islamaumaroc

منابع الشعر وحقيقة الشاعر -1-

  دعوة الحق

83 العدد

بكل سرور أتوجه بالتحية إلى جمعيتكم الفتية وأقدم لها شكري على دعوتها الكريمة التي أوحت بها روح نزيهة مخلصة، روح متطلعة إلى إيقاظ الهمم الفكرية، وبعث القرائح النائمة من مراقدها، والاستزادة من تعميم الوعي بما يفرضه علينا العصر من مجهودات صادقة في ميدان العلم والأدب والمعرفة بمعناها الأوسع، تلك المجهودات التي ترتبط لزوما بكفاحنا من أجل الحرية والديمقراطية، ومن أجل الغد الذي تصبح فيه للمواطنة حقوقها وحرمتها. ولا ينبغي أن ننسى أبدا أن المثقف المغربي، وعلى الأقل في الظروف الراهنة، يحمل مسؤولية كبيرة إزاء شعبه وإزاء الأجيال المقبلة، فعليه يتوقف خلق مغرب جديد في كل شيء: في سياسته، في اقتصاده، في ثقافته، وتلك مهمات كبيرة ونبيلة لا يستطيع المثقف أن يواجهها وأن يضطلع بعبئها إلا إذا كان يحمل روحا ثورية وبناءة، في آن واحد.
وإن المبادرة التي تقوم بها جمعيتكم، والتي تشرف هذه المدينة الشاعرة بأصالتها وطابعها، وتشرف شبابها الحي الناهض، لتدخل في هذا الاتجاه الإيجابي، إذ ستجعلنا - ولربما كان ذلك لأول مرة- نحاسب ضمائرنا ونلقي نظرة جدية على أحد الأبواب الرفيعة في الثقافة والأدب، والذي كان هو العنوان الأول لوجود أجدادنا العرب في التاريخ، وديوانهم الذي تغنى بملاحمهم ومفاخرهم، ألا وهو الشعر.
وبعد تعاقب القرون والأحداث الجسام، وتقلبنا من أطوار النهوض والصعود إلى أطوار الخمول والانحطاط، ومن أطوار السبات إلى أطوار الوعي واليقظة، يحق لنا اليوم أن نتسائل: هل لدينا شعر؟ وما قيمته؟ وما هي المناهج الجديدة التي يجب أن نتبعها لننهض بشعرنا وتكون لنا مساهمة ملحوظة في هذا الفن الرفيع؟ وكل هذه أسئلة لا تخفى أهميتها، وتستحق منا كامل الالتفات والانتباه، لا لأن الشعر هو كل شيء في الحياة، ولكن لأننا نعلم من استقراء تاريخ الشعوب أنه أحد عناوين نهوض الأمم وحيويتها وشخصيتها وصفاء روحها. وماعلينا إلا أن ننظر قليلا إلى الأمم الكبرى في العالم لنرى المنزلة الرفيعة التي يحتلها الشعر لديها، سواء في الأوساط الشعبية أو في أوساط رجال العلم والثقافة والتسيير.
وتلبية لهذا الاهتمام النابع من ضمائركم المخلصة، جئت لأقدم لكم بعض الآراء الشخصية، راغبا في أن تنال حظها من المناقشة حتى يتبين لي صحيحها من سقيمها، وحتى نخرج منها بفكرة أو بأفكار ممحصة قد نسترشد بها في أعمالنا المقبلة.
وغني عن البيان أن الحديث عن الشعر ذو شجون، وأن موضوعاته كثيرة لا تنحصر، منها ما سالت فيه دماء الأقلام بسخاء، ومنها ما ران عليه السكوت عندنا حتى اليوم. ومازال الشعر في أوربا يستأثر بجانب كبير من اهتمام النقاد والأدباء والفلاسفة وعلماء الجمال ورجال التحليل النفسي، دون أن يجد من بينهم أحد سبيلا إلى الادعاء بأنه استوفى الموضوع حقه أو أنه وضع النقطة الختامية في هذا البحث الذي ظل دفتره مفتوحا منذ أن نطق الإنسان الأول بالكلمة الشعرية.
وأنا لن أتحدث لكم اليوم عن التزام الشاعر مثلا، إذ طالما تطرقت إلى هذه المسألة في أبحاث أخرى، وأنا لا أحب أن أكرر نفسي وأدور على فكرة واحدة في كل ما أتناوله من الموضوعات، ولن أتحدث لكم عن تطور الشعر العربي، ولا عن اتجاهاته المعاصرة، ولا عن الشعر في المغرب، فكل هذه موضوعات راجت لدينا فيها بضاعة كثيرة، وإن كان هذا لا يعني أنها غير جديرة بالعناية وأن الكلام فيها قد انتهى.
وقد فضلت أن أسامركم في موضوع يظهر لي أنه طريف بالنسبة إلينا، ولربما اقتضت طبيعة هذا البحث أن أسلك في بعض الأحيان سبل التعقيد والإبهام، وأنا على أي حال مستعد لأن أفسر ما عسر فهمه أو ما اشتبه معناه، والموضوع هو:

"منابع الشعر وحقيقة الشاعر"
لست أدري من أين جاءت هذه الفكرة ورسخت في كثير من العقول، وهي أن الشاعر هو ذلك الرجل التائه في أحلامه، البعيد عن دنيا الناس، يعيش مع السماء والكواكب والبحار والجبال والملائكة، أي مع كل ماهو بعيد عن اهتماماتنا المباشرة، فإذا رجعت به إلى أرضنا القريبة ودائرة دؤوبنا ونشاطنا اليومي خرس لسانه وانحبست أفكاره وناله العي، وإذا سألته عن أبسط الأشياء في الحياة نظر إليك بعينين ملؤهما الحيرة والذهول، وتبين لك جهله وغفلته؟.
إنها، في الواقع، فكرة من تلك الأفكار الكثيرة التي نلتقطها من المحادثات السطحية التي تروج في مجتمعاتنا عن كل شيء، فتستقر في الأذهان وتنفذ إلى اللاشعور، حيث توجه آراءنا وأحكامنا في وجهات منحرفة، إن لم نقل خاطئة بالمرة، فنحن هنا أيضا بإزاء حالة تقتضي منا مراجعة أفكارنا ومعتقداتنا وتصفيتها من شوائب الظنون والأوهام، وبذلك فقط نستطيع أن نرى الشاعر في وضعه الحقيقي، سواء كإنسان، أو كفنان، أو كعضو في المجتمع، ونعيش معه تجربته الداخلية في كامل عمقها واتساعها.
كلا: إن الشاعر ليس هو ذلك الرجل السادر المغفل الذي يفر من الواقع ومن الناس ويؤثر حياة مصطنعة بين الأخيلة والرؤى. نعم إن له سمتا يتميز به، وشخصية تنسجم مع فنه، وسلوكا في الحياة ينتظم مع نوع مشاعره وانفعالاته، ولكنه قبل كل شيء -وهذه صفته الجوهرية- رجل بكل معنى الكلمة، رجل تكتمل فيه معاني الرجولة، وتجد لديه أحيانا صورها المنحوتة، البارزة، المتطرفة في نوعها.
وتاريخ الشعر سواء لدى العرب أو غيرهم مليء بالرجال الأفذاذ في نوعهم، فيهم البطل، والصوفي والزنديق، والخليع والموسوس، والفيلسوف، والعاشق. ولكنهم في الأعم الأغلب يلتقون في كونهم تحملوا مصيرهم إلى النهاية، وواجهوا المصاعب والمآسي في حياتهم، وشاعرنا الأول امرؤ القيس، ألم تكن حياته كلها مكابدات وتجارب مرة؟ والمتنبي، أليس يمثل في أعيننا الرجل الشعبي الطموح الذي أراد أن يغالب الحظ بكل ما أوتي من ذكاء ونبوغ، ولكن همته العالية نفرت منه كبراء عصره، ودفعتهم إلى الحذر منه، فعاش ناقما على أوضاع زمانه، ثائرا على قيم مجتمعه، آسفا على ضياع الفضائل في يده؟ والمعتمد بن عباد، ذلك الأمير المدلل، الذي عاش عيشة الأمراء بخيرها وشرها، ألم يقف به التاريخ مواقف فريدة ساقتة من السلم إلى الحرب، ومن الطمأنينة إلى الروع، ومن المجد إلى النفي، ومن النعيم إلى البؤس، ومن الحرية إلى الأسر، ومن الأنس إلى الغربة؟
والرجولة لا تقترن هنا لزوما بحمل السيف وتقلد القوس، فلها تعابير وصور أخرى، ربما كانت ألصق بالإنسان، لأنها فيض مباشر من ذاتيته وكوامن نفسه، وما السيف والقوس والرمح إلا رموز خارجية قد تفقد كل معنى لو لم توجد اليد التي تمسكها والإرادة التي تحركها، فشاعر كأبي نواس، الذي عاش مسالما هو أيضا رجل، لأنه كان له موقف من الحياة اختاره وسار فيه إلى النهاية، ولأنه عبر عن ثورته على الوضع الإنساني وعلى المجتمع بالطريقة التي تراءت له أنسب وأنجع. وهل نقول غير هذا عن المعري الذي عاش حياته بضميره اليقظ، وإحساسه المرهف، وكانت له اختيارات ومواقف في كل الشؤون، استقاها من خبرة واسعة، وتأمل طويل؟.
في مقدورنا الآن بعد استعراض أمثلة مختلفة أن نحاول استخلاص كنه هاته الرجولة، التي هي المزية الرئيسية للشاعر الحقيقي، إنها تتمثل لنا، أولا، في اتفاق الشاعر مع نفسه، ولا أقول في رضاه عن نفسه. الشاعر إنسان، قبل كل شيء، يريد أن يعيش ليعيش، ليستمتع هو أيضا بنفس الحياة، ليشاهد حضوره في الوجود، ليبلو وزنه في العالم، ولم يخرج إلى الدنيا لينظم الشعر فقط ويكون آلة إطراب وإيقاع، بل لربما كان عليه أن يعيش بكل جوارحه أكثر من سائر الناس، وأن يندفع بقواه الحيوية في كل الوجهات، وفي غمرة التجربة ينتهي به المطاف إما إلى انسجام روحي يريه الكون والأشياء كلها سابحة في النور، متبارية في الأشواق، وإما إلى تمزق باطني يشعره بمحدوديته الإنسانية أمام لا نهاية الكون؛ فهو حيثما اتجه، إلى نفسه أو إلى العالم، يجد أسرارا وزوايا مظلمة وقوى خفية تسيطر عليه من قريب أو بعيد، ولكنه يعجز عن استيعاب كنهها ومقاومة تأثيرها عليه. وسواء أكان الشاعر في حالة من التامسك والانسجام أو من التمزق والانقسام، فإنه يحتفظ بنوع من الوحدة الروحية العالية هي التي تجعله يدرك في نظرة تركيبية شاملة وضعه في العالم ووضع العالم بالنسبة إليه، وهي التي تكيف شعوره في هاته الوجهة أو تلك، وما كان ليحس بالتمزق مثلا لو لم تكن لديه مقاييس الوحدة والانسجام، ولو لم يكن أمامه المثال الأعلى الذي يعجز دائما عن الوصول إليه، فهو متفق مع نفسه فيما يريد، فيما يبحث عنه، ولكن التمزق يأتيه من الاصطدام بالواقع والوعي بوضعه في الوجود.
وكل هذا إنما يعبر في النهاية عن تجربة واسعة وعميقة في الحياة، وكل الناس يتحدثون اليوم عن العبث والتمزق والضياع؛ كلمات تتنجذب إليها الأقلام الفتية لبريق جدتها وغرابة منزعها وتنوع إشارتها وعمق إيحائها، ولكن ما كل من يضع يده على كبده ويتأوه ويتوجع في كلامه يعرف ما هو التمزق الحقيقي، وما كل من يقول: أنا متمزق يستطيع أن يدلنا على الجرح الذي يعانيه، فهنا مجال سهل للإدعاء والتلاعب بالألفاظ. وكل واحد يستطيع، مثلا، أن يشتري البرتقال أو أي فاكهة في السوق، ولكنه إذا بحث هناك عن شيء يسمى التمزق فلن يجده.
فالأمر هنا يتعلق بتجربة صادقة، نزيهة تتلاقى مع مواهب خاصة من حساسية مرهفة، وخيال رحيب الآفاق، وفكر حي، بعيد الأغوار، وتلك مزايا لا تمنح إلا لطائفة قليلة من الناس، ولذلك فإنه من الخور الاعتقاد بأن فهم هذه الكلمات التي برز بها الفكر الحديث كاف وحده ليجعل من الإنسان فنانا أو شاعرا أو ليلهمه بقدرة قادر إلى مواطن الطرافة والإبداع. فالفن أو الشعر ليس وليدا لوصفات مهيأة جاهزة يرجع إليها الفنان أو الشاعر كلما حاول أن ينشئ شيئا جديدا، ولكنه وليد لشيء آخر أعلى وأسمى وأشد تمنعا على الطالب الراغب، شيء يلتقي مع الكيان الإنساني بأكمله.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here