه إلى مغربه عند البحث الذي كتبه الكاتب المصري الذي يعمل جاهدا لتاريخ الثقافة العربية وبالأخص في مغربنا العربي لا الأستاذ أنور الجندي عن المؤرخ التونسي المرحوم زين العابدين السنوسي في مجلة تصدر بالمغرب هذا الوعي بوحدة الثقافة هو الذي يدعم الوحدة العربية المنشوذة، ويسعدنا أن يمثل هذا الشعور نخبة من المثقفين في العالم  العربي في مقدمتهم الأستاذ أنور الجندي الذي يغني المكتبة العربية بأبحاثه وكتبه القيمة، وقد تفضل فعرف قراء المغرب بهذا المؤرخ الأديب التونسي الكبير الذي نرجو أن تجد آثاره المطوية سبيلها إلى النور.
أما الأستاذ زنيبر فهو ما يزال يحلل ثلاثية نجيب محفوظ، وإذا كان لهذا التحليل المدرسي من قيمة في تفهم الرواية واستجلاء غامض أهدافها فقد كانت أفضل أن تتجه إلى تحليل نقدي تظهر فيه ذاتية الكاتب وتغنينا عن تكرار الصور والمواقف التي قرأناها في الرواية نفسها أما الذين لم يقرأوا الرواية فلن يفيدهم هذا التحليل إلا إذا كان يبعث في بعضهم الشوق إلى قراءتها.
وعلى ذلك فالبحث الذي طال حتى استوفى حظه في ستة أعداد من المجلة ليس بحثا نقديا ولكنه تحليل واقعي للثلاثية وللظروف الاجتماعية التي كتبت فيها.
ويأتي بحث المعرفة في الإسلام الذي كتبه الأستاذ حسن السائح في مقدمة الأبحاث الناجحة التي  تضمنها هذا العدد فقد عرض لطرق المعرفة عند الفلاسفة ولاختلاف الدهنيات في الوصول إلى المعرفة تم عقب على ذلك بأنواع المعارف الإسلامية وطرق الوصول إليها.  وإذا كان البحث يدل –كما هي دائما أبحاث الأستاذ السايح- عن إطلاع واستقصاءـ فإن ذاتية الكاتب لم تظهر في هذا البحث، وأظن أن لشهرة الموضوع ولكثرة ما تداوله الباحثون أثرا في انسحاب ذاتية المؤلف ليترك المجال للذين كتبوا وألفوا من قبل، على ذاتيته لم تختلف في طريقة العرض، بل ظهرت بارزة في استطاعته أن يعرض لموضوع ضخم كهذا في مقال لا يعدو أربع صفحات من دعوة الحق.
الموضوعات التي يختارها الأستاذ البرجالي لحديثه السياسي موضوعات جد قيمة، ولكن الظاهرة العامة فيها هي الطول، فالموضوعات السياسية في مجلة علمية شهرية ليست في حاجة إلى مقدمات وإلى حشر معلومات عادية يستطيع القارئ –والمفروض أنه قارئ مثقف- أن يلم بها في قراءاته الأخرى أو في قراءاته اليومية.
ونصل إلى ديوان المجلة فنجد أن الشعر ولو أنه امتاز بأسلوب سليم صاف رائق إلا أن طابع الخطابة فيه يفقده روح الشعر، فشعر المدح فيه قد يشم ولا يفرك كما كان يقول القدماء، من الجائز أن يثير عند الإلقاء بعض الإعجاب ولكن هذا الإعجاب يذوب عند القراءة، فلا يبقى أمامك إلا ألفاظ طنانة، ومعاني في المدح ساذجة، ولذلك يعتمد شعر المدح في الديوان على الأوزان الخطابية و القاموس الخطابي وأسلوب الخطاب الذي يستعمله الخطباء عادة عندما يتجهون إلى من يخاطبون لإثارة انفعالهم أو اكتساب إعجابهمـ فإذا خرج هذا الشعر من مجال الخطابة إلى مجال القراءة انعدمت كل تلك المؤثرات الخارجية فضعف الشعر –كشعر مجرد- عن أن يدافع عن نفسه. وهذا هو الفرق  بين الخطاب المرتجل الذي ينتهي بانتهاء وقت إلقائه، والشعر الباقي الذي يخلد على الدهر واعتقد أن هذا الشعر الذي يعتمد على المؤثرات الخارجية لن يخلد مع القصائد الخالدات، بل سينتهي عندما ينتهي الشاعر من إلقائه.
وتأتي  الصورة الطريفة الخفيفة التي يقدمها الأستاذ عبد المجيد بن جلون كشعر يعتمد على التصوير والبساطة في الأداء، فلا مقدمات ولا إضافات وإنما هي.
رسام أخذ القلم ومر بخطوطها العريضة بحيث لا تخطئ العين الصورة وهي تقرأ القطعة الصغيرة، وتذوب الصورة أن أنت حذفت منها بيتا أو شطرا أو كلمة.
ما أحوج الشعر العربي الحديث إلى مثل هذه الصور.
 وتأتي القصيدة الغزلية للشاعر عبد الكريم التواتي أسلوب جميل وانتقاء للألفاظ والتعابير جدير بالغزل، ولكن ما هي الصورة التي قدنها عن دنياه التي دغدغت الحياة، ودنياه التي تتناجى نهداها، ودنياه التي يتمايل قرطها فيداعب جفنا للسيوف البواتر، ودنياه التي إذا مسته أناملها دغدغت أوهامهـ ودنياه التي بعثرت الشعور (جمع شعر بفتحتين) فظلت جبينا تهاوي دونه مل بأثر... إنه غزل من نوع الغزل القديم الذي ما كان المتغزلون يرون في حبيبتها غير العين والجيد والنهد وما تحت ذلك، والمقابلة بين فعل العين وفعل الشعر (بفتحتين كذلك) وفعل السيوف البواتر، مع أن السيوف لم تعد بواتر كانت أو غير بواتر.
وتاتي قصيدة خطبية أخرى للشاعر المدني الحمراوي مطلعها:
ذكروا الجيل  أنه كاد ينسى            كل ذكرى لزمرة الأبطال
لقد فررت من خطابة المقال إلى الشعر فقرع أدنى بالنصائح والخطابات فأنا أكاد أطوي العدد الماضي لا تطلع إلى العدد القادم، ولكن مهلا فما تزال بالديوان قصيدتان: (تسائلني) للشاعر إبراهيم السولامي (بواو بعد السين) و (المال) للشاعر محمد العلمي، الأولى قطعة غزلية وفر لها الشاعر الحركة التي تناسب مع موقف التساؤل، كانت هذه الحركة في اختيار الألفاظ والوزن، ولكن كان من واجب الشاعر أن يوفر لها الصورة كذلك فالموضوع هو تساؤل الغز هل أحب الناس مثل حبة، فكان على الشاعر أن يحتفظ بهذه الغرارة فلا يدفع في وصف العيون والجبين والأيدي هذا الوصف الذي جعله يقبس من هنا وهناك فيضيع جمال الصورة.
أما (المال) فهي قصيدة تشبه لأمية ابن الوردي رغم أهمية موضوعها، ولكنها كانت معنى ولفظا وأسلوبا لا تمت للشعر بصلة.
الديوان في مجموعة 12 صفحة من المجلة أقنعي بأن الشعر ما يزال دون المستوى وعلى المجلة أن تختار حتى توفر لديوان دعوة الحق نفس المستوى الذي توفره للأبحاث.
وهكذا كان العدد الماضي حافلا ولكن ينقصه الانتقاء والاحتفاظ بالمستوى سواء في قسم الدراسات الإسلامية أو الدراسات الأدبية أو الشعر، وقد عرضت بعض الرأي في كثير من مواد هذا العدد وأمل ألا أكون قد أغضبت أحدا، فالذين قبلوا أن يظهروا بإنتاجهم مجالا للملاحظة، والنقد لا ينبغي أن يغضب أحدا فهو لا يزيد على إبداء رأي أدبي يستند إلى حجة من فكر أو علم أو ذوق، وأرجو أن يفسح الإخوان الكتاب والشعراء صدورهم لمثل هذه الملاحظات التي لم يدفع إليها (كيد في النقد ولا حسد يعلك الأكباد) وإنما هو ميزات عدل نصبته المجلة فوزنا بالقسطاسـ فإن كان عدلا ما وزنا فلم تزد على أن أدينا رسالة من رسالات العدالةـ وأن كان غير عدل فالشفع له حسن نية وصدق توجيه.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here