islamaumaroc

نحن والفكر الغربي

  دعوة الحق

83 العدد

تتمثل مقومات العربي الإسلامي المعاصر في " اللغة" "والأدب" "و الدين"و " التاريخ"و "الثقافة " "التراث" فهي في مجموعها ترسم وحدة  الفكر في أمتنا العربية وعالمنا الإسلامي وقد انصبت حملات التغريب والغزو الفكري والشعوبية عليها عليها جميعا محاولة تغيير مفاهيمها، وتحريف مضامينها، بوصف هذه مفاهيم، بوصف هذه المفاهيم ممثلة أساسية لدعائم قيمنا ومثلنا وروح أمتنا وطابع شخصيتنا.
وقد ثارت من حول "اللغة والدين والتاريخ والثقافة والتراث" معارك ضخمة تستهدف تجزئة المفاهيم المتلاقية في وحدة كاملة. كما ثارت شبهات متعددة حول القومية ونظرية الأجناس.
وقد أنصبت هذه الحملات على عزل الإسلام عن العروبة، والدين عن التربية، والعامية عن الفصحى والعلم عن الدين، والروح عن المادة، في محاولات تزييف ضخمة تتصل بالقضاء على التراث وتعميق دعوة مضللة تدعو للإنفصال عن الماضي أو إثارة الشكوك حول بعض المواقف أو الأحداث في التاريخ العربي مستهدفة أسقاط قيمه الأساسية وبطولاته ومواقفه الخالدة.
ولقد كان أبرز ما وجه إلى مقومات فكرنا من دعوات التدمير، ما أطلق عليه "نظرية التجزئة" هذه النظرية التي يحمل لواءها دعاة دهاة، يستهدفون بها عزل الدين عن المجتمع وعزل الأدب عن الأخلاق، وعزل التراث عن الثقافة وهكذا.
وقد غاب عن الدين جروا وراء هذه النظرات مدى الهدف البعيد الذي ترمي إليه، ظنا منهم أن التجزئة تخصص وأنها عامل من عوامل ازدهار الفكر وترقية –وهو كذلك فعلا- ولكن ليس على الوجه الذي يحملنا على تجزئة كل قضية فكرية إنسانية مصادرها بين علوم الإجماع والنفس والأخلاق والدين. ودون أن ينظر إليها نظرة شمول وتردها إلى آثارها الحقيقية في بناء الشخصية الإنسانية أو علاج أزماتها.

ـ الثــقــافــة ـ
لكي نعرف مفهوم الثقافة التي هي تمثل المفهوم العربي لكلمة (Culture) الغربية يجب أن تضع في تقديرنا عدة أمور:
"الأول" أن الثقافة تختلف عن التعليم والتربية وتمثل الدرجة العليا للتربية كما أن المعرفة هي الدرجة العليا للتعليم.
"الثاني" أنها أقرب إلى العقائد منها إلى المعارف.
"الثالث" عدم الإرتباط بينها وبين الحضارة في مفهوم الإقتباس أو النقل.
وقد اختلفت ءاراء الباحثين حول مفهوم كلمة الثقافة ومضمونها، فمن ناحية مفهوم الكلمة ومدلولها في الفكر العربي نجد أن مصدرها هو القرآن الكريم "وقاتلوهم حيث ثقفتموهم" وهي تدل على معنى العثور بعد البحث والتصدي، وفي المصباح المنير:
ثقفت الحديث فهمته سرعة، وثقفته أقمت المعوج منه، وفي |أساس البلاغة بمعنى طلب العلوم والمعارف، وفي القاموس المحيط للفيروزبادي: تقف ككرم وفرح،ثقفا وثقافة صار حادقا خفيفا فطنا، وثقفه تثقيفا سواه.
وأول من استعمل كلمة الثقافة ابن خلدون، وفي العصر الحديث حسن توفيق العدل في كتابه "سياسة الفحول في تثقيف العقول".
كما اتفقت الأراء على أن الثقافة هي الوجه المقابل للحضارة.
فحيث تشمل الحضارة الماديات والصناعات والتجارة والصناعة الألية تتمثل الثقافة ( 1) في الأخلاق والمبادئ والأمور الذهنية والمعنوية.
فالحضارة تنتقل من أمة إلى أمة وهي قابلة للإنتشار بين الأمم بسرعة. أما الثقافة فتبقى خاصة بكل أمة على حدة، وأن أثرت ثقافات الأمم المختلفة بعضها في بعض قليلا أو كثيرا.
أما من ناحية المضمون فإن الأراء كلها تجمع على أن ثقافة أية أمة تشمل دينها وأدبها ونظمها وأخلاقها وتقاليدها وأساطيرها. وأنها تمثل طريقة الحياة أجمالا. وأن التربية والتعليم هي واسطة من وسائط المحافظة على الثقافة وميراثها من السلف إلى الخلف، أي أن الثقافة ملك للأمة والتعليم ملك فردي.
ومن عشرات التعريفات للثقافة يبدو صلة الثقافة بالأمة هي اساسها الأول، وأنها تتصل بالعقل والروح، وأن لكل مجتمع ثقافته الخاصة التي يتسم بها ويعيش فيها، كما أن لكل ثقافة مقومات مادية ومعنوية، أما المادية فتتألف من طرائق المعيشية.
والمعنوية هي العادات والتقاليد التي تسود المجتمع وأن لكل ثقافة ميزاتها وخصائصها التي تحدد شخصيتها.
وبالجملة فإن الثقافة في أمة من الأمم تتصل بقيمها وشخصيتها ومقوماتها الأساسية ومن هنا تكاد تجمع الأراء على أنها لا تستورد، وأن كانت تتلقى وتمتص من الثقافات الأخرى ما يضيف إليها القوة والحياة.
ومن هنا يبدو الفارق بين "المعرفة" والثقافة في كل ما تتلقى الأمم من فكر الأمم الأخرى وثقافاتها، ومن هنا يصدق الرأي الذي يربط بين الثقافة والمثل الأعلى للإنسان في بيئته وفكره.
فالمعرفة تضم المناهج والنظريات المتصلة بعلوم النفس والإجتماع والإقتصاد وهي مجموعة من الأراء تتطور وتتغير وتتعارض، ولما كان النظر فيها ضروري لمتابعة خطو الفكر الإنساني فإن ذلك يتبع النظر منها خلال باب المعرفة الرحب الواسع ولا يمكن ان تتحول هذه المعرفة إلى "الثقافة" إلا فيما يتلاقى منها مع الأسس والمشخصات الأصلية، ذلك أن ثقافة كل أمة لها طابعها الخاص في الحياة ونظرتها إلى المشاكل الأساسية ولكن الثقافات تتلاقى وتأخذ وتدع ومن هنا أيضا يبدو صدق النظرة التي تفرق بين نقل الحضارة ونقل الثقافة باعتبار أن الحضارة مادية والثقافة ذهنية، وعلى ضوء هذا الفهم لا يكون "الدين" من عناصر الحضارة بل من عناصر الثقافة نصب من هذا إلى القول بأن هناك "ثقافة عربية إسلامية" تختلف في جذورها ومفاهيمها عن الثقافات الشرقية والغربية المتعددة.
وأن هذا الثقافة تتميز بشخصيتها وأسلوبها وأن هناك خلافات جذرية بين ثقافتنا وبين ثقافة الغرب التي كانت أشد اتصالا بحكم سقوط العالم الإسلامي العربي تحت سيطرة الإستعمار الغربي "الفرنسي والبريطاني" على وجه الخصوص.
ويمكن القول بأن الثقافة العربية الإسلامية "في العالم العربي" هي وريثة الثقافات القديمة المصرية والفنيقية والأشورية والبابلية، وأن بلاده كانت مهبط الأديان الثلاثة وأن الفكر العربي الإسلامي قد قام على أساس الإسلام "وهو دين وفكر وحضارة" واللغة العربية بعد امتصاصه للثقافات الفارسية والهندية والإغريقية وقد بدأ طابعه ممثلا اللالوهية واعتبار الدين جزء من المجتمع وتمثل قيم الأخاء والعدل والسلام والحرية.
وقد تمثلت الثقافة العربية الإسلامية في تجربة شملت دورة كاملة من التاريخ، وأثبتت في عصور ازدهارها قدرتها وفاعليتها على تحقيق أهدافها وتمثل.
قيمها، أما في فترة ضعفها فليس على قيمها يقع الحساب إنما يقع على العوامل التي أدت إلى تخلفها. فهذه لغة التخلف التي لم يلبث أن تحول إلى يقظة جديدة حتى ليمكن القول بأن الثقافة العربية الإسلامية لم تمت وأن تولاها الضعف والإضراب، وإنها استطاعت أن تواصل الحياة بغير سناد من سلطان الحكم وقيام الدولة التي تحمل مبادئها، وقد استطاعت أن تقاوم الغزوالغربي، هذاالغزو الذي حاول القضاء على مقوماتها أو تحويرها وإقصائها على قاعدتها وتحويل ملامح شخصيتها وإبرازالخلافات الجذرية بين الثقافة العربية الإسلامية وبين الثقافة الغربية:
1- أن الفكر الغربي يحل مشاكله على قاعدة القوة بينما يحل الفكر العربي الإسلامي قضاياه ومشاكله على القاعدة الأخلاقية.
2- انفصال الفن عن العلم.
3- سيطرة المادة على الفن.
وفارق ءاخر بين الثقافة الغربية والثقافة العربية الإسلامية، فالثقافة الغربية تطلق الغرائز والحريات إلى أقصى مدى بينما الثقافة العربية الإسلامية تؤمن بالمزح بين الروح والمادة واعتبار الخلق قوام الحرية.
وفارق ثالث: هو قيام السياسة في الفكر الغربي على أساس الإنتهازية، بينما يقوم في الفكر العربي الإسلامي على أساس الخلق والضمير.
وفارق رابع: هو أن الفكر الإسلامي العربي يرى الناس سواسية ولا فضل لابيض على أسود، بينما يرى الفكر الغربي سيادة الأبيض والاري وأن كل ما سوى الغرب عبيد له، مع إقناعه بشرعية فرض سيطرته على الشعوب والعمل على تسخير جنس من البشر لخدمة جنس ءاخر وأنه وعدم إيمانه بالقانون الأخلاقي في معاملة غير أبناء جنسه.
ويقول قسطنطين رزيق: أن الثقافة الحديثة في الغرب تقوم على أساس الإيمان بالإنسان حيث كانت الثقافة في العصور الوسطى المطبوعة بالمسيحية أو الإسلام تدفع البشر إلى التطلع إلى العالم الآخر وتزهدهم في هذا العالم الآخر. وانقلب الإيمان بالله والعلم السماوي إلى إيمان بالطبيعة والإنسان القادر بعقله على السيطرة عليها واستغلالها... لم تتمكن هذه وأن الثقافة من أحراز تقدم محسوس في حل مشاكل الإنسان الأصلية بل أنه يجابه نتيجة لهذه الثقافة ذاتها أخطارا أشد هو لا وفظاعة من أخطار الماضي وذلك بالإنتاج المادي، وما ولدته الحضارة في الإنسان من تكبر وتجبر واعتقاده بأنه سيد مصيره".
والواقع أن هذا الرأي يمثل الفارق الواضح والعميق الجذور بين الثقافة العربية الإسلامية والثقافة الغربية.
أما من ناحية الفكر العربي الإسلامي فقد عرف بالجمع بين الدين والدنيا وأنه لم يكن مطلقا داعيا إلى التزهيد في العالم الأرضي على النحو الذي صوره الكاتب، فل يكن الفكر العربي الإسلامي داعية زهد وأن ما دخل عليه في عصور الضعف من بعض هذه المفاهيم لا يمثل قيمة الأساسية وأصوله الأصلية.
وقد كشف البحث عن فشل هذا الإتجاه الذي جرى عليه الفكر الغربي غير أن الفكر العربي الإسلامي يجمع بين القيم المادية والروحية ويمزح بينهما في مختلف نظراته إلى السياسة أو الإجتماع أو الإقتصاد أوالنفس.
وإذا كانت الفلسفة تهدف إلى البحث عن السعادة فإن الثقافة الغربية لم تستطع أن تحقق منذ القرن الخامس عشر إلى اليوم مفهوم السعادة، بينما استطاع الفكر العربي الإسلامي أن يعطي هذه السعادة في مفهوم واضح هو إيجاد وفاق طبيعي بين الروح والعقل والجسد ينعكس على الزمان والمكان.
وإذا كانت ثقافة الإغريق والرومان في صبغتها عقلية وأن ثقافة الهند والشرق الأقصى في صبغتها روحية وأن ثقافة الغرب "بشقيها" في صبغتها مادية المصدر، فإن الثقافة العربية الإسلاية وحدها دون ثقافات الإنسانية جميعا هي التي تحمل ذلك المزيد المتفاعل المتكامل المتوازن: بين الروح والمادة والعقل والقلب والجسم، والدين والعلم.
وأن الثقافة العربية الإسلامية هي إنسانية الأساس والقيم والأهداف.
ولعل هذا هو السر في امتدادها بهذه السرعة الغربية التي عدها المؤرخون خارقة لنواميس الكون وتطور الحضارات، ولعل ذلك يرجع إلى بروز روح الوحدة بين قيمها المختلفة وعدم انقسامها إلى مفاهيم مستقلة تتضارب وتختلف، كما يحدث في الفكر الغربي حين تختلف نفاهيم علوم النفس والإجتماع والأدب والدين والإقتصاد والتربية والعلم التجريبي، فلكل علم مفاهيمه التي قد يتعارض مع مفاهيم العلم الأخر بينما.
المفروض أنها جميعا تلتقي في خدمة الإنسان أساسا وتدور في فلكه باعتبار ميزان الأشياء.
وقد كان من نتيجة ذلك أن أختل التوازن في المدينة الحاضرة بين نمو القوى المادية ونمو القوى الروحية، فقد بلغت الحضارة قمتها في العلوم التجريبية بينما بيقيت القوى الروحية ضعيفة متخلفة
وقد ألقي جوستاف لوبون هذا السؤال: ماذا يحدث إذا استمر العقل في النمو وظلت العواطف ثابتة لا تتغير، لقد درسوا كل شيء في العالم، ما خلا الرجل فلم يدرسوه، كشفوا الغطاء عن أسرار السماء ولم يكشفوا عن أسرار القلب، لئن أمكننا أن نقول أننا ممدلون فإنه ينقصنا الجوهر" .
وعلى ضوء هذه المفاهيم تبدو فكرة الجوهر والعرض في الثقافة، فإن القيم الأساسية للثقافة وهي جوهركل ثقافة تظل أساسا لكل قابلية جديدة في مجال التحول، ومن هنا تسقط نظرية التطور الدائم لكل قيم الثقافات. والغربيون أنفسهم لم يسقطوا جوهر ثقافتهم عندما اتصلوا بالثقافة العربية الإسلامية ونقلوا منها.
ومن هنا تبدو أهمية تقدير هذه النظرة في الإقتباس أو الاقراض أو النقل أو الإستعارة من الثقافات الأخرى، فلا بد للاقتباس أو الإفتراض أن يكون قائما في نطاق العرض لا الجوهر، ولابد أن تكون هناك قدرة كاملة على الإمتصاص، والفهم أو التمثيل
فإذا لم يكن هناك القدرة ضعفت شخصية الأمة وملامح ثقافتها الأصلية وانحرفت
وليس ضير على الثقافات أن تقرض أو تمتص من ثقافات الأمم الأخرى، ولكن العبرة قدرة الثقافة المختصة على التمثل وتحويل المستعار إلى كيانها لعملية هضم سليمة دون أن يظل قائما كأنه شيء مستعار، ولهذا يرجع إلى قوة الثقافة الأخدة وقدرتها على الهضم وقد كانت الثقافة العربية الإسلامية من بين الثقافات الشرقية والغربية من القدرة والنضج على الإستعارة والإمتصاص، غير أنه في قدرة قيام النفوذ الغربي عجز فكرنا طويلا عن عملية الهضم.
فقد كان موقفنا إذ ذاك غاية في الضعف إزاء العلوم والأفكار المختلفة التي حملتها ثقافة الغرب والتي كانت أولياتها أساسا من منابعنا فقد ظلت سنوات طوالا وهي لا ترتبط بجذورها الأولى، وكأنها من مستحدثات فكر الغرب حتى أصاب شبابنا إذ  ذاك ذلك الإحساس بالقصور والعجز وكان لابد لنا أن نربط تطورات علم الإجتماع والإقتصاد والنفس والسياسة وغيرها بجذورها الأولى المستمدة من فكرنا أساسا، وهذا مااستطعنا أن نصحح مفهومه بعد اليقظة.
ومن ناحية أخرى فنحن قد اقترضنا في الماضي في مجال لدينا فيه تراث ضخم.
والواقع أن الإقتراض من الثقافات الأخرى دون قيد أو مراقبة يحدث في الثقافة المقترضة حالة "عسر الهضم" مما يؤدي إلى القصور عن بلورة العناصر الداخلية أو المستعارة وتحويلها إلى كيان الأمة ونقلها إلى القوالب القومية.
ولما كانت الثقافة الغربية "بشقيها" تستمد جوهرها من المادية فإنها تنكر الروحية التي هي عنصر أصيل في الثقافة العربية الإسلامية هذا بالإضافة إلى أن نظرية الفلسفية البرجماتزمية في القضاء على الضعفاء يتعارض مع نظرية التكامل الإجتماعي التي يؤمن بها الفكر العربي الإسلامي.


(1)  في  راجعة شاملة لأراء "سلامة موسى" وساطع الحصري ولاراء تايلور وعبد اللطيف الطيباوي ولطفي جمعه وستيوارت وساطع الحصري وأثر أربري وهاري شابيرو

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here