islamaumaroc

الشعر بين التكلف والابتذال

  دعوة الحق

83 العدد


الادب تعبير جميل عما في نفس الإنسان من افكار وعواطف ويثير جمال الأسلوب ورونق التعبير لمن رق ذوقه ودقة مشاعره ووصحت معانيع قي نقسه فجعل الالفاظ ترحماننا لها ووسيلة للأفصاح عنها.
أن الأدب الجميل الرائع هوالذي تناسق فيه مجهودات الأديب وتتكواكب فيه مظاهر نبوغه فيربط بين المعاني والألفاظ ويبدع فيه التصوير والخيال وطريقة العرض حسب الفن الأدبي الذي يرتاح إليه ويختاره من بين الفنون.
فالإبداع الأدبي تختلف مقاييسه حسب الاتجاهات الأدبية الحديثة فما يحتاج إليه الكاتب قد لا يحتاج إليه الشاعر أو القصاص أو الناقد الأدبي.
وإذا كانت هاته المقاييس تختلفغ من حيث احتياج الأديب إلى استعمال الخيال أو الانسياق مع العواطف أو تحليل الأفكار تحليلا مرتبطا بالمنطق أو استغلال الأساليب الخطابيية أو استعمال الأوزان والقوافي أو الابتعاد عنها فإن الذي يجب أن لا يختلف فيه الأدباء على اختلاف مناهجهم هو الوضوح التعبيري والابتعاد عن التعقيد اللفظي والتعقيد المعنوي وتجنب التكلف المفضي إلى القصور في تصوير المعاني وإلى الانسياق مع الألفاظ انسياقا يفقد الأدب روعته وجماله، والأديب حريته وإبداعه.
إن أضر شيء بالأدب أن يتكلف الأديب طرقة تعبيرية لا يكون الهدف منها إلا إبراز القدرة على التصرف بالألفاظ والتلاعب بها.
إن اللغة وسيلة للتعبير وإنها رسول الفكر ومجهر العواطف الكامنة في نفس الإنسان لذلك يجب أن لا نخرجها عن جدورها وإن لا تصرفها في غير معانيها وإن لا نبعدها عن غايتها بمعنى أننا يجب أن لا نجعلها متحفا فنيا لاستعراض المحسنات اللفظية إذ الواجب دعلها وسيلة للبيان والتبيين. ومما لا يخفى أن الشعراء هم أقدر الناس على البيان أي على إيراد المعنى الواحد يطرق مختلفة، لأنهم يعتمدون على أنواع الاستعارات والمجازات ومختلف التشبيهات والصور.
أن قدرة الشاعر على الخلق قد تجعله يتصرف في اللغة تصرفا مطلقا فيجعلها مرنة تسع ما كانت تضيق عنه، لهذا يجب عليه أن يهتم بهذا الجانب الفني التصويري وأن يجعل الألفاظ إطارا ملائما.
أن اللغة تكتب الحياة من الشعراء الموهوبين لأنهم يستطيعون أن يعطوا الكلمات مدلولاتها العميقة فيفضل خيالهم يبعثون الروح في الألفاظ ويجعلونها متصلة بالمعاني متماسكة بها.
إن الشعراء جديرون بأن يعتبروا المانحين الواهبين للغة قوام وجودها وامتدادها، وأن هذه المواهب الخلافة التي يكتسبها الشعراء قد تضعف إذا ما وجهت عنايتهم إلى الألفاظ وتناسقها دون أن يكون مع ذلك اهتمام بالمعاني والصور.
وقد ضعف الشعر العربي حينا من الدهر لما أصبح الاهتمام اللفظي ضرورة من ضرورات الأدب.
حقيقة استطاع بعض الشعراء بما لهم من قوة أن يلتزموا قيودا لم تكن معهودة في الشعر، وحافظوا رغم ذلك على التوازن الفكري والإبداع المعنوي، كالمعري مثلا حينما ألزم نفسه مالا يلزم، وكأبي تمام حينما جعل الجناس ضرورة تعبيرية، وكالبحتري الذي حافظ على الجرس الداخلي في قصائده، ولكن هاته القوة التي كانت تنبعث من هؤلاء الشعراء الكبار وأمثالهم دفعت آخرين إلى التقليد في القالب اللفظي فضعفت معانيهم وهزلت صورهم، بل عمد أخرجوا بقيودهم التعبيرية الشعر عن العمل الفني الذي يعبر به تعبيرا جميلا عما في نفس الإنسان من مشاعر وإحساسات ويصور به دقائق الأشياء وخفايا الأمور إلى حركات بهلوانية لا تمت إلى الفن الأدبي .
لقد بلغ الاستهتار بالشعر عند بعض الشعراء إلى أن يعبدوا إلى إيجاد البيت الذي يقرأ طردا وعكا، كقول الأرجاني في وصف صديق:
مودته تدوم لكل هوا    وهل كل مودته تدوم
فــأنت تقرأ  هذا البيت من أوله إلى أخره إلى أوله فلا يقع تعثر فيه، ولكن هذا المجهود اللفظي لا يدع للشاعر حرية التعبير لأنه أسير لفظه وأسير حروفه.
بل دفع التصنع بعض الشعراء إلى أن يأتوا بالقصيدة الشعرية ثم يحذقون منها أجزاء فإذا هي قصيدة أخرى محافظة على القوافي منسجمة مع الإيقاع العروضي كما فعل الحريـــــري حينما قال (1).
 
يا خاطب الدنيا الدنية أنها            شركة الردى وقراره الأكدار
دار متى ما أضحكت في يومها     أبكت غدا لعدا لها من دار
وإذا أظل سحابها لم ينتفع            منه صدى لجهامه الغرار
غاراتها ما تنقضي وأسيرها         لا يفتدى بجلائل الأخطار
كم مزدعى بغرورها حتى بدا       متمردا متجاوز المقدار
قلبت له ظهر المجن واولغت       فيه المدى ونزت لأخذ الثأر
فاربأ بعمرك أن يمر مضيعا        فيها سدى من غير ما استظهار
وأقطع علائق حبها وطلابها        تلق الهدى ورفاهة الأسرار
وأرقب إذا ما مالت من كيدها      حرب العلى وتوثب الغدار
وأعلم بأن خطوبها تفجا ولو        طال العلى وونت سوى الأقدار

هذه الأبيات البداية الأوزان حذف منها الشاعر جزئين فصارت على النهج الآتي:
يا خاطب الدنيا الدنية      إنها شرك الردى
دار متى ما أضحكت      في يومها أبكت غدا
إلى نهاية القصيدة.
وغير خاف إن هذا التضييق يدفع الشاعر إلى الحشر والفضول أحيانا وإلى الإجحاف بالمعاني أحيانا أخرى، بل يدفعه إلى استعمال كلمات غير شعرية ولا يأتي بها إلا لتناسب القافية المفروضة المتكلفة البعيدة عن الطبع.
إن الشاعر في مثل هاته الأحوال لا يكون هادفا إلى إبراز المعاني بل يكون عاملا على إبراز تفوقه في التغلب الألفاظ والأوزان.
ويعرف علماء البديع هذا النوع بالتشريع أو التوأم وقد قال ابن حجة الحموي في كتابه (خزانة الأدب) (2). "ولاشك أن هذا النوع لا يأتي إلا بتكلف زائد وتعسف فإنه راجع إلى الصناعة لا إلى البلاغة والبراعة".
وأخطر من هذا تصنعا ما عمد إليه الرئيس ابن عاصم حينما مدح أبا الحجاج يوسف بن إسماعيل النصري بقصيدة طويلة تتجاوز مائة بيت ضمنها كلمات كتبها بألوان مغايرة إذا جمعت تكونت منها قصيدتان، ثم ولد من القصيدتين موشحتين، وهذا أمر عسير لا يتيسر بسهولة ولا يمكن للشاعر أن يحافظ معه على الجمال المعنوي، وسنحاول أن نعطي نموذجا للسياق اللفظي الذي سار عليه فيما سنختاره من هاته القصيدة وسنجعل للكلمات المنفردة علامات خاصة بها قال: (3)
أما والهوى (ما كنت) مذبان عهده          أهيم بلقيا من تناثر ورده
رعى من (لو أنصف) الصب في الهوى   لما قاض منه الدمع مذبان
ولو جاد من بعد (بعد المطال) بزوره      لما شب أشواقي وقلبي زنده
كما خان صبري يوم أصبح و(أصلي       لظى) زاد ماء من جفوني وقده
لذلك أمال الدمع كالدر مدمعي              من (الوجد) فاستولى على الجفن سهده
حكى لؤلؤ من سلكه منتاثرا                 و (الأليم) قد تتابع مده
ذحرت الثمين القدر منه بمقلتي             ومازلت من خوف (النكال) أعده
 
إن هاته الأبيات تتضمن مطلع القصيدتين المولدتين فالكلمات الموجودة بين قوسين إذا جمعت تولد عنها البيت الآتي.
ما كنت لو أنصف بعد المطال أصلي لظى الوجد الأليم النكال
فإذا  أجمعت الكلمات الأخرى التي ميزت بالخط الواضح لتولد المطلع الآخر وهو:
تناثر الدمع من جفوني كالدر من سلكه الثمين
ومن تتمة هاتين القصيدتين تتولد الموشحتان، وفي هذا من التعسف مالا يخفى.
هذه المحاولات لاشك أنها تبعد الأديب عن المعاني التي يقصدها بل تصرفه أحيانا إلى تبديل لفظ بما هو أدون وأسخف وتجعله غارقا في تنظيم كلماته أكثر من تعمقه في إبراز خواطره وهذا ما يجب أن تنزه عنه الشعر.
أن الشعر لحن جميل وعاطفة وقادة وإلهام يتلى، يجب أن يكون مطبوعا، يجب أن يتبع من ملكة الشاعر دون تكلف يبعده عن الإبداع والجمال.
يجب أن يجعل الشاعر اللغة طريقة تعبيرية تهدف إلى تصوير العواطف وتيسير المعاني ورسم الخواطر والخيالات، ثم يجب عليه أن يحافظ على التوازن التعبيري الفني فيختار من الألفاظ أبعدها عن الغموض والإبهام، وأقربها إلى الذوق وأشدها انسجاما مع الجرس الموسيقى الجذاب.
إن التوازن بين الكلمات شرط أساسي من شروط البلاغة لا يعتمد على القواعد فقط ولكن يعتمد على الذوق أيضا. أن الذوق أستاذ الحاكمين ورائد الناقدين، يجب أن نمكنه من الحكم وأن نعطيه القيادة، وأن نجعله ميزانا عادلا تميز به بين الغث والسمين، بين الردئ والجيد، بين القبيح والجميل.
إن مجرد الركون إلى الذوق الأدبي الصقيل يكفينا في الحكم على أن التكلف التعبيري الذي لا يسير مع طبيعة اللغة ولا ينسجم مع قوانينها يفقد الأدب جماله ويخلق فيه روح المعاني الجذابة، ويذوي فيه الإحساسات والعواطف الصادقة.
وإذا كنا لا نريد هذا التضييق العقد المخالف لروح الفن، فنحن أيضا لا نريد له التفسخ والانحلال والابتذال لا ترضي له التحرر المطلق عن الإيقاع الموسيقي الرائع.
إن الأوزان العروضية والقوافي الشعرية في ذاتها ليست ضررا على الشعر، ولكن الضرر هو أن نثقل هذه الأوزان بقيود أخرى تجعل الشاعر أسير التعبير بعيدا عن الانطلاق العادي الذي يجعل الشاعر متحكما في معانيه وصوره مؤثرا في سامعيه وقرائه. وإذا كان الشعر العربي اليوم يعيش في اضطراب بين مدرستين، مدرسة المحافظين على الأوزان، ومدرسة الثائرين عليها فإننا لا نريد من المدرستين معا أن يقتصر خلافهما على الطابع الشعري اللفظي، وإنما يجب أن يسير غور المعاني والصور.
إننا نريد التجديد في الاتجاه المعنوي للشعر وفي الاتجاه التصويري. نريد عمقا في الخيال، عمقا في التصوير، ولكن جذور هذا العمق يجب أن ترتبط بالإيقاع الجميل الذي تمتاز به لغتنا.
إن الذي ننكره على الشعر هو أن يفقد رسالته، هو أن يصبح مجرد كلمات متنافرة أو معقدة دون أن يكون تيارا التجديد يهدف إلى رفع مستوى الخيال والتصوير والموسيقى.
لذلك أرى أن الشعر العربي يجب أن يحافظ على أوزانه وقوافيه دون أن ينساق إلى مشجعي التعقيد أو التفسخ، وعلى الشاعر أن يهيم في معانيه وصوره وأن يعتم بألفاظه وتراكيبه وأن يجعل توازنا بين التعبير الفنية وبين قوة الخلق والإبداع.
 إن الشاعر الذي لا يخلق شيئا جديدا في عالم الأدب يكون متجرا لمن سبقه، وليس الخلق مقتصرا على المعاني، بل أنه متصل بالتصوير، فكثير من الشعراء يأخذون المعنى المبتذل ولكنهم بقوة خيالهم يرفعونه إلى درجة الإعجاب حتى يصير تحفة فنية رائعة.
إن الشعر فن جميل، يجب أن يظل بعيدا عن التكلف والابتذال، فهو رمز حي للخواطر الكامنة والإحساسات الجامحة والاهتزازات العارمة، يكتسب خلوده من جمال إيقاعه وتماسك أجزائه وصدق عاطفته.
فليتجنب الشعراء التضييق اللفظي المخل بالمعاني والانحلال التعبيري المخل بالفن الأدبي الرائع البديع.


1المقامة الثالثة والعشرون للحريري.
2خزانة الأدب للحموي/ الطبعة الأولى، صفحة 120.
3اقرأ القصيدة تامة وما تولد عنها كتاب أزهار الرياض، للمقري من صفحة 145 إلى صفحة 158 من الجزء الأول.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here