islamaumaroc

لمحة تاريخية وأدبية عن الحمامات في المجتمع الإسلامي -2-

  دعوة الحق

83 العدد

                                                -2-
وفي كتاب ألف ليلة وليلة، وهو كتاب يشتمل على صور حجية للحياة الاجتماعية الإسلامية، بما فيها من بذخ ورفاهية، ومجون أو بؤس وعسر، نقرأ حكاية «أبي صير وأبي قير» فنقتنع بأن الحمامات كانت تعتبر من أهم المؤسسات العمومية التي تتوقف عليها المدن لاستكمال مظاهر حضارتها، وتعد من المراكز التي تيسر الاتصال بذوي الجاه، ومن موارد الرزق الحلال الطيب.
استعمل  صاحب الحكاية ألفاظا شائعة عند رجال البحر، إلا أنه لم يذكر البلدة التي بنى فيها «أبو صير»  الحمام، وفي هذا ما يدل على أن تلك الحكاية خيالية وضعت للإرشاد والتوجيه، ولبيان سوء مغبة الحسد أكثر مما وضعت لتصوير حقائق واقعية، وإنها كتبت بعد عهد الحروب الصليبية. والذي يهمنا منها هو أنها تشخص ما يتطلبه الحمام من حسن التدبير، وما يجري في الحمامات من نشاطات للتنظيف والترفيه، وفحوى الحكاية أن «أبا صير و «أبا قير» - وهذان العلمان من باب: هيان بن بيان- ضاقت بهما وسائل العيش في الإسكندرية فركبا البحر طلبا للرزق ووصلا إلى مدينة جميلة منظمة إلا أنهما لاحظا بعد أن أقاما بها مدة واتصلا بملكها، أنه ليس بها حمام، فاستأذن أبو صير الملك في بناء حمام وأطلعه على للاغتسال به حماما على شكل الحمامات التي رآها بالإسكندرية، ثم زخرفة وفرشة وطيب هواءه بأنواع البخور، وعلم عدة مماليك. ودشن الملك الحمام ومعه وزراؤه وجماعة من علية القوم فكبس أبو «صير«الملك بنفسه، وأخرج من جسده الوسخ مثل الفتائل....ومزح له ماء الورد بماء المغطس فخرج وجسده قد ترطب، فحصل له نشاط.. ثم بعد ذلك ثم بعد ذلك أجلسه في الليوان (الإيوان) وصار المماليك يكبسونه والمباخر تفوح بالعود والند. فقال الملك: «ما صارت مدينتي مدينة بهذا الحمام» وأعطى «لأبي صير» أموالا ومماليك وكذلك فعل الأكابر الذين معه، ثم جاءت الملكة إلى الحمام مع عدد من الجواري ونساء الأعيان، فابتهجن بما رأين فيه، وقدمت لنا الشربات، فحظي ««أبو صير» عند الملك وشاع ذكره في المدينة وانهالت عليه الأرزاق، وذلك لأن كل سكان المدينة تأكدوا بما للحمام من مزايا، وأخذوا يلجونه أفواجا طلبا للنظافة والراحة.
 ورسم بديع الزمان الهمداني في مقاماته- تلك المقامات التي يمكن أن تعتبر شريطا سينمائيا لألوان الحياة الاجتماعية في عهده – مشهدا فكاهيا ممتعا لما يجري في الحمام من أعمال فقال «حدثنا عيسى بن هشام قال: لما قفلت من الحج فيمن قفل، ونزلت حلوان مع من نزل، قلت لغلامي، أجد شعري طويلا، وقد اتسخ بدني قليلا، فاختر لنا حماما ندخله، وحجاما نستعمله، وليكن الحمام واسع الرقعة، نظيف البقعة طيب الهواء، معتدل الماء.... »
.... فأخذنا إلى الحمام السمت، واتيناه فلم  تر قواما، لكني دخلته ودخل على إثري رجل، وعمد إلى قطعة طين فلطخ بها جبيني، ووضعها على رأسي، ثم خرج ودخل آخر فجعل يدلكني دلكا يكد العظام، ويغمزني غمزا يهد الأوصال، ويصفر صفيرا يرش البزاق، ثم عمد إلى رأسي يغسله. وإلى الماء يرسله. وما لبث أن دخل الأول فحيا أخدع الثاني بمضمومه قعقعت أنيابه. وقال: يالكع مالك ولهذا الرأس وهو لي ؟. ثم عطف الثاني على الأول بمجموعة هتكت حجابه، وقال: بل هذا الرأس حقي وملكي وفي يدي؟
ثم تلاكما حتى عييا.وتحاكما لما بقيا. فأتيا صاحب الحمام. فقال الأول: أنا صاحب هذا الرأس لأني لطخت جبينه ووضعت عليه طينه. وقال الثاني: بل أنا مالكه، لأني دلكت حامله، وغمزت مفاصله. فقال الحمامي: أتنوني بصاحب الرأس أسأله. إلك هذا الرأس أم له، فأتياني وقالا لنا عندك شهادة فتجشم؟ فقمت وأتيت، وشئت أم أبيت. فقال الحمامي.                                        

يا رجل لا تقل غير الصدق، ولا تشهد بغير الحق، وقل لي هذا الرأس لأيهما؟ فقلت: ياعافاك الله؟ هذا رأسي قد صحبني في الطريق وطاف معي يالبيت العتيق؟ وما شككت أنه لي؟ فقال لي: اسكت يا فضولي. ثم مال إلي أحد الخصمين فقال: يا هذا إلى كم هذه المسافة مع الناس. بهذا الرأس؟ تسل عن قليل خطره، إلى لعنة الله وحر سقره: وهب أن هذا الرأس ليس؟ وأنا لم نر هذا التيس؟ قال عيسى بن هشام: فقمت من ذلك المكان خجلا، وليست الثياب وجلا، وانسللت من الحمام عجلا...«»
وكثيرا ما أوحي الحمام بأفانين من المعاني الشعرية مختلفة الألوان والمشارب.
دخل الشاعر الزجال أبو بكر يحيى بن عبد الرحمن بن بقي القرطبي(1)  الحمام، فوجد فيه أبا جعفر ابن هريرة التطيلي المعروف بالأعمى (2) فقاتل له أجز:
حمامنا كزمان القيظ محتدم
                            وفيه للبرد صر غير ذي ضرر

فقال الأعمى:
ضدان ينعم جسم المرء بينهما                     
                            كالغصن ينعم بين الشمس والمطر


ويقال أنهما التقيا مرة أخرى بالحمام فقال الأعمى:
يا حسن حمامنا وبهجته        مرأى من السحر كله حسن                        
ماء ونار حواهما كنف         كالقلب فيه السرور والحزن
                              

ثم أعجبه هذا المعنى أيضا فقال فيه:
ليس على لهونا مزيد           ولا لحمامنا ضريب
ماء وفيه لهيب نار             كالشمس في ديمة تصوب
وأبيض من تحته رخام        كالثلج حين ابتدا يذوب

وورد لفظة «الثلج» تثيب أن قائل هذه الأبيات أندلسي وأنه يستطيب دخول الحمام وبالخصوص في فصل الرياح والمطار. ومن المعلوم أن كل شاعر يحلق في الجو الذي اختاره لنفسه وينسج على المنوال الذي أستحسنه مستحليا المعاني التي تلائم هواه ومذهبه.
قال بعضهم (وربما يكون ابن الوردي):
وما أشبه الحمام بالموت لامريء         تذكر... ولكن أين من يتذكر؟
يجرد عز أهل ومآل وملبس               ويصحبه من كل ذلك مئزر(3)

وقال أبو الطيب المانوني، شاعر اليتيمة:
وبيت كأحشاء المحب دخلته         ومالي ثياب فيه غير أهابي
أرى محرما فيه وليس بكعبة        فما ساغ إلا فيه خلع ثيابي
بماء كدمع الصب في حر قلبه      إذا آذنت أحشاؤه يذهاب
توهمت فيه قطعة من جهنم          بدور زجاج في سماء قباب (4)
يثير ضبابا بالبخار مجدلا           ولكنها من غير مس عقاب

ومن قصيدة لأبي عمرو ابن دراج في وصف الحمام:
أنعم بحمام حمي لك ماؤه         وعلى عدوك ترحة وحمام
متفرج الأبواب عن صحن ثوى   فيه الصباح وشرد الأظلام
وكأن فيه من الربيع صجية        فيها تساوى الليل والأيام
مفض إلى حر الهجير وناره      برد عليك وأن غلى وسلام
وتألفت من مائه ورخامع          شكلان تشكل فيهما الأوهام
هل تحت هذا الماء ماء جامد      أم ذاب من فوق الرخام رخام؟
وهو الزمان شتاؤه ومصيفه       وخريفه وربيعه البسام (5)
  
وقال بعض الشعراء ممن تيمهم الحب، فأحرقت نار الغرام قلوبهم وأغرقت دموع الهيام جفونهم:
لم أبغ بالحمام طيب تنعم          أفنى البكاء دموع عيني أجمعا
فبكيت فيه أسى بجسمي كله      حتى كأن لكل عرق مدمعا (6)

وقال صاحب كتاب نهاية الأرب: وأنشدني جمال الدين محمد بن عبد الحكم لنفسه:
قالوا نراك دخلت حماما وما
        حلف الهوى يلتذ بالأهواء

فأجبتهم :                                              
لم تكف أدمع مقتلي
  حتى بكيت بجملة الأعضاء

وورد في كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة ولم يذكر القائل:
ولم أدخل الحمام يوم رحيلهم      طلاب نعيم قد رضيت ببؤسي
ولكن لتجري دمعتي مطمئنة       فأبكي ولا يدري بذاك جليسي
 
وقال إبراهيم بن خقاجة الأندلسي:
أهلا ببيت النار من منزل   شيد لأبرار وفجار
يدخله ملتمس لذة            فيدخل الجنة في النار
  
وقال شاعر آخر:
إن حمامك هذا         غير مذموم الجوار
ما رأينا قبل هذا        جنة في وسط نار (7)

ودخل ابن سكرة الهاشمي – (وهو من شعراء القرن الرابع) – الحمام فسرق له مداسه فقال متشبها بالمنصوف الزاهد «بشر الحافي»:
إليك أذم حمام ابن موسى             وإن فاق المنى طيبا وحرا
تكاثرت اللصوص عليه حتى         ليحفي من يطيف به ويعرى
ولم أفقد به ثوبا.. ولكن دخلت       «محمد» فخرجت «بشرا» (8)
إن هذه المجموعة من القطع الشعرية والنثرية تبين أن الحمام مؤسسة مفتوحة في جوه العامة، مبرزة لكافة الناس، وإن من الشعراء من كان يدخله «ليبكي« (بجميع الأعضاء) ومن كان يلجه ليتذكر عزلة القبر، ومنهم من يرى فيه «الجنة في النار».
ومهما يكن من أمر فالحمام معد قبل كل شيء للتطهير والتنظيف، وهو في هذه الغاية «مشيد للأبرار والفجار» و «منزل أقوام إذا ما تقابلوا به تشابه وغدة ورئيسه» ولذا فليس من المستعبد أن ينقلب «طيبة خبثا» وأن يستحيل فيه (المعروف منكرا)، ولذا أيضا كانت الحمامات ومازالت مبعث أحكا متباينة، وفتاوي متناقضة، كما كانت ومازالت محط أنظار المحتسب، وصاحب الشرطة، تلافيا لما قد يقع فيها من منكرات وردعا لمن يحاول أن يعيث فيها فسادا.
ولنذكر هنا ما ورد في كتاب «الموشي» (9) من شرائع المروءة وحدود الأدب التي يجب على الظرفاء مراعاتها عند دخولهم الحمام: « وقد ينبغي للظريف أن يدخل الحمام على خلوة، لئلا ينظر فيه إلى سوءة ولا يمد عينيه إلى أحد، ولا يعلق ثوبه على وتد، ولا يدلي رجله في البئر التي ينصب إليها الماء فإن ذلك مما يفعله الأدنياء، ولا يدلك رجله في البئر التي ينصب إليها الماء فإن ذلك مما يفعله الأدنياء، ولا يدلك يديه بخرقة، فإن ذلك مما يستعمله السخفاء، ولا يتمرغ على حرارة أرض الحمام فإن ذلك مما يفعله سفلة العوام، بل ينبغي له أن يدخل متزرا ويقعد فيه معتزلا، ولا يقعد متوقزا على رجليه، فإن ذلك طعن على عقله، ولا يميل مضطجعا بل ينتصب متربعا، حتى إذا نضب العرق من بدنه، وتحدر على جسده، وكان عرقه بين الكثير والقليل، نشفه عن بدنه بمنديل، ثم دعا لرأسه بالغسول والأشنان المنخول، فإن ذلك من أهل المروات والنعم، وأهل البيوتات والقدر ممن لا ينسب في فعله إلى شيء من شكله: فليبتدئ، دخوله الحمام بالإمساك عن الكلام، والتجرع من الماء الحار ثلاث جرع».
ولننظر الآن بعض جوانب الآداب العامة الخاصة بالحمامات. قيل: «دعوتان مغفول عنهما عند دخول الحمام: سلمك الله من الزلق، وحرس ثيابك من السرق» وكان الإمام الغزالي يعتبر إزالة أسباب الزلق في الحمام مما يجب الأمر به عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا فليغيره». ولم يغفل أصحاب كتب الحسبة عن التنبيه على الاهتمام بكل ما من شأنه أن يوفر الراحة للمستحمين، ويبعث في نفوسهم الانشراح والاطمئنان. قال أبو عبد الله محمد بن أبي محمد السقطي «وكذلك الخدمة بالحمامات يبيتون محاكهم التي يحكون بها أرجل الناس في الملح والماء كل ليلة لئلا تكتسب الروائح، ويغسلون مئازرهم كل عشية بالصابون ». وقال محمد بن أحمد بن عبدون النجيبي: (10) «يجب أن تكون صهاريج الحمامات مغطاة، فإن كانت مكشوفة لم تومن نجاستها، فهو موضع طهارة، يجب ألا يمشي الطياب ولا الحكاك ولا الحجام في الحمام ألا بالتبان (11) وسراولات، يجب ألا يحك مسلم «اليهودي ولا النصراني... لا يجلس متقبل الحمام للنساء فإنه موضع تمتع وزنى ولا يكون متقبل فنادق التجار والغرباء امرأة فذلك عين الزنى».
يفهم من النص أعلاه أن اليهودي والنصارى كانوا يدخلون للحمام مع المسلمين، سواء في الشرق أو في المغرب، وذلك قصد الاغتسال والاستحمام، وقد عرف ذلك في المغرب إلى غاية العشرين سنة الأولى من عهد الحماية.
يحكي أن الخليفة الفاطمي الحاكم هو أول من أمر بأن «تكون الصلبان في أعناق النصارى إذا دخلوا الحمامات العامة، والجلاجل في أعناق اليهود، ليتميزوا بذلك عن المسلمين، ثم أفرد في سنة 408 ه، حمامات اليهود وحمامات النصارى عن حمامات المسلمين كما خصصت حارة زويلة، بالقاهرة لليهود في ذلك الوقت» (12).
ومما هو جدير بالذكر أن الإفرنج الذين استوطنوا الشام أثناء الحروب الصليبية كانوا أول من استحسنوا الاغتسال في الحمامات الإسلامية: «فأقبلوا عليها أيما إقبال، وقصدوها في أوقات فراغهم يقضون فيها الساعات طلبا للراحة، فضلا عن الغاية الأولى منها وهي النظافة، والظاهر أن البعض أفرطوا في ذلك أيضا، الشيء الذي حمل رجال الكنيسة على أن يحتجوا على الراهبات « لخروجهن من الأديرة، مخالفات بذلك أنظمة حياتهن، ليذهبن إلى الحمامات العامة وحضورها مع عامة الناس(13).
قلنا أن الحمام مفتوح للأبرار وللفجار إلا أن الأخيار والأتقياء من الناس يجتنبون ما قد يرى فيه من منكرات. ومن العلماء من شرطوا يبيح توفرها دخول الحمام. إن الغزالي في «الإحياء» وابن الحاج (14) في «المدخل» «وابن جزي (15)» في «القوانين الفقهية» كل منهم ذكر تلك الشروط وتكاد تكون متشابهة في المبنى والمعنى.
قال ابن جزي (الباب الثاني عشر. دخول الحمام) : وهو للرجل دون النساء بعشرة شروط:
الأول: أن يدخل وحده أو مع قوم يستترون ويعتمد أوقات الخلوة وقلة الناس.
الثاني: أن يستر عورته بإزار صقيق.
الثالث: أن يستقبل الحائط لئلا يقع بصره على محظور.
الرابع: أن يغير برفق ما يرى من منكر.
الخامس: ألا يمكن الدلاك من عورته من السرة إلى الركبة إلا امرأته ومملوكته.
السادس: أن يدخله بنية التداوي والتطهر من الوسخ.
السابع: أن يدخله بأجرة معلومة بشرط وعادة.
الثامن: أن يصب الماء على قدر حاجته.
التاسع: أن يتذكر به جهنم.
العاشر: إن لم يقدر على دخوله وحده، أن يكتريه مع قوم يحفظون أديانهم. وقال: «وأما النساء فاختلف في دخولهن. فقيل يمنعن من الحمام إلا من ضرورة كالمرض أو شدة البرد وشبه ذلك، وقيل إن منع حين لم يكن حمامات منفردة، فأما مع انفرادهن دون الرجال فلا بأس. ثم إذا دخلت، فقيل تستر جميع جسدها، وقال ابن رشد: لا يلزمها من الستر مع النساء إلا ما يلزم ستره مع الرجال، فإن النساء مع النساء كالرجال مع الرجال» وجاء في كتاب «الإحياء» أثناء الكلام عن النظافة: «الدرن الذي يجتمع على جميع البدن برشح العرق وغبار الطريق، وذلك يزيله الحمام، ولا بأس بدخول الحمام، دخل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حمامات الشام، وقال بعضهم : «نعم البيت بيت الحمام، يطهر البدن ويذكر النار» وقال بعضهم: «بئس البيت بيت الحمام، يبدي العورة ويذهب الحياء». فهذا تعرض لآفاته وذلك تعرض لفائدته، ولا بأس بطلب فائدته عند الاحتراز من آفته» وأورد هذا الحديث الشريف: «فلا يدخلها (أي الحمامات) الرجال إلا بمئزر، وامنعوا النساء إلا مريضة أو نفساء» وأما ابن الحاج فإنه قال فيما يخص المرأة، بعد أن ذكر شروط دخول الحمام بالنسبة للرجل «ينبغي للزوج ألا يأذن لزوجته في دخول الحمام لما اشتمل عليه، في هذا الزمان، من المفاسد الدنيئة والعوائد الرديئة، ثم يضاف إلى ذلك محرم آخر، وهو أن اليهودية أو النصرانية لا يجوز لها أن ترى بدن الحرة المسلمة وهن يجتمعن في الحمامات مسلمات ونصرانيات ويهوديات... ولو أخلى لأهله الحمام ليلا، واستترن فلا بأس.. ألا ترى أن الواحدة منهن إذا أرادت الحمام استصحبت معها أفخر ثيابها وأنفس حليها فتلبسها حين فراغها من الغسل، بذلك المفاخرة والمباهاة».                                
إن سوء الظن بالنساء نزعة قديمة. فهن «صواحب يوسف» وكيدهن عظيم، ولكن هل الرجال ملائكة؟ هل كل الرجال يستطيعون أن يقولوا قول يوسف:«رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه».
أجل فإنهن أميل من الرجال للتفاخر والتباهي بالثياب والحلي ولكن:
كتب القتل والقتال علينا
  وعلى الغانيات جر الذيول

ومن الملاحظ أن الحافظات لفروجهن يكن أكثر عددا من الحافظين لفروجهم، عند ما يكون أفراد المجتمع وبالخصوص الفتيان والكهول يتورعون عن التعرض لأعراض المحصنات، وأما عندما تكثر مناسبات اختلاط الحابل بالنابل، والبر بالفاجر، والمتغفل بالشاطر، والمتدبر بالمتهور، فإن مساعدة الحرائر على التحصن والتعفف يصبح من واجبات الأزواج. قال أبو العلاء المعري مخاطبا المرأة:
ولا تلجي الحمام، قد جاء ناصح        بتحريسه، من قبل أن يفسد الناس
فكيف به لما اغتدى في طريقه          رجيب وحواش وتنسج وأشناس (16)
تمازح بالعرب الأعاجم والتقي         على الغدر أنواع تذم وأجناس
أناس كقوم ذاهبين وجوههم             ولكنهم في باطن الأمر نسناس (17)

إن أبا العلاء المعري عاش في زمن مضطرب سياسيا وخلقيا وقد جبل هو نفسه على سوء الظن بالمرأة، ولم يكن نقده مصبوبا على المرأة المسلمة وحدها، بل كان يشمل اليهوديات والنصرانيات. قال في آخر تائيته المشهورة:
وساو لديك أتراب النصارى
  وعينا من يهود ومسلمات

فإنه كان مسرفا في إساءة الظن بالمرأة حتى أنه كان لا يرى لها خيرا في التعلم، ولا في الخروج إلى الحج والمسجد والحمام، ولا في اتصالها بالعراف والمنجم بل هو الذي قال:
ودفن الغانيات لهن أو في
  من الكلل المنيعة والخدور

فالشاعر أبو الطيب المتنبي، قارن بين حسن البدويات الطبيعي وحسن الحضريات المتكلف حيث قال:
ما أوجه الحضر المستحسنات به        كأوجه البدويات الرعابيب
حسن الحضارة مجلوب بتطرية         وفي البداوة حسن غير مجلوب
أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها             مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
ولا يرزن من الحمام مائلة               أوراكهن صقيلات العراقيب
  
فهو يرفع من شأن البدويات لأن حسنهن غير متكلف ولا ناتج عن استعمال الأذهان والمساحيق، وهن فصيحات لا يمضغن كلامهن غنجا كنساء الحضر اللاتي يصبغن حواجبهن ويجلبن حسنهن بأن يدخلن الحمام فيخرجن منه وقد شددن خصورهن فشخصت أوراكهن من تحتها وصقلت عراقيبهن.
فأبو الطيب لا يرى بأسا في أن تدخل المرأة الحمام وإنما يستنكر – تلميحا على الحضريات أن يجعلن من الذهاب إلى الحمام فرصة لإبداء محاسنهن «لغير بعولتهن»، ونحن إن كنا نرى الكثير من الفقهاء يعتبرون السماح للمرأة بالدخول الحمام فتحا لباب من أبواب المفاسد ويفتون بتحريم الحمامات عليهن، فإن تاريخ النظم الإسلامية، واستعراض مظاهر الحياة اليومية في عصرنا هذا، وتطور العادات والتقاليد الاجتماعية، كل ذلك يحملنا على القول بأنه يصعب، بل يستحيل تطبيق تلك الفتاوي وأنه من الأفضل أن نعمل على نشر مل ما من شأنه أن يساعد على التحلي، تلقائيا، بالعفة ويحث عفويا على غض البصر.
ومن جهة أخرى فإن الحمامات الخصوصية أصبحت شيئا متعارفا في المدن وعدت من المرافق العادية في الكثير من الدور الحديثة، كما أن الحمامات العصرية قد كثرت وأصبح من المألوف أن يدخل مقاصيرها النساء والرجال سحاية النهار وفي طرفي الليل. ومن الحق أن يقال أن أغلبها لم يقصد منها إلا تيسير وسائل الطهارة والتخفيف مما يتطلبه الاغتسال بالحمامات العادية القديمة من ضياع الوقت، والتعرض للتيارات الهوائية وآفات اختلاط الصالح بالطالح.
وكل ما تقدم يؤكد وجوب الاعتناء بتربية البنات والبنين والفتيات والنساء والرجال وتعويدهم التبصر في عواقب ما يقدمون عليه من تصرفات واتجاهات، كما يؤكد وجوب الاستمرار في الاعتناء بالحمامات من حيث اختيار مواقعها، وهندسة قبابها، وطرق تسخينها، ومروءة المشرفين عليها واحترام آداب الاستحمام بها.

  1 كتاب نفح الطيب ج3 مطبعة السعادة مصر 1949، والذخيرة لابن بسام ج 1
  2 نفس المصدر ج 4
  3 نفح الطيب ج 4
  4 الذخيرة لابن بسام
  5 الذخيرة لابن بسام
  6 ملامح من المجتمع العربي سلسلة اقرأ. تأليف محمد عبد الغني حسن.
  7 ملامح من المجتمع العربي سلسلة اقرأ. تأليف محمد عبد الغني حسن.
  8 نهاية الأرب ج.1.
  9 الموشى أو الظرف والظرفاء لأبي الطيب محمد بن إسحاق بن يحيى الوشاء (320هـ 936 م).
  10 التبان: سروال قصير كان يستعمل للاستحمام في الأنهار، وشواطئ البحار.
  11تاريخ الدولة الفاطمية تأليف الدكتور إبراهيم حسن ص 625 .
   12عن كتاب «العلاقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بين العرب والإفرنج خلال الحروب الصليبية» ص  150 ، تأليف  الدكتور زكي النقاش.
   13ملامح المجتمع العربي.
   14هو أبو عبد الله محمد بن محمد العبدري الفاسي المالكي الشهير بابن الحاج توفي بالقاهرة سنة 737 هـ - 1336م.
   15هو أبو القاسم محمد بن أحمد بن جزي الكلبي الغرناطي زولد 693 هـ ومات شهيدا في واقعة  طريفة سنة 741 هـ.
   16أسماء أعجمية.
  17جنس من الخلق خرافي يشبه الإنسان، زعموا أن له عينا واحدة ورجلا ويدا من شق واحد،  وأنه يخرج من الماء وإذا ظفر بالإنسان قتله. ومن الأقوال المأثورة: ذهب الناس وبقي التسناس.

                   

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here