islamaumaroc

[كتاب] رشيد رضا (كتاب لإبراهيم العدوي)

  دعوة الحق

83 العدد

الدكتور إبراهيم العدوي ركن رصين في مجال الثقافة العربية المعاصرة.. واحد الأفذاذ المعروفن بأبحاثهم الفاحصة في مضمار الكتابة التاريخية.
وكتابة "رشيد رضا" هو الحلقة الثالثة والثلاثون من سلسلة  "أعلام العرب " الشهرية التي تصدرها المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر، بإشراف وزارة الإرشاد القومي القاهرية، والكتاب يضم حوالي 288 صفحة من فئة  الحجم المتوسط، وهو يحتوي على ثلاثة عشر فصلا، تحدث فيها المؤلف بكل دقة وموضوعية عن الفترة الأليمة التي عاشها الإمام المجاهد رشيد رضا، والتي تحالف فيها الاستبداد العثماني مع الإستعمار الأوروبي للسيطرة المطلقة على الشرق حيث صار عبء الإصلاح ثقيلا ينوء به أولو العزم من القادة، بيد أن رشيد رضا خاض غمار هذه الأحداث كمصلح مجاهد، عالج الأحداث التي أحاطت بالمسلمين والعرب أنذاك.
المسألة الشرقية: استهل الدكتور العدوي كتابه بفصل تحدث فيه بأسلوب تاريخي شيق عن الأطوار والمراحل التي مرت بها "المسألة الشرقية "، منذ القرن الخامس عشر الميلادي، فقد كان الشرق العربي اللإسلامي ضحية لمطامع الإستعمار الأوروبي، الذي يتطلع من جديد للإستيلاء على خيرات الشرق وكنوزه، والتي لم ينسها منذ الحروب الصليبية، تمثلت أولى تلك الأخطار عندما اهتدت أوربا إلى اكتشاف رأس الرجاء الصالح، الذي فتح لها المجال لتضيق الخناق على المسلمين من العرب والفرس والهنود، وتفسد عليهم حياتهم الإقتصادية، مما حدا بمسلمي الهند إلى طلب النجدة بإخوانهم في الشرق العربي للقضاء على هذا المد الإستعماري الخطير، وقد بادرت مصر بإرسالها نجدات، بحرية، ولكن فلول قوات العدوان استطاعت القضاء على المسلمين في موقعة «ديو» المشهورة، وكان لميلاد دولة الاتراك صداه العميق في نفوس كافة المسلمين  الدين كانوا يتابعون زحف العثمانيين على أوربا باعتباره قوة تستعيد للإسلام جهاده الأول، لكن العثمانيين أرادوا مواجهة العالم الإسلامي العربي بالسيطرة، ليتسع نفوذهم فأنقلبوا على أعقابهم خاسرين، ودخلت المسألة الشرقية في مرحلتها الثانية، بعد أن لمست أروبا تطورها الفعال، في عاملين رئيسيين : 1- التجارة. 2- تطور أساليب الحرب الأوربية، وهكذا حول الأوربييون شركاتهم التجارية إلى حملات حربية على السكان الأمنين، فنتج عن ذلك أن استعمرت إنجلترا الهند، بعد أن هزمت جيش المسلمين في "بلاشي" سنة 1757، وبعد هذا حملت روسيا العثمانيين على عقد معاهدة "كتشك كينارجي سنة 1774" التي جاءت كإعلان عن ضعف الدولة العثمانية، وتصدع زعامتها وبعد هذا أيضا انتقلت تنافسات الإستعمار الغربي من أطراف العالم الإسلامي في الهند، حيث قاد نابليون بونابرت حملة للإستيلاء على مصر، تمهيدا لاستعمار العالم العربي برمته.
وفتح العالم العربي عيونه عل خطورة هذه الحملة، حيث تجند العلماء والمشايخ فأخرجوا النابليونيين من مصر، وحددوا علاقاتهم مع الدولة العثمانية وتعتبر هذه اليقظة الشعبية أهم مدرسة تخرج منها القادة الذين حفلت بهم بلاد العالم العربي، وفي طليعتهم الإمام المجاهد رشيد رضا.
وتأتي "المسألة الشرقية" مرة أخرى في مرحلة جديدة من تطورها حيث اصطدمت أساليب الإستعمار بيقظة العالم العربي الإسلامي الذي انطلقت حركاته الإصلاحية تنادي بسقوط الحكام العملاء، وتشجب دولة العثمانيين، وهنا بدأت الشعوب العربية والإسلامية تتطلع إلى ظهور قائد يهديها سواء السبيل، وسرعان وجدت مبتغاها في الإمام المجاهد والرائد الملهم رشيد رضا.
في قرية القلمون: وفي هذا الفصل يتحدث الدكتور المؤلف على أن رشيد رضا سليل بيت عربي شديد التقوى ينتمي إلى العثرة النبوية الشريفة. وقد اشتهرت مجالس ءال رضا بكونها مجالس أدب وعلم ووقار، تدافع عن الإسلام وقد تأثر رشيد رضا بحياة هذه المجالس تأثيرا عميقا، فاهتم بالعلوم الإسلامية وما يتصل بها من فروع المعرفة. إلتحق أولا بالكتاب في قرية القلمون، ثم إنتقل إلى المدرسة الراشدية بطرابلس الشام، فالمدرسة الوطنية الإسلامية بطرابلس التي غيرت مجرى حياته التعليمية. فقد درس فيها العلوم والمنطق والرياضيات والفلسفة الطبيعية على يد أساتذة الملهم الشيخ حسين جسر العالم الأديب الذي خص تلميذه رشيد رضا بالعناية والإهتمام، لما عليه من حب شديد للدراسة والمذاكرة والذكاء الخارق، وزادت ثقته بتلميذه حتى صار يطلب رأيه في مؤلفاته، وخاصة الكبرى منها، وأتاح له الكتابة في صحف طرابلس، فاشتهر في هذا الميدان مما جعله يتقدم برسالته أمام أبرز الأساتذة في طرابلس أنذاك فينيلونه الإجازة في العلوم الشرعية والعربية والعقلية، وقد لقب رشيد "بفولتير المسلمين" لقدرته على هدم كل ما لا يصح دليله من كتب الدين. وقد ظل رشيد رغم هذا يأخذ نفسه بطاعة الله والتمسك بتعاليمه، نظرا لتأثيره الشديد بكتاب "إحياء علوم الدين" للغزالي. فدأب على مراقبة ربه ومحاسبة نفسه ومعاتبتها على الغفلة.
نشاطه الإصلاحي:  وانتقل المؤلف إلى هذا الفصل حيث أبرز مدى النشاط الإصلاحي الكبير، الذي قام به أمامنا المجاهد، لإصلاح المجتمع العربي المسلم، والأخذ بيده نحو مدارج الكمال. فقد خص رشيد أهل قريته بنصيب كبير من هذا النشاط الجبار. فكان يقرأ للرجال الدروس في المسجد شارحا إياها بطريقة بسيطة، وحاثا الناس على التخلي عن البدع والضلال. ولم يخص الرجال وحدهم بهذا الوعظ والتوجيه بل عممه حتى على النساء. وهكذا أصبح رشيد ينعم بمكانة عالية بين أهل قريته ويرون فيه المثل الأعلى للتقى والإصلاح. وقد رأى رشيد أن يمتد نشاطه إلى كافة نواحي المجتمع، وعلى الخصوص مع أصحاب النفوذ والسلطان. وتجلت هذه الظاهرة الجديدة عندما كان جالسا ذات يوم، لتناول الطعام مع والده وحاكم طرابلس مصطفى ذهني حيث كان الحديث يدور في شؤون الدولة العثمانية، فأبدى رشيد رأيه في جرأة نادرة حيث قال: "أن الذي أضعف الدولة هو الجهل العلماء بالسياسة وجهل الحكام بالدين" وشاع خبر هذا الرأي الحر بين الناس، لأنه أغضب الحاكم المذكور. وهناك حادث ءاتخر أهل رشيد لتسلم علم القيادة في البلاد، ذلك أن خلافا نشب بين عالمين كبيرين في طرابلس، فعمد الحاكم إلى إزالة ما نشب بينهما من أسباب الخلاف، فاستدعى النابغة رشيد رضا فكلفه بإعداد خطاب يناسب المقام، وألقائه على الحاضرين من العلماء ورجال السياسة وغيرهم، ولكن رشيدا  لما يتمتع به جرأة ولباقة أطلق العنان لنفسه في الخطاب، فأبرز أهمية اتحاد جميع عناصر الأمة من حاكمين ومحكومين ووضح لهم وما عليهم من حقوق وواجبات، وحمل في الأخير على الأغنياء والبورجوازيين لأنهم يحتقرون الطبقة الكادحة ويستغلونها، وساد الحاضرين الخوف بسبب ما جاء في هذا الخطاب من جرأة نادرة وأفكار جديدة. لا يجرأ إنسان على المناداة بها سرا، لا علنا كما حدث، ولكن الحاكم حين وقف ليعقب على الكلام أدخل طمأنينة في النفوس، وقال: "أني أفتخر اليوم بأن أعد نفسي طرابلسيا لهذه الحكمة التي سمعتها من هذا الشاب" وتناقلت الألسن هذا الخطاب، ولذا لم يكن عجبا أن سلم له المواطنون علم القيادة. إذ جاءته وفود من كبار أدباء البلاد وأصحاب الفكر تعترف بفضله، وتشيد بجرأته وتبايعه قائدا لها. لقد تلقى رشيد رضا دراسته العليا في ميدان الإصلاح على علمي الشرق الأستاذين محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، الذي جاء إلى مصر سنة "1871" لتخريج القادة الثوريين وزعماء الإصلاح،وعلى خصوص مجلته "العروة الوثقى" التي فتحت أمام رشيد رضا ءافاقا واسعة ولم يكن يعرف عنها شيئا ودفعت به إلى الطريق الطويل، الذي سلكه كبار المصلحين وقادة التحرير، ولقد جاء انتقال رشيد رضا إلى ميدان الإصلاح العام في عهد أخطر وأخبث سلطان عرفته الدولة العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين، فمنذ وصل إلى مصر كشف للأستاذ محمد عبده عن أهدافه الحقيقية، فاستقر به العزم على إنشاء صحيفة "المنار" الإصلاحية التي يستمد فيها حكمة الأستاذ فيما يكتب، ويدخل بذلك ميدان الإصلاح الكبير مفيدا ومستفيدا وقد نال رشيد وءاله الكثير من اضطهاد الدولة العثمانية التي استخدمت مختلف الوسائل الزجرية لإيقاف هذه الصحيفة، ولكن هذا لم يزد رشيدا إلا إنطلاقا، وعزما شديدا، على مواصلة جهاده البطولي ضد قوى الغدر والطغيان والرجعية، فقد نادى في صحيفة "المنار" بأن على المسلمين أن يعلموا بأن قيمة الدين ليست في أسراره الروحية، أو قواه الخفية، ولكنها تكمن في الحقيقة التي يعلمها للإنسانية، وهي أن سعادة المرء في هذه الحياة والحياة الأخرى، تتوقف على معرفة سنن الله التي تضبط رقي البشرية، أفرادا وجماعات، وذكر أيضا أن ظهور الفرق الإسلامية، وعداء اتباعها لبعضها البعض، اضعف فوى المسلمين، وفتح أبوابا لتسلل العناصر الهدامة، وأن أخطر شيء أصاب المجتمع الإسلامي إذ ذاك هي حركات الزنادقة والأراء الفلسفية المنحرفة، وأن تلك الحركات أبعدت المسلمين عن جادة الصواب، وأبرز بوضوح بأن أبسط الطرق للنجاة هو التضامن وتبسيط العقائد وإزالة الأحقاد الطائفية من النفوس، ولم ينس المؤلف أن أبرز دور رشيد رضا في سبيل توضيح السبل للعلماء لأداء رسالتهم  كاملة، في مضمار الأخلاق والأداب والتربية العملية جسما وعقلا، بإنشائه مدرسة تقوم بمأمورية الإصلاح والتبشير الإسلامي الصادق أسماها "دار الدعوة والإرشاد" وقد تخرج منها نقر لا بأس به من خيرة المثقفين في البلاد الإسلامية هذا وأن رشيدا جمع إلى جانب روحه الإسلامية نزعة قومية عربية أبيه، حيث هاجم سلطات الإحتلال في مصر، لما لمسه من غدرها وسوء نيتها بالأمة العربية، شأنها شأن جماعة الإتحاد الشرقي العثمانية، وقد بادر بالدفاع عن الأمة العربية بصرامة وقوة بعد ما ثبت للملا غدر فرنسا بسوريا، كما غدرت إنجلترا ببقية البلاد العربية الأخرى، فقد وقف رشيد رضا لكل عملاء الإستعمار يتعقبهم في كل مكان، ويشهر بهم في المحافل، دون أن يخشى بطش سلطات الإستعمار في البلاد فقد وهب نفسه للأخذ بيد الأمة العربية، وتبصيرة  أهلها بالخطر الذي تردوا فيه نتيجة نجاح الإستعمار خداع بعض قادة العرب.
لقد حمل رشيد لواء الجهاد في سبيل الإسلام والعروبة أربعين عاما متصلة الحلقات، لم يعرف خلالها الراحة أو الهدوء فدافع عن الإسلام في كل موطن، وخدم هذا الدين في الفقه وفي الأدب والإجتماع وفي التاريخ والسياسة بطريقة رائعة فريدة لا يدانيه فيها أحد.
ولم يفت المؤلف في السطور الأخيرة من الكتاب أن يضع قائمة بأسماء المؤلفات التي تركها الأستاذ رشيد رضا، كثرات خالد، يرسم الطريقة النضالية للأجيال الطالعة، في مختلف المجالات الحية، ومن هذه المؤلفات: نداء للجنس اللطيف –الوحي المحمدي- الوحدة الإسلامية أصول التشريع العام –الأمامة العظمى- تفسير القرءان-حقيقة الربا—مساواة الرجل بالمرأة- رسالة في حجة الإسلام الغزالي.
هذا هو رشيد رضا الإمام المجاهد في شذرات.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here