islamaumaroc

نظر الإسلام في اكتساب المؤمن للفضائل

  دعوة الحق

83 العدد

الإنسان أليف بتكوينه وصنعه، مدني بسجيته وطبعه، وشيج الصلة بمجتمعه، كثير الحاجة إلى التعاون مع أبناء جنسه ونوعه، وبقدر تزكية نفسه، وتهذيب أخلاقه وتلطيف إحساسه، تكمل إنسانيته، وتشع في الةجود نورانيته، فيكون عضوا فاضلا في المجتمع، ولسان صدق لمن استمع وقدوة مثالية لمن اتبع، ولهذا بعث الله اللطيف بعباده رسول الإسلام سيدنا محمد عليه السلام متمما لمكارم الأخلاق بشريعته وعمله وسيرته إلى الأمة العربية بأدابه العالية، وتعاليمه السامية، فتكاملت فيها الفضائل حتى استحقت أن يصفها الوحي الإلاهي مما اكتسبته من حسن التربية بقوله عز من قائل، "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله".
والأخلاق كما لا يخفى منها الجبلي، ومنها المكتسب بالتهذيب والتربي، وأصل الخلق في اللغة التقدير المستقيم، ويستعمل في إبداع الشيء من غير أصل ولا احتذاء، نحو خلق الله السماوات والأرض، فالخلق والخلق في الأصل واحد وقع التفريق بينهما في الاستعمال، قال الإمام الراغب في مفردات القرآن: لكن خص الخلق بالهيئات والأشكال والصور المدركة بالبصر، وخص الخلق بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة، قال تعالى "وإنك لعلى خلق عظيم" والخلاق "بفتح الخاء" ما اكتسبه الإنسان من الفضيلة بخلقه، وفلان خليق بكذا أي كأنه مخلوق فيه ذلك كقوله مجبول على كذا، أو مدعو إليه من جهة الخلق.
وبعض الناس يرى الخلق من جنس الخلقه ولا يستطيع أحد تغيير ما خلق عليه أن خيرا وأن شرا، إلا أن بعض العلماء بقول بإمكان تغييره بتهذيبه، قال الراغب في كتاب الذريعة واستدل أي هذا البعض بما روى، "حسنوا أخلاقكم" فلو لم يكن لما أمر به، قال: ولأن الله تعالى خلق الأشياء على ضربين أحدهما بالفصل ولم يجعل للعبد فيه عملا، كالسماء والأرض والهيئة والشكل، والثاني خلقه ما، وجعل فيه قوة ترشح الإنسان لإكماله وتغيير حاله كالنوى الذي جعل فيه قوة النخل، وسهل للإنسان سبيلا إلى أن يجعله بعون الله تعالى نخلا وأن يفسده أفاد قال: والخلق من الإنسان يجري هذا المجرى في أنه لا سبيل للإنسان إلى تغييره القوة إلى أن تصير سجية وجعل له سبيلا إلى أسلاسها ولذلك قال تعالى: "قدد أفلح من زكاها" وقد خاب من دساها" ولو لم يكن كذلك لبطلت فائدة المواعظ والوصايا والوعد والوعيد والأمر والنهي، ولما جوز العقل أن يقال للعبد لم فعلت؟ ولم تركت؟ وكيف يكون هذا في الإنسان ممتنعا وقد وجدناه في بعض الحيوان ممكنا، فالوحشي قد ينتقل إلى التأنس والجامح إلى السلاسة لكن الناس في غرائزهم مختلفون فبعضهم جبلوا جبلة سريعة القبول وبعضهم جبلوا جبلة بطيئة القبول وبعضهم في الوسط، وكل لا ينفسك من أثر قبول وأن قل ، انتهى نقل الراغب لكلام غيره وعلى أساس هذا الرأي الحاصف يتنزل ما ننشده من آثار التربية الروحية العملية على أيدي الأنبياء والصديقين وجميع دعاة الهخداية والخير في الوجود وتنفعهم دعوة الأديان ونصوص الكتب المنزلة المقدسة التي فيها الهدى والنور التي يسرها الله سبحانه للذكر و التدبر، وضرب فيها الأمثال للاتعاظ والعمل وجلى فيها الحكم والعبر، فمن عاشر الأخيار تأثر بأخلاقهم ومن لازم الأشرار تخلف بسلوكهم أو أصابته آفة من آفاتهم إلا من رحم ربك، وكثيرا ما  يتأثر الإنسان لفعل الخير حتى يصير من أهله، كما قد  يتأثر بفعل السيئات  حتى يقع  الطبع على قلبه، وقد ضرب النبي عليه السلام المثل للتأثر من الجليس السوء بصاحب العطر وصاحب الكسر وخبث الحديد وتأمل قوله المروي في صحيح مسلم عن أبي موسى "إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحدبه "أي يعطيك" وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن  تجد فيه ريحا خبيثة" وكذلك قوله عليه السلام المروي في الصحيحين "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وأن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وأن الفجور يهدي إلى النار وما يزال الرجل يكذب  ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا" فتأمل قول الرسول الأعظم عليه السلام يتحرى الصدق ويتحرى الكذب  ونتيجة التحريين في التخلق بالصدق أو الكذب.
وبالتأثر بالتربي العلمية والعملية تتفاوت الأمم أيضا في الخير والشر والبر والفجور والإصلاح والإفساد كما تتفاوت درجات الأفراد الذين يعملون الخير عم عقيدة وإيمان راسخ بشريعة سماوية لا تنالها الأغراض والشهوات حتى خطابهم الله بقوله: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" فبفضل هؤلاء جميعا على اختلاف درجاتهم في التفاضل من يزعمون أنهم يفعلون الخير عن تفكير لصالحهم ولصالح الهيئة الاجتماعية التي يعيشون بينها، لأن هؤلاء كثيرا ما يغلطون في تقدير المصالح وتمييزها من المفاسد، أو يتبعون أهواءهم فيفضلون ويضلون فيكونون ممن يصدق عليهم قوله تعالى: "هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا، الذين يحسنون صنعا" وقد ذكر الله سبحانه من أمر يصدقه أو معروف أو إصلاح بين الناس ثم قوله تعالى: "ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نوتيه أجرا عظيما" قال الشيخ رشيد رضا رحمه الله: وإنما تنال مرضاة الله بالشيء إذا فعل على الوجه الذي يحصل به الخير ويتم به النفع الذي شرع لأجله ويكون الفاعل له مظهرا لرحمته تعالى وحكمته، مع تذكر هذا  العمل والشعور به، وبهذا القيد يكون مومن أرقى من الفيلسوف في عمله، وأبعد عن الغرور والدعوى فيه وأرسخ قدما في الإخلاص وتحري نفع الناس والثياب  على ذلك وعدم مزاحمة الأهواء الشخصية له وترجيحها". انتهى.
وإذا كان الدين يربي في نفس المتدين الوازع النفساني وقانون الضمير الخلقي الكريم الذي يجعل سلوك صاحبه مثلا عاليا في السلوك لا يحتاج معه إلى قانون ظاهر يردعه عن مخالفة بل يكون الإنصاف من نفسه سجيته، والعمل الخيري لتفسه وأهله ومجتمعه عقيدته، فيكون أرقى ممن يدعي السير في حياته على قانون فلسفة الفضيلة في ميدان الأعمال والاستفتاء عن هداية الدين وأن بلغت بالإنسان مراتب الكمال.
وقد حكى الشيخ رشيد رضا حديثا جرى له مع بعض كبراء المصريين في تحديد معنى الفضيلة وهو في الواقع شبه مناظرة يجمل إيراده هنا عسى أن يتأمل مغزاه بعض الشبان الذين لم يتعمقوا في دراسة هداية الأديان قال رحمه الله: فكان أي بعض الكبراء يتكلم بلسان الفلسفة وأتكلم بلسان الإسلام الجامع بين الدين والحكمة، فلما حددها بما ينفع الهيئة الاجتماعية قلت إذا كان هذا هو المعنى فما هو الباعث للنفوس على العمل به؟
قال هو اعتقاد كل فرد أن نفع الهيئة الاجتاعية نفع له، فإذا صلحت عاش فيها سعيدا، وغذا فسدت لحقه شيء من فسادها فكان به شقيا، قلت معنى الفضيلة إذا أن يطلب نفع نفسه مع ملاحظة نفع الهيئة الاجتماعية التي يعيش فيها، فتختلف الأعمال التي تندرج في مفهومها الكلي باختلاف أفراد الناس فيما ينفع الهيئة الاجتماعية وفيما هو أرجح من المنافع عند تعارضها،مثال ذلك إذا قدرت أن تسرق مال رجل أو تخونه فيه إذا استودعك إياه ففعلت ذلك لاعتقادك أنك تقدر على ما لا يقدر صاحب المال عليه من نفع الهيئة الاجتماعية أو تنفقه فيما هو أنفع لها تكون بهذه السرقة وهذه الخيانة معتصما بعروة الفضيلة قال: نعم.
قلت وغذا قدر رجل على أن يخون آخر في عرضه ويزني بإمرأته معتقدا أنه لا ضرر في ذلك على الهيئة الاجتماعية لأنه في الخفاء فلا يثير نزاعا ولا خصاما، فلا ينافي الفضيلة، أو أنه ربما ينفع الهيئة الاجتماعية بإيلادها ولدا يرى من ذكائه ما يكون به خيرا مما تلده تلك المرأة من زوجها الشرعي أو بما هو أوضح من هذا عنده كان تكون تلك المرأة لا تلد من  ذلك الرجل، فهل يكون هذا العمل من مقومات الفضيلة المحدودة بما ذكرتم؟ قال: نعم، كل من هذا وذاك من الفضيلة في الواقع ونفس الأمر إذا كان اعتقاد الفاعل بنغعه للهيئة الاجتماعية صحيحا، وإن كان القانون لا يجيز الحكم له بحسب اعتقاده إذا ظهر الأمر ورفع إلى القاضي؟ هذا ما حكاه الشيخ رشيد عن محاورته مع هذا المصري المفتون بهذه النظريات الخاطئة في فهم الفضيلة، ثم علق رحمه الله مبديا أسوأ نتائج هذا الفهم في السلوك الاجتماعي بما تأتي أقول: وقس على السرقة والخيانة والفاحشة جميع الرذائل حتى القتل فإنها يمكن أن تعد من الفضائل على ذلك التعريف إذا ظن فاعلها أنه ينفع الهيئة الاجتماعية كأن يقتل من يرى هو في سياسته أو اعتقاده أو عمله ضررا وإن كان المفتول يرى ذلك نافعا، فهذا الجديد في الفلسفة العملية هو شر مذهب أخرج للناس، فإن الرذائل فيه قد تسمى عقائل الفضائل والمفاسد تعد فيه أنفع المصالح، والحاكم في ذلك هو الهوى ثم قال ولولا افتتان ضعفاء النفوس ببعض من يقولون به لما استحق أن يحكى.
وقد كان للفلاسفة الأولين مذاهب في الفضيلة معقولة وآراء صحيحة، وقد انطلقهم الله تعالى بكثير من الحكم، ولكن ثمرات عقولهم لم تكن دانية القطوف، يجنيها القوي والضعيف، ولم يكن لها من هداية الوحي من السلطان على القلوب والأرواح، والتأثير في إصلاح شؤون الاجتماع، فمن ثم كان الدين أنفع من الفلسفة للناس" انتهى كلامه.
وأقول لو عاش السيد رشيد رضا إلى وقتنا الحاضر لرأى أن الافتتان بهذا الفهم الخاطئ للفضائل لم تبق النفوس الضعيفة وحدها مفتتنة ببعض من يقولون به، ولكن أصبح عقيدة كثير من إنصاف المثقفين والجهال، تنحل به من الروابط وتكثر الرذائل، وتنقلب به أوضاع كثير من المجتمعات إسلامية وغيرها، فينعدم الاستقرار بسبب ذلك بينما نرى هداية الإسلام أهم دعائم الاستقرار في المجتمع بدستورها السماوي وأخلاقه وبالنصيحة المطلوبة في الإسلام بين كل فرد من أهله وبالشورى النزيهة التي هي أساس الحكم والولاية في الإسلام وذلك ما يجعل المسلمين المخلصين يتفانون في نشر الدعوة من جديد للتمسك بالإسلام وفضائله حتى يعم الأمن والعدل والاستقرار في جميع أقطاره.
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here