islamaumaroc

في مؤتمر القمة العربي الثالث بالدار البيضاء

  دعوة الحق

83 العدد

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيد المرسلين
حضرة الأخ الكريم، حضرات السادة والسيدات، إنه لمن دواعي الغبطة والاعتزاز أن أخاطب اليوم ثلة من قادة الفكر والمجتمع في هذا الشعب المغربي الشقيق الذي تربطنا به أواصر قديمة ومتجددة قوامها الأخوة الصادقة والتاريخ المشترك والتضامن في بناء المصير الأفضل لكافة شعوب مغربنا الكبير. وإنه لمن رموز الأخوة العريقة بين بلدينا أن نقيم هذا الحفل البهيج في مدينة فاس بالذات التي ربطت بينها وبين مدينة القيروان أواصر التعاون والتلاقح منذ أواسط القرن الثالث، إذ وفدت من القيروان أم البنين فاطمة الفهرية، فأسست بها جامع القرويين سنة 255 فكان الصنو المغربي لجامع عقبة بن نافع ولبيت الحكمة الأغلبي، كما أسست أختها مريم الجامع العتيق الآخر لعدوة الأندلسيين في هذه المدينة المباركة.
وإنه لمن مميزات شعبينا أن كانت جهودهما ملتئمة متآلفة في السراء والضراء على مر الأزمان وخاصة في أهم فترات تاريخهما الطويل الحافل بعظائم الأحداث.

-أصالة تضامننا-
وليس أدل على أصالة تضامننا من هذه الأخوة التي تربط بين أجيالنا الصاعدة منذ ما يزيد على الثلاثين سنة في الكفاح من أجل الحرية والكرامة وفي سبيل وحدة مغربية متينة لها من القوة والمناعة ما يجعلها في مأمن من غائلات الدهر. ومن نعم الله على مغربنا الكبير أن قيض له رجالا أخلصوا في خدمة شعوبهم ولم يترددوا في بذل الجسيم من التضحيات في سبيل إنقاذها وإسعادها وجمع شتاتها بعد أن فرقت بينها الأيام وتقبلت بها الأحداث، حتى نزلت بها في آخر المطاف محنة كادت تنحرف بها عن الجادة التاريخية والروحية التي رضيتها لنفسها قرونا متوالية.

-بطل المغرب الكبير-
وإن في تاريخ كفاحنا المشترك لصفحات مشرقة تخلد ذكرى بطل من أبطالنا الأفذاذ صمد في وجه المستعمر ولم ييأس من إعلاء الحق وانتشار الحرية ولم يبخل بالنفس والنفيس لتحقيق مطامح شعبه، ألا وهو أخي في الكفاح الملك المبرور محمد الخامس تغمده الله برحمته ورضوانه.
ونحن بقدر ما نأسف لرحيله في مقتبل شباب هذه الأمة فإننا نحمد الله أن وليه من اقتفى أثره ودعم البناء الذي شيده وكان خير خلف لخير سلف، جلالة الحسن الثاني الذي تربطني به روابط محبة قديمة. ويسعدني أن أحيي من هذا المنبر جهوده المتسمة بالشجاعة وبعد النظر. وإني لا أتمالك أن أعود بالذاكرة إلى فترات من تاريخنا القريب كنا فيها نكافح من أجل قضية واحدة بنفس العزم ونفس الحماس وفي تضامن يبشر بما نحن في صدده اليوم من أعمال مباركة تهدف إلى بناء مغربنا الكبير الذي طالما تطلعت إليه نفوسنا في المنافي والسجون. والحق أنه ما كان لنا أن نتمكن من بعث التضامن بين حركاتنا التحريرية لو لم يكن هذا التضامن متأصلا في تاريخنا ولم تكن القلوب تهفو إليه بقوة وحماس.
فتاريخ أقطارنا الأربعة وتاريخ المغربين الأدنى والأقصى على وجه الخصوص يشهد بعراقة ما يربطنا من عرى وثيقة لم تنفصم على مر القرون.

-مغربنا متفتح دوما للحوار-
ولئن كان مغربنا دوما متفتحا إلى الحوار مع العالم الخارجي ونقطة التقاء لمختلف المؤثرات الحضارية بحكم موقعه الجغرافي فلقد كان دوما قادرا على استيعابها وصهرها وطبعها بطابع يشهد بالطاقة الخلاقة والحيوية في نشر الحضارة والذود عن القيم الروحية الخالدة، ولئن كانت شعوبنا في الكثير من عهودها عرضة لجشع المعتدين بحكم نفس ذلك الموقع الجغرافي الخطير فإنها دوما أقامت الدليل على مقاومة الذل والعبودية وكافحت من أجل حريتها وكرامتها، ولم تستطع أي هيمنة أجنبية أن تكبح جماحها ولا أن تطمس فيها ذلك التوق إلى الحرية والاستقلال.
وإنما كتب للدعوة الإسلامية وحدها أن تنفذ إلى قلوبها وتستقر بها إلى أبد الآبدين بفضل ما اتسمت به من روح ديمقراطية قامت على مبادئ العدالة والمساواة وأفضت إلى خلق حضارة جديدة من أعظم الحضارات اشترك في تدعيمها سائر الشعوب العاربة والمستعربة دون ميز ودون هيمنة ودون إكراه.
وبفضل هذا الإيمان العميق بالإسلام وهذا الاندماج المكين في الحضارة الإسلامية روحا، والعربية لسانا وفكرا، استطاعت شعوبنا أن تنشئ بينها هذه العروة الوثقى التي حدت مما كان يبدو بينها من عصبيات قبائلية ونزاعات جهوية، ومكنتها أحيانا من تحقيق حلم الوحدة الذي لم يزل يخامرها منذ أقدم العهود.
والتاريخ يشهد بأن حركة الاتصال والتلاقح والتناصر بين شعبينا كانت دائبة وفي الاتجاهين طردا وعكسا وأنهما وفقا إلى تحقيق الوحدة المغربية في عهدين على الأقل من عهودهما الإسلامية الزاهرة في زمن الفاطميين وزمن الموحدين.

-من المهدية...-
فقد انطلقت الحركة الفاطمية ووحدت أقطار المغرب جمعاء ورفعت لواء الإسلام والعروبة من الأطلس إلى الهند عرضا ومن أطراف أوروبا إلى أواسط إفريقيا طولا. وكذلك فإنه من أعماق هذا البلد قامت الدعوة الموحدية فوحدت المغرب من جديد ونشرت لواء الدولة الإسلامية الفتية من نهر -طاج- إلى مشارف الإسكندرية داعية إلى تجديد العزم ونبذ أسباب الانحلال.
على أن الاتصال بين جناحي المغرب لم ينقطع في غير هذين العهدين المشرقين بل كان مستمرا قائما في صورة مبادلات علمية وحضارية على أوسع نطاق وأعمق المستويات الفكرية والاجتماعية والسياسية.

-إلى فاس ومراكش-
وكانت الجامعات التي تنشر العلوم وتثقف النشء من سائر أنحاء المغرب في سلسلة حلقات متواصلة - في القيروان وتونس إلى بجاية وتلمسان حتى فاس ومراكش - مراكز إشعاع على مر الأجيال قد تخرج منها أمثال القاضي عياض وابن خلدون، من رجال العلم والفقه والأدب الذين لا يزالون مفخرة المغرب على الإطلاق والذين وضعوا أسس ثقافتنا المغربية المتأصلة في الثقافة العربية المشتركة المتغذية بما لشعوب هذا الشمال الإفريقي من مقومات روحية وحضارية تليدة، ذلك أن وحدة التاريخ إنما هي انعكاس لوحدة أشمل وأعمق منبعها الروح ومقرها الفكر والشعور، وهو ما يتجلى في شخصية شعوبنا المتجانسة في جوهري صفاتها وأصيل نزعاتها التي بها تميزت عن غيرها.
وقد ظهر ذلك جليا في أسلوب كفاحنا ضد الاستعمار ومواجهتنا لمشاكل الحياة العصرية منذ بداية هذا القرن.
فلم يكن ذلك الكفاح يهدف فقط إلى القضاء على السيطرة الأجنبية، بل كان في نفس الوقت يهيئ أسباب الانطلاق التي جعلت منا اليوم بلادا تسعى بكل طاقاتها إلى النمو وتحقيق ما كان يبدو ضربا من المستحيلات، وذلك أن فترة كفاحنا إن لم نكن نلوي وجوهنا عن الواقع ولم نكن نستسلم له كنا نعمد إلى فهم الواقع، فنحلل علة ضعفنا وسبب قوة المستعمر علينا، فنعمل على القضاء على هذا وتلك بطرائق وأساليب وحدت حولنا الأمة وجعلتها قادرة على مقارعة المغتصب وجبره على الانسحاب.

-تهيئة الدعائم لقيام وحدة قومية-
 ومن أعظم مكاسب هذا الكفاح أن مكننا من توحيد الصفوف والقضاء على النزاعات الداخلية وتهيئة الدعائم لقيام وحدة قومية تتضافر فيها الجهود جميعا من أجل بناء الأمة وتوفير الازدهار باعتباره شرطا أساسيا للحياة الكريمة. إن ذلك كسب لا يقل أهمية عن جلاء المستعمر إذا اعتبرنا تاريخ هذه المنطقة وما عانته في كثير من فترات حياتها من انفصام الوحدة القومية وتفكك أجزاء الوطن بسبب قلة الاستقرار وتغلب النزعات الانفرادية والنخوة القبلية، مما أدى في كثير من الأحيان إلى التمرد وشق عصا الطاعة والخروج من الحكم المركزي ورجوع البلاد إلى ما كانت عليه من فوضى ومن انقسام إلى مدن خائفة وبوادي جائعة تعيش بالفتك والإغارة، فيختل النظام ويصبح الشعب من جديد فريسة سهلة للسيطرة الأجنبية.

-بذور التضامن-
ثم إن هناك كسبا عظيما آخر ظفرنا به خلال محنة الاستعمار وهو أننا تمكنا طوال تلك المدة من زرع بذور التضامن المغربي وغرس الإيمان بوجوب التعاون بين شعوب المغرب العربي باعتباره خيرا لها في العاجل وفي الآجل، فكان من الطبيعي أن نتصدى بعد فوزنا بالاستقلال - أي بعد أن أصبحنا المسؤولين عن شعوبنا - كان من الطبيعي أن نعمل على تجسيم ذلك التضامن وتعهيد سبل الوحدة بين أجزاء هذا المغرب الكبير، ذلك أننا كلما أمعنا في مسؤوليات الحكم والبناء ازددنا إيمانا بأن العمل المشترك هو السبيل إلى الازدهار وتدعيم قواتنا الإنمائية وتكتيل جهودنا في هذا الجهاد الأكبر الذي نقوم به ضد التخلف، ونعتقد أن لدينا اليوم ما به نقدر على مواجهة العمل المشترك بالوسائل الناجعة والطرق الإيجابية، لا سيما وقد تسنى لجميع الأطراف اختيار طرق عملها وتوضيح مناهج اختياراتها. ويمكننا الآن أن نقول بكامل الارتياح  إنه لا شيء جوهري يفصل بيننا ويحول دون التعاون الوثيق بين شعوبنا ما دامت المشاكل متشابهة ومبادئ العمل متجانسة تتلخص في الإيمان بضرورة التنمية ونشر العدالة الاجتماعية وإعادة بناء ذاتيتنا الثقافية والروحية.
ونحن موقنون جميعا، وكل شيء في الداخل والخارج يؤكد لنا ذلك، أن عصر انعزال الدول بعضها عن بعض قد زال وانقضى، والذي شعرت به الدول الكبرى المتباعدة من حتمية الترابط ووجوب التعاون إنما الدول الصغيرة المتجاورة أولى به وأحرى في كافة الميادين لاسيما ونجاح العمل الذي نحن بصدده متوقف إلى حد بعيد على سرعة الإنجاز إذا أردنا أن نلتحق بركب الأمم التي سبقتنا أشواطا والتي تسير في التقدم بسرعة تتضاعف يوما فيوما.
-لنجعل من التشابه قوة-
ففي الداخل نجد اقتصادياتنا متشابهة [في ميادين] ومختلفة في ميادين أخرى، فلا بد من توثيق التعاون حتى نجعل من التشابه قوة ومن الاختلاف تكاملا، خاصة أن عملية التنمية في كل من الأقطار المغربية تدعونا إلى تجاوز الحدود السياسية وجعل اقتصاد المغرب الكبير ينمو ويزدهر في إطاره الطبيعي وهو الإطار الواسع الذي تؤلفه البلدان الأربعة باعتبارها وحدة اقتصادية تناهز الثلاثين مليون نسمة.

-من هنا ينبغي أن نبدأ-
فمن هنا ينبغي أن نبدأ، وقد شرعنا فعلا في إرساء دعائم التعاون الاقتصادي المثمر، وعلينا أن نمضي في هذا السبيل بقطع المراحل التي تمليها المصلحة المشتركة الواضحة. وعلينا أيضا أن نوجه الاهتمام إلى ميادين أخرى، إلى ميدان آخر هو في نظري القاعدة الأساسية التي عليها نستطيع أن نبني المستقبل، أعني بذلك ميدان التعليم والثقافة، فليس أوكد من أن نهيئ لمغربنا الكبير شبابا متجانسا في العقلية والشعور، ولا يخفى على أحد ما للتعليم من دور فعال في تكييف العقول وتربية الضمائر وتهيئة النشء للاضطلاع بمسؤولية الغد.

-مكافحة التجارب-
فمن واجبنا أن نقابل تجاربنا في ميادين التعليم وأن ننسق برامجنا الثقافية وبين معاهدنا المختصة بالأبحاث العلمية ومؤسساتنا التي تعنى بإحياء التراث حتى يتسنى لها بتضافر جهودها أن تبلغ من الرقي ما لا يستطيعه كل بلد على حدة، بذلك نكون قد هيأنا الأسباب اللازمة لقيام ثقافة مغربية صحيحة تحيى بحماس الشباب وتتغذى من إلهام الروح القومية.

-مستقبل مغربنا في كنف الوئام-
وتكون خير لحمة بيننا وخير ضمان لتعاشر صاف دائم، بمثل هذه الآفاق الواسعة الثرية نتصور مستقبل مغربنا في كنف الوئام الذي مقره الأول في القلوب والعقول وأساسه التعاون الشامل، ونعتبر تنسيق جهودنا في ميادين التنمية مرحلة أساسية في طريق الوحدة الكاملة.
وإني لأشاطر جلالة الملك الحسن الثاني رأيه في وجوب عقد اجتماعات منتظمة بين رجالات المغرب الكبير في كل المستويات بما فيها المستوى الأعلى، حتى تدخل في تقاليدنا السياسية عادة التشاور والتباحث في كل ما يعترض سبيلنا من مشاكل تتطلب حلولا مشتركة أو قضايا يجدر بنا أن نتخذ بشأنها مواقف منسجمة.
وإني أرحب بما تقدم باقتراحه العاهل المغربي الكريم أثناء الزيارة التي شرفنا بها إلى تونس من عقد اجتماع بين أقطاب المغرب العربي الكبير حتى يصدر عنهم الدفع الشامل لهذا العمل المبارك الذي ابتدأه وزراء الاقتصاد في البلدان الأربعة، وينبغي أن تتسع رقعته إلى كافة الميادين، على أننا نعتقد أنه من شروط نجاح هذا الاجتماع تهيئة جميع الأسباب الكفيلة بتصفية المشاكل التي لا تزال معلقة والتي تتضاءل أهميتها كلما أمعنا في التعاون.
أيها السادة، إن هذا العمل العظيم نعتقد أن شمالنا الإفريقي مدعو بحكم وحدة التاريخ ووحدة المصير إليه حتى نقوى على تجديد مجتمعاتنا وإعادة الإنسان فيها إلى المرتبة التي لها خلق ومن أجلها كافح.

-دور مغربنا في الحقل الدولي-
وينبغي أن تهدف جهودنا إلى تمكين مغربنا من القيام بدوره الطبيعي في الحقل الدولي باعتبار انتسابه الراسخ إلى البلاد العربية الإسلامية وباعتبار موقعه في ملتقى القارتين الأوروبية والإفريقية وعلاقاته التقليدية بأقطار البحر الأبيض المتوسط.. ففي المجال الدولي العام نعتقد أن موقعنا في شمال القارة الإفريقية وعلى ضفاف البحر الأبيض المتوسط يملي علينا أن نأخذ بسياسة التعاون مع أوربا ومع كل الدول التي سبقتنا في سبل الرقي والعلم والفنون الصناعية، أما في المجال العربي فإن انتماءنا إلى العائلة العربية الكبرى من الخطوط العظيمة المفتوحة في وجه كافة الشعوب، الشعوب الناطقة بهذه اللغة، ولنا أن نعتز بهذا الانتماء، وعلينا أن نعمل على توثيق الروابط بين المغرب والمشرق، حتى يكون التضامن بينهما أداة رقي ونهوض، وحتى يتسنى لكل شعب عربي أن يساهم بقسطه في حل القضايا العاطلة عن الحل.

-إيماننا لن يتزعزع-
ولئن بدرت هذه المدة الأخيرة بوادر مؤسفة فإن إيماننا لن يتزعزع في إمكان قيام تعاون إيجابي بين كافة الدول العربية على أساس الحوار الحر والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وإني أتمنى أن تكثر في البلاد العربية الإسلامية الاحتفالات المشابهة لحفلنا هذا الذي يعبر عن صدق التآخي وعزيمة التعاون بين أشقاء، حتى نخرج بالتضامن العربي من طور الكلام إلى حيز العمل الإيجابي المثمر. والله يوفقكم ويرعاكم ويسدد خطاكم.
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here