islamaumaroc

نقد مقال العوائق النفسانية للتخطيط -8-

  دعوة الحق

83 العدد

جواب سفارة المملكة السويدية بالرباط عن عدد الملحدين في بلادها.
زرت السفارة السويدية غير مرة، وفي كل مرة تلقاني الموظفون بالترحيب والإكرام، وسألت الموظف المختص عن عدد الملحدين في بلادهم ونسبتهم إلى عدد السكان، فكتب إلي ما ترجمته:
الرباط في 31 مارس 1965.

سيدي الأستاذ الدكتور تقي الدين الهلالي.
بناء على زيارتكم الأخيرة لسفارتنا، لي الشرف أن أخبركم أنه من سنة (1952-1964) يعني أثناء مدة (12) سنة. مجموع عدد الذين تركوا كنيسة الدولة بالنسبة الماثوية، صفر فاصلة خمسة في المائة. من مجموع السكان البالغ عددهم سبعة ملايين وستة أعشار المليون.
أما تفاصيل الطوائف المسيحية وعدد كل منها، فسأطلب معرفة ذلك من وزارة الشؤون الخارجية في استوكهلم، ومتى حصلت على جواب فسأتشرف بإرساله إليكم.
وتفضلوا يا سيدي الأستاذ بقبول عواطفي الممتازة نحوكم.

التوقيع هيمنك كاد، المستشار بالسفارة.
من المعلوم أنا الشعب السويدي في مقدمة الشعوب البالغة الدرجة القصوى في المدينة. ومع أن الشعب السكندنافية كلها عريقة في الحضارة والرقي، ومن أقدم الشعوب أخذا بالديمقراطية والحكم النيابي. ومن مزاياها الاستقرار والطمأنينة والبعد عن الثورات والقلاقل وتطاحن الأحزاب المفرط، فمن ذلك أخذها بالحكم الملكي الدستوري واغتباطها به، وعدم المبالاة بالاضطرابات والانقلابات التي وقعت في جيرانها من الأوروبيين. ويمكن أن يقال، أن الشعب السويدي هو أنشط هذه الشعوب وأقواها، فإنه استطاع أن يحافظ على حياة في الحرب العالمية الأخيرة، ولم يستطع هتلر أن يخضعه إلى نفوذه، فضلا احتلال بلاده، ولا استطاع أحد من أعداء هتلر الأقوياء أن يستليمه ولا أن يبسط عليه نفوذه، وبذلك سلم من ويلات الحرب وبقي محفوظ الكرامة مرفوع الرأس، لا يشاركه في ذلك لا الشعب السويسري والشعب الإيراندي المستقل. ومن آيات الاستقرار في هذه الشعوب السكندنافية أنني لما زرتها في السنة الماضية، مع أني كنت حاصلا عل سمات الدخول من سفاراتها الثلاث في الرباط لم يسألني أحد عن جواز السفر إلا حين وطئت قدمي أرض دانمارك بعد عبور بحر بلطيق قي معدية من ألمانيا الشرقية إلى الدانمارك، ومنها عبرت الحدود إلى الأراضي السويدية ومن الأراضي السويدية إلى الأراضي النرويجية، وقع ذلك مرارا وتكرارا ذهابا وإيابا، فلم يوفقني أحد ولم يسألني أحد، لا في حدود السويدية ولا في الحدود النرويجية، حتى كأن هذه البلدان الثلاثة بلد واحد.
وكل هذه الشعوب متمسكة بدينها أشد التمسك مع حرية الاعتقاد الواسعة التي يتمتع بها أفرادها، وقد رأيت أيها القارئ في الحلقة التي قبل هذه تدين الشعب النرويجي، وأنت ترى في هذه الحلقة أن عدد الملحدين الخارجين عن الكنيسة- بقطع النظر عن الأسباب التي دعتهم إلى الخروج عليها، وكثيرا ما تكون غير الإلحاد، كالتزوج بين شخصين، أحدهما كاثوليكي والآخر بروتستانتي وكالتأخر عن دفع ضريبة الكنيسة والإلحاح المقضي إلى الكفر بها، لا بالدين نفسه إلى غير ذلك من الأسباب، ومع ذلك لم يخرج عن الدين من سكان البلاد السويدية إلا نصف واحد في المائة. فأين ما يتبجح دعاة التحلل من قيود الأخلاق والمروءة الذي غلبت عليهم الطبيعة البهيمية فأهملوا عقولهم وأخلدوا إلى أرض الحيوان الأعجم واقتلعوا بالعيش للأكل والشراب والنوم وما أشبه ذلك من الغرائز التي يشاركهم فيها كل صاهل وناهق وعاو وخائر، ومن هنا أقل من هذه الحيوانات شأنها حتى يبلغ الأمر إلى الأميبات التي لا تبصر بالعين المجردة (أرأيت من اتخذ إلهه هواه، أفأنت تكون عليه وكيلا. أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون، إن هم إلا كالأنعام، بل هم أضل سبيلا)،الفرقان 43-44.

شبهات الملحدين
تقدم أبطال شبهات «جوليان هكلي» الفيلسوف الإنكليزي في المقالات الأربع والعشرين التي نشرت في مجلة دعوة الحق من الجزء الرابع، السنة الثالثة إلى الجزء الثالث – السنة السادسة. ثم عدت لنقل كلامه والرد عليه باختصار لما سوق كلامه «ريني الحبشي» وتبجح به وعدت لذلك في الحلقة الثالثة من هذه السلسة، ونشرت السلسة الأولى تحت عنوان (دواء الشاكين وقمع المشككين) هذه السلسة تنشر تحت عنوان (نقد مقال العوائق النفسانية للتخطيط) وفي كلتا السلسلتين يؤخذ «ريني الحبشي« فيغل ويسلك، ثم يغتل هو وأضاربه إلى سواء الجحيم، وذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم، وسترى هنا شبهات سائر الملحدين والرد بحول الله وقوته.

شبهات الدكتور بخنر الألماني
قال الأستاذ محمد فريد رحمه الله، من أكبر الداروينيين الدكتور «بخنر« الألماني، وقد أورد شبهات على الخالق، نقلها عنه العلامة «كامل فلامربون» الفلكي الفرنسي في كتابه (الله في الطبيعة) منها أنه لما كتب العلامة «أوستيد» قوله (أن الكون محكوم بحكمة أزلية تظزهر لنا آثارها بواسطة القوانين الثابتة في الطبيعة) لم يرق قوله هذا في عين الدكتور «بخنر» فكتب يرد على «أوستيد» بما يلي:
«لا يمكن أن يتصور أحد أن تتفق حكمة أزلية مع توأمين طبيعة ثابتة. فإما أن تكون النواميس هي الحاكمة، وإما أن تكون الحاكمة هي تلك الحكمة الأزلية. فإذا كانت الحكمة الأزلية هي الحاكمة فلا لزوم لقوانين الطبيعة، وإذا كان الأمر بالعكس، وكانت النواميس الطبيعية هي الحاكمة، فإن ذلك ينفي كل تدخل سماوي. انتهى
قال «كامل فلامريون» عقب هذا: اتفق أن «بخنر» هذا ناقض نفسه بنفسه، وأقام الدليل على فساد إستشكاله وهو لا يشعر و ذلك أنه لما انتشرت الكوليرا في بلاد الانجلترا، وأخذت تفتك بالناس فتكا ذريعا، طلبت هيئة «الأكليروس» الإنجليزي من اللورد (يالمرستون) وزير الدولة إذ ذاك أن يدر أمره، بأن يصوم الناس يوما ليرفعوا فيه أكف الضراعة إلى الله بأن يزيل الكوليرا عن بلادهم.
فأجابهم اللورد، بأن ملاشاة الكوليرا لا تتأتي باتخاذ الوسائط الصحية، وإن لا دخيل للدعاء والعبادة في مثل هذا الحادث. فمدحه الدكتور «بخنر« هذا وأثنى عليه في مقاله كتبها جاء منها: (كيف يعقل أن المشرع الأقدس يخالف ما وضعه من النواميس والقوانين الثابتة بدعوات الداعين وبكاء الباكين).
فانظر كيف ناقض نفسه بنفسه، لأنه قال في رده على الأستاذ «أوستيد»: أنه لا يمكن تصور وجود النواميس ثابتة متحدة مع حكمة أزلية. وهنا يستبعد أن الخالق الأقدس يعارض سير النواميس التي وضعها بنفسه وحكم بها مخلوقاته.
يلوح لنا أن الملحدين حين يهمون بالاشتباه على وجود الخالق يمثلون في عقولهم تلك العقيدة على النحو التي هي عليه عند أحط الناس عقولا.
يقول كاتب هذا المقال: هذه شبهة واهية، بل مغالطة جليلة، زيادة على كون «بخنر« تناقضت أقواله فأثبت وجود الخالق سبحانه في موضع ونفاه في موضع آخر، يقال له، أرأيت هذه النواميس التي تزعم أنت أنها تحكم العالم، أهي واحدة، أم متعددة كما يدل عليه لفظها؟ ثم ألها علم وقدرة وإرادة وخطة مرسومة، أم هي عمياء صماء تعمل أعمالا دقيقة مختلفة مؤقتة مطردة بلا علم ولا قدرة ولا إرادة ولاخطة مرسومة، فإن قال، أنها متعددة عمياء لا علم لها ولا إرادة فقد أبطل زعمه، لأنها حينئد تحتاج إلى واضع خالق مدير مسير كما اعترف به في الموضوع الأخر. ثم يقال له: أخبرنا عن هذه النواميس، أهي أزلية أبدية، أم محدثة، فإن قال أنها أزلية كذبة ما تقدم من براهين الفلاسفة والعلماء، وإن قال، إنها محدثة، أورد عليه ما يلزم المحدثات من العجز والافتقار إلى غيرها كما تقدم مبسوطا، فلا حاجة إلى إعادته. انظر أقوال الفلاسفة في الحلقات السابقة.

الشبهة الثانية «لبخنر« أيضا
زعم «بخنر«، أن عموم النظام في كل ما يدركه الإنسان من الأجرام القريبة والبعيدة، حتى التي لا تدرك إلا بأكبر مجهر (تلسكوب) وعدم شذوذ شيء منها عن النظام يدل على أنه ليست هناك قوة تحركها إذا شاءت، وتوقفها إذا شاءت وتبيدها إذا ظهر لها ذلك، وتعكس سيرها تارة، وهذه الحجة بنفسها هي حجة المثبتين، فإن هذه الأكوان القريب منها والبعيد، والمدرك بالحواس، والمدرك بالآلات بلغت في الإتقان والنظام إلى حد يستحيل على العقل أن يصدق أنها تسير بالمصادقة، وكان حدوثها بالمصادفة بدون قصد ولا علم ولا خطة سابقة. راجع كلام «روسو» «وفولتير» وغيرهما من الفلاسفة المثيثين.
قال كاتب هذا المقال: كل من حضر العلم في معلوماته أو مشاهداته وحكم ببطلان كل ما لا يعلمه فقد سد على نفسه باب المعرفة وصار أجهل الجاهلين. وفي كل يوم تنكشف للإنسان معلومات كان يجهلها كل الجهل. بل كان ينكرها ويعتقد أنها من قسم المستحيل، ثم بعد اكتشافها صارت عنده من البديهيات، وما أحسن قول الله تعالى في سورة الإسراء 85 (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) وقوله تعالى يخاطب رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم (وقل ربي زدني علما) وحكاية الخضر مع موسى لما سافر إليه لطلب العلم، وهي مفصلة في سورة الكهف ترشد العقلاء إلى أن العلم لا حد له، وإن الإنسان كلما ازداد علما ازداد معرفة بقلة علمه.
ونقل محمد فريد وجدي عن الفيلسوف (اجوست سباتيه) في كتابه (فلسفة الأديان): أن العلماء أول المعترفين في كل فرع من فروع العلم بأنهم لم يدركوا منه الأجزاء محدودا، وأن أكثرهم تواضعا هم أكثرهم علما. على أن كلهم يعترفون بأن ما حصلوه للآن من الاكتشافات، وما درسوه من هذا الجزء اليسير من الطبيعة ليس إلا علما بالنسبة لما يجهلونه. فهم مستعدون لتنقيح القوانين التي قرروها، وتوسيع الفروض التي فرضوها، وضم كل ما يشاهدونه من المشاهدات الصعبة إلى ما لديهم منها.
نعم، أنه يوجد من بين هذه المشاهدات ما يدهشهم ويشوش أفكارهم كما تراه كل يوم، ولكنك لو تلاحظ موقف العالم الحق أمام هذه الظواهر الجديدة تراه لا يشك في أنها تابعة لنواميس مجهولة، ولكنها حقيقة وموجودة، وتراه لا ييأس من إمكان عزوها إلى تلك القوانين وزيادة مواد العلم بها، ونجاحه السابق يضمن له نجاحه في المستقبل، وتراه يتبع أبحاثه بدون طيش، لأنه لا يعرف الجبن الأدب. 

شبهات الحسيين
نقل محمد فريد وجدي عن أحد أئمتهم وهو «ليثريه» في كتابه المسمى (كلمات عن الفلسفة الحسية) قوله: لما كان نجهل أصول الكائنات ومصائرها، فلا يليق بنا أن ننكر وجود شيء سابق عليها أو لاحق لها، كما لا يليق بنا أن نثبت ذلك. فالمذهب الحسي يتحفظ كل التحفظ في مسألة وجود العقل الأول لإقراره بجهله المطلق في هذا الشأن، كما أن العلوم الفرعية التي هي منابع للمذهب الحسي يلزمها أن تتحفظ من الحكم على أصول الأشياء ونهاياتها. بمعنى أننا أن لم ننكر وجود الحكمة الإلهية فلا نتعرض لإثباتها، فنحن على الحياد التام بين النقي والإثبات.
قال محمد فريد وجدي عقب نقله كلام «ليتريه« ما نصه: هذا قول عمدة من عمد الفلسفة الحسية، ومنه يرى كل إنسان أن ليس لدى القوم برهان ولا شبه برهان على نفي الصانع. وأنهم ناس حبب إليهم عدم التدخل في هذه المسألة بالمرة. وبعبادة أصرح، أنهم ناس يريدون في أثناء حكمهم على الأشياء كما يقول الدكتور (روينيه) في كتابه (الفلسفة الحسية) أن يبعدوا كل ما يدرك بالحس، وأن لا يعتمدوا إلا على المشاهدة المحسوسة.
نقول: إن كان الأمر كما يدعون فالخطب سهل، ولا يهمنا أمر قوم أخذوا على أنفسهم أن يثبتوا ولا ينفوا شيئا إلا بدليل محسوس، ولكن ما قولهم في أنهم خالفوا قانونهم، وكان أول من خالفه شيخهم «ليتريه». وذلك أن هذا الأستاذ نفسه كتب في مقدمة وضعها لكتاب «المذهب المادي« تأليف (لابليه) هذه العبارة: أن الطبيعي يعلم أن للسادة وزنا، كما أن الفزيولوجي يعلم أن المادة العصبية تفتكر، ولكن بدون أن يدعي واحد منهما معرفة كيف تزن المادة ولا كيف تفتكر الأعصاب.
أنظر كيف خالف «ليتريه« قانونه بنفسه، وزعم أن الأعصاب هي التي تفتكر؟ هل لديه دليل محسوس أن لا روح للإنسان، وأن الأعصاب هي التي تفكر؟ أما كان الأجدر به أن يقر بالعجز أمام هذه المسألة، وهي أعوص المباحث الفلسفية على الإطلاق، إن كان يريد أن يحرص على قانون الفلسفة الحسية.
أتريد دليلا آخر على نفي الحسيين للأشياء بدون برهان؟ قال «ليتريه« نفسه في كتابه (كلمات عن الفلسفة الحسية): يظهر لنا أن الأسباب التي أوجدت الكون، هي ذاته فيه غير متميزة عنه، وهي التي نسميها نحن بالنواميس الطبيعية.
أنظر كيف ادعى بدون برهان (محسوس) أن الأسباب التي خلقت الكون ذاتية فيه، وأنها هي المسماة بالنواميس. على أن الناس في بحثهم عن الخالق لا يضربون في الخيال، ولا يخوضون في الأوهام، إنهم يبحثون عن السبب الأول الذي أوجد الكون على النحو الذي يبحث به العلماء عن النواميس.
يقول محمد تقي الدين الهلالي: من أمثال العرب السائرة (إذا كنت كذوبا فكن ذكورا) أراد هذا المادي المعترف بالعجز والجهل أن يطبق عقيدته التي لا يختلف فيها الإنسان عن الحيوان الأعجم. فلما وصل إلى الأداة التي خلق الله فيها التفكير، وهي الأعصاب، خانته الذاكرة فأثبت التفكير للأعصاب، وهذا مخالف لعقيدته، لأن نسبة التفكير إلى الأعصاب من نسبة الفعل إلى الفاعل بالمعنى اللغوي. ولا يوجد دليل حي حسب مذهبه يثبت أن الأعصاب هي التي تفكر، فظهر تناقضه. وكان ينبغي له –لولا أن الله أراد أن يفضحه- أن يلجأ إلى الجهل عند العجز كعادته فيقول: إن الفكر موجود في العصب، ولكن لا أدري من أين جاء هذا الفكر إلى العصب.
فنقول نحن: إن كنت أنت لا تدري فنحن ندري أن الذي أوجده في العصب هو الذي رجع وجود العالم الممكن على عدمه (الله خالق كل شيء، وهو على كل شيء وكيل) وقد تقدم البرهان على أن العالم ليس أزليا، وتقدم البرهان كذلك على أن العالم لا يمكن أن يوجد نفسه، لأن وجوده آت من غيره. وهذه أركان البرهان على وجود الله سبحانه وقيوميته وتدبيره لجميع الكائنات.
ثم لخص محمد فريد وجدي بحث الماديين وبحث الفلاسفة المثبتين لوجود رب العالمين فقال ما نصه،قال «ليتري» يظهر لي أن الأسباب التي أوجدت الكون ذاته فيه، وهي التي نسميها بالنواميس.
وقال قائل الطائفة الثانية: يظهر لي أن الكون سببا واحدا بصيرا بما يعمل، و إلا فمن أين نشأ هذا الإبداع المستفيض على الأكوان، وكيف خلقت هذه الكائنات لمقاصد متنوعة، وغايات مقررة؟؟
فالبحث عن الخالق، ليس من باب البحث عما لا ينفع، لأن إدراك السبب الأول للوجود رغبة من رغبات العقل، بل حاجة من حاجات الروح، فليس الإنسان كالحيوان خلق ليأكل ويشرب ثم يموت، بل له وراء هذه الحاجات الجسدية حاجات لا يحددها وهو الواهم ، ولا يصورها خيال المتخيل.
إن الكائن الذي سخر الهواء والماء والمغناطيس والكهرباء وما وراء، ذلك من الأشعة الخفية، والقوى غير المرئية، لا يقنعه أن يعيش معيشة الحيوان، فهو ميال بطبعه لاكتشاف سر الحياة والموت، بل سر الوجود كله، وكائن هذه صفاته لا يتصرف عن البحث في السبب الأول للكون، ولو جعلت عقابه على البحث فيه الموت.
يقول كاتب هذا المقال: والماديون يريدون منا أن نطفئ نور العقل ونقنع بالجهل، أو أن ننسب الأعمال الباهرة الدقيقة المتنوعة المختلفة المتضامنة التي يسير كل جزء منها، وإن كان دقيقا في منهاجه المرسوم، لا يحيد عنه أبدا، يريدون منا أن ننسب ذلك إلى المادة الصماء العمياء التي هي فاقدة للحس والشعور وللعقل والإدراك، وتعتقد أنها تعطي حسا، ولا حس لها، وتعطي شعورا، ولا شعور لها، وتعطي عقلا. ولا عقل لها، وذلك منهم شطط ما بعده شطط، وتعسف تجاوز الحد، وليس في قدرة عاقل أن يقبله، ولعل قائلهم يقول: نحن مضطرون إلى ذلك التعسف لنخرج من سلطان الكنيسة الذي أرهقنا وضيق علينا الخناق، وتخل في كل شيء من شؤونها، فنقول له: لقد أخطأت طريق الرشد وملكت سبيل الغي، فهلا ناقشت الكنيسة الحساب مع الاعتراف بحكمة الملك الوهاب، لترجع إلى الصواب، أو تخرج أنت من ربقتها متمتعا بنعمة عقلك غير ملوم، فنحن لا نؤله البشر، ونجعل الحكم كله لله مستنيرين بنور العقل، طالبين زيادة العلم، غير متعسفين في الحكم، فإن أبيتم فلكم دينكم ولي دين.
وموعدنا الجزء  التالي لسرد بقية الشبهات والجواب عنها بحول الله.
ليعلم ذو «الرين الحبشي» أن ريحه لاقت إعصارا، وأن الحق لا يعدم أنصارا، وقل اعملوا على مكانتكم إنا عاملون، وانتظروا إنا منتظرون.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here