islamaumaroc

الثقافة الإسلامية تربية ومنهاجا

  دعوة الحق

83 العدد

في رأي أن أية دراسة منتجة لحاضر العالم الإسلامي، وان أي تخطيط واع لمستقبله، يجب لان يكونا على أساس ان  العالم الإسلامي جزء لا يتجزأ من العالم الإنساني الذي تتنازعه مختلف التيارات المذهبية من سياسة واقتصادية واجتماعية أدت به في الوقت الراهن إلى أن ينقسم إلى كتلتين ضخمتين: كتلة شرقية متطرقة تزعم ان «الفرد» يجب ان يذوب في الدولة كما يذوب الملح فغي الطعام: وكتلة غريبة تسرف في المناداة بحرية الفرد في أن يتمتع على أوسع نطاق وبين الكتلتين دول الحياد الايجابي التي شعارها عدم الانجاز الشفوع بالعمل الدائب من اجل تجنب الصدام، والمحافظة على السلام.
... ووسط هذا المعترك الصاخب يقف العالم  الإسلامي الذي ـ وان وحدت بين قلوب أبتائه وشائج العقيدة الراسخة والتاريخ المشترك والشعور بالمسؤولية إزاء حاضره ومستقبله على السواء ـ فقد فرقت بينهم في نفس الوقت عوامل شتى لا يجوز إغفالها:
من هذه العوامل:
1) إن المسلمين لا تظم جمعهم، ولا تلم شملهم، «دولة واحدة» حتى يستطيعوا أن يستثمروا قوتهم في ظلهم كما كان حالهم أيام دولة الخلافة الموحدة في صدر الإسلام الزاهر.
2) ومنها ان اليوم قد بعدت بهم الديار، فهم موزعون على شتى القارات الأرضية أشتاتا اشتاتا، ووجودهم داخل كثير من الدول الغير مسلمة ممتص امتصاصا.
3) ومنها انهم لا يتكلمون لغة واحدة ولو على الصعيد الرسمي، بل تباينت لغاتهم وتنافرت لهجاتهم.
4) وفي ذلك ما فيه من التأثير السىء نظرا إلى ان لكل لغة أثرها الخاص على الناطقين بها ولو بطريقة غير شعورية كما استقرا ذلك العالم اللغوي الكبير«فندرييس» في كتابه «اللغة».
5) ومنها ان التكتلات الأجنبية تعرف ماضيهم، فهي تتخوف منهم، وتجهل جهدها في غزوهم وامتصاصهم أفرادا وجماعات بواسطة الثقافة الدخيلة، والغزو الفكري والنفسي والمادي، لتامن بذلك عدم اتحادهم فقوتهم فتفوقهم...
في إطار هذا الواقع المر، ومن خلال هذه الخطوط العريضة الصارخة، يجب ان ينبث التخطيط المنهجي المنطقي المنتج للغد القريب والبعيد، وإلا فكل محاولة للبناء مصيرها الفشل، وكل عمل من اجل الانبعاث محكوم عليه مقدما بالبوار.
وأول ما سيحاول الكثيرون التهجم به على هذا الكلام هو انه دعوة إلى التكتل على أساس ديني، ورميه بالتعصب والجمود والعنصرية المقينة إلى غير هذا وذاك من النعوت التي يطلقها كثير من دعاة الحرية والتقدمية في هذا العصر على مثل هذه الدعوة.. ولهؤلاء أقول: وما العيب في ذلك ؟ أليست هذه التكتلات التي تصلي الإنسانية الان وقبل الآن نيران حروب باردة وساخنة تقوم كلها على أساس التعصب المذهبي ؟
ما الشيوعية ؟ ما الرأسمالية ؟ ما الاشتراكية ما الديمقراطية ؟ ما الدكتاتورية... أليست هذه كلها، وكثير غيرها، مذهب قامت في أحضانها دول وامم كتب لبعضها البقاء وللأخر القناء، ولكن الذي يجمع بينها ـ رغم تنافرها ـ أنها في التحليل الأخير مذهب آمن بها معتنقوها، وأقاموا كيانهم في ظلها على أساس التعصب لها !
وما عيب التعصب والمتعصبين اذا كان ذلك من اجل سعادة الإنسان، ورفاهية الإنسان وخير الإنسان !
وأي مذهب من بين المذاهب الإنسانية جميعها استطاع ان يتعمق «الإنسان» كفرد، وكجزء من الأسرة، وكخلية حية في المجتمع، وان ينظم له شؤونه، ويرعى له مصالحه، ويعين له واجباته، ويضمن له حقوقه مثلما استطاع ذلك الإسلام ؟
«ولقد كرمنا بني آدم، وحملناهم في البر والبحر، ورزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا.» قرآن الكريم.
«والله خلق لكم من أنفسكم أزواجا لنسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة» قرآن الكريم.
«يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، ان أكرمكم عند الله اتقاكم» صدق الله العظيم... آيات بينات، ومثلهن كثيرات، تبين نظرة الإسلام للفرد المسلم في نفسه، وفي بيته، وفي مجتمعه الإنساني الكبير، وتندرج تحت كل عمومية من هذه العموميات مئات التنظيمات الجزئية في مختلف أنحاء الحياة الإنسانية، وهي كلها تهدف إلى غاية واحدة: خدمة الإنسان، وطمأنينة الإنسان، وسعادة الإنسان، وسلامة الإنسان !.
وإذن فما دامت هذه الثروة الزاخرة من التشريعات والتنظيمات الإسلامية متوفرة بهذا الشكل الذي يضمن لمن يحسن استغلالها الرفاهية والسعادة والسلام، وما دام المسلمون أحوج ما يكونون اليوم إلى استغلالها لصالح غدهم القريب ومستقبلهم البعيد... فمن أين يجب ان تنبعث الانطلاقة الأولى نحو العمل ؟
اجل: من أين يجب أن نبدأ ؟ أن في نفوس المسلمين اليوم ثورة على أوضاعهم المزرية، ورغبة صادقة في التحرر والانطلاق، وتطلعا إلى الغد السعيد، أي أنهم يعرفون المرض، ويتحسسون الداء، ولكن ما هو الدواء ؟
سؤال منهجي، يأتي في حينه، منطلقا، ويجب ان يكون الجواب عنه كذلك ابيضا، وفي غاية الوضوع والصراحة والواقعية.
وفي رأيي ان الانطلاقة الأولى يجب أن تبدأ من «الثقافة» أولا وقبل كل شيء ! ولأشرح وجهة نظري هذه أقول:
لقد كان المنطق الشكلي «الأرسطي» يميز بين «الإنسان» وغيره من الكائنات الحية الأخرى بأنه «حيوان ناطق»: ولكن المنطق الحديث ـ المنطق الموضوعي القائم على عنصري الملاحظة والتجربة، والذي اليه يرجع اكبر الفضل في النهضة العالمية الحديثة ـ لا يكتفي بهذا التعريف الشكلي العقيم، بل ينادي بتعريف آخر موضوعي ومنتج فيقول: «ان الإنسان حيوان مفكر ومتطور !» وإذن فميزته العظمى التي يستطيع في إطارها الخطير الخلاق ان يثبت وجوده، بل حصافته وعبقريته، تكمن في قدرته على استغلال هاتيه القوتين العظيمتين فيه: القدرة على التفكير، والقابلية للتطور. وأما وسيلة تفجير هاتين القوتين فيه فتكلم بالبداهة  هي: «الثقافة».
ومعنى هذا اننا حين تريد من «الفرد» المسلم  ـ باعتبار الخلية الحية التي منها يتكون المجتمع الإسلامي ـ ان يكون معافي في دينه وجسمه وروحه، عاملا لما فيه مصلحته ومصلحة مجتمعه، يجب علينا قبل ذلك ان تهيئة لذلك بواسطة ثقافة إسلامية حية، تربية هذه التربية، وتمده بمختلف هذه القوى، وعليه فهل ثقافتنا الإسلامية بوضعها الحالي بحيث تستطيع ان تقوم بهذا الدور، وتؤدي هذه المهمة ؟
أما الإسلام باعتباره وسيلة فذة لتربية الأفراد والجماعات ونظاما محكما يضمن لمعتنقيه العافية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، فقد دل تاريخ الأديان المقارن على ان الإسلام لا يجدي في هذا المضمار، وفي ذلك يقول الأستاذ «تريتون TRITON  » أستاذ الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن ما نصه: «إن الإسلام يعطي كلا من العالمين ـ الدنيا والآخرة ـ حقهما، وفي وسع المسلم الصري أن يعيه النظر في الإسلام كله دون أن يتقطع عن الماضي، وله أن يراجع أحكام المعاملات والشريعة لان باب الاجتهاد مفتوح لا يزال... والمسلمون يجتهدون اليوم ليثبتوا ان الإنسانية الصادقة والآداب القويمة والعقل السليم تلقى ارفع تعبيرتها في شريعة الإسلام وأحكامه، ويسلمون ان ديانتهم اليوم ليست على ما يحبون، وان الإصلاح ضرورة لا محيص عنها، ولكنهم يصرون على ان الإسلام دون غيره هو الذي يصلح لمطالب النوع الإنساني، فقد تغيرت الأحوال، ووجب ان تتغير معها النظرة على الديانة وقد كان اثر الغزالي في الشيخ محمد عبده قويا يبدو واضحا في فهم الدين على انه عقيدة باطنية حيوية من شؤون السريرة، وان الشعائر الخارجية ثانوية مضافة إليها، وقد أخذت طائفة من تلاميذ الشيخ عبده تنقاد لمذهب الحنابلة، فتجمعت من ذلك دعوة إلى رفض البدع المستحدثة، والرجوع إلى سلامة العقيدة الماضية، وتضمنت هذه الدعوة برامج إصلاح في الشؤون الدينية والاجتماعية والاقتصادية تثبت ان الإسلام قابل التدين به في الأحوال الحاضرة، وهم يؤكدون ان الإسلام اذا فر كما يفسرونه يتكفل بالحل الوحيد لمشكلات المجتمع والسياسة والدين»
وفي سنة 1906م افتتحت جامعة شيكاغو قاعة محاضراتها الإسلامية، فحصر أول محاصر فيها وهو الأستاذ «دكنان بلاك مكدونالد» اهم الموضوعات التي يمكن ان يدور عليها البحث في ثلاثة وهي: الشخصية المحمدية، ومدارس التصوف، وأطور الأمم الإسلامية في حركة التجديد.
وصفوة ما انتهى إليه في هذه الموضوعات الثلاثة (ان الشخصية المحمدية لا تزال بعد أربعة عشر قرنا مصدر المدد المتصل في تقوية المسلم. وان الصوفية قد خلقت متنفسا للعقيدة الفردية التي يدين بها المسلم بتفكيره واعتقاده عن سلطان الشيوخ وسلطان الجماهير. وان أطور المسلمين تختلف اختلافا لا بد منه بين أناس ينتمون إلى كل جنس وكل أصل من الأصول البشرية، ولكن الإسلام قد اوجد بينهم إخوة عامة قل ان يوجد لها نظير في إتباع الكنيسة الواحدة.)
ويعلق المرحوم الأستاذ عباس محمود العقاد في كتابه: «الإسلام في القرن العشرين» على هذه الآراء وكثير من مثيلتها فيقول: «... ان الغربي مشغول بأمر الإسلام شغل من يشعر بيقظته، ويترتب ما وراء هذه اليقظة فلا يخرجها لحظة من حسابه واهم ما يهمه ان يعلم كيف يقف الإسلام غدا من مجاميع الأمم الغربية والشرقية، وكيف يكون ملكه إذا التحمت المعسكرات ثم افترقت عن هزيمة هذا وانتصار ذاك !.. وإحدى ظواهر هذا الاهتمام شيوع الطبعات الشعبية من ترجمة القرآن الكريم، وابلغ من دلالة هذا الشيوع ان يقول رجل من رجال الدين وهو يقدم المختارات من آي القؤآن انه اذا لم يكن كتابا فهو «صوت قوي حي» ... وذلك غاية ما ينتظر ممن ينتظر الكتاب!»
                                                ***
تلكم لمحات خاطفة عن الإسلام باعتباره مثلا أعلى عقيدة وشريعة ونظاما، وعن الفكر الإسلامي باعتباره نموذجا فريدا في موضوع تربية الفرد والجماعة عن طريق الثقافة.
وبقي «المنهاج» الذي يجب ان يسلكه رواده والداعون له... وهذا المنهاج ـ نظرا لخطورته ـ يستلزم منا وقفة خاصة نرجو ان نوفق لها في العدد القادم بعون الله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here