islamaumaroc

دراسة مغربية عن تاريخ القضاء بالمغرب

  دعوة الحق

83 العدد

كانت العدالة بالقطر المغربي تجري طبق ما بوحى به الشرع وتقضيه نصوصه من كتاب وسنة وإجماع ذوي الرأي من جمهرة المجتهدين والفقهاء وما ينبثق عن آرائهم النيرة والمشبعة بروح التشريع الصرف البعيد عن الخلط والشعوذة وأساطير الإسرائليات المندسة من بعض المزورين على الإسلام والمنافقين خدمة لأهداف سخروا  لها من لدن أسيادهم ورؤسائهم تحت ستار «مسلم».
ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل استمرت حلقاته إلى أن اتصلت بالمتأخرين من رجال الفقه الذين أفسدوا بكثرة تخاريجهم، وابتعادهم عن أدلة قضاياه، وبراهين فتاواه، الشيء الذي أصبحنا اليوم معه في أمس الحاجة إلى  تجديده والعود به تدريجيا إلى معينه الصافي – إلى عصوره الأولى عصور المجتهدين والتابعين والصحابة والسنة والكتاب.
وبهذا الرجوع بالفقه «الثري الخصب» إلى أصوله – تحل مشاكل المسلمين في حياتهم الخاصة والعامة، ويوجد لكل جديد في الشؤون الاجتماعية والإنسانية جديد من التشريع والأحكام في إطار مواده الخصبة المرنة لمن يقفون حياتهم للنظر في قضاياه ونوازله بعين ماؤها العلم الصحيح والرأي السليم. .
ولمزيد التحري في إعطاء النوازل ما تقضيه من عناية في البحث رغبة في إحقاق الحق وإثلاج الصدر للأحكام الصادرة من هيأة القضاء – أسست وزارة العدلية في شهر ذي القعدة سنة 1330ه «31 أكتوبر 1912« وفوض إليها النظر في كل ما يتعلق بالشؤون الشرعية –فوزير العدلية- يسمى القضاة والعدول ويعزلهم ويراقب أعمالهم ويرجع شأنه إلى ملك البلاد فيستشيره من مرة لأخرى عارضا عليه القضايا المختلفة التي قد يكون له نظر فيها يقتضي تحويلها عن المجرى المتخذ لها قبل.» تستأنف جميع الأحكام شرعية أو عقارية ضم رئيسا وأعضاء ونوابا وكتابا ومحافظين.
وقد تعدد رؤساء هذا المجلس عبر سنوات وسنوات - كالسادة أحمد بن الموار، وعبد الرحمن ابن القرشي، والهاشمي بن خضراء، ومحمد بن العربي العلوي، ومحمد الحجوي، ومحمد المدني ابن الحسني، رحمة الله عليهم، ومولاي أحمد البدراوي، وجل هؤلاء الرؤساء إن لم نقل كلهم أدوا رسالتهم العلمية الصادقة وقد علتها النزاهة وحاطها سياج الصالح الإنساني العام، رغبة في إرضاء الحقيقة ورفع راية العدل خفاقة في هذا القطر الكريم.
وقد زاولت نخبة من علماء المغرب العلم بهذا المجلس كأعضاء يتصفحون ما يرد من قضايا عليه قصد النظر فيها وفحص كل الإجراءات التي دارت حولها لدى المحاكم الشرعية.
فبمجرد ما تدخل المجلس توزع بنظام منطقي منقسم قسمين:
1- القضايا الوترية. كواحد ثلاثة خمسة سبعة وهكذا.
2- القضايا الشفعية: كاثنين أربعة ستة إلى آخرها.
وفي كل أسبوع تعقد جلسات للنظر والبت في القضايا المنجزة. فأسبوع للوترية وأسبوع للشفعية في الجلسة يعرض العضو تقريره عن القضية التي تناولها بالبحث فتسرد ويقع النقاش حول بنودها بالأخذ والرد فتارة تسلم جميع الفصول ويصحح حكم القاضي وتارة تنقص حكمة بعض الإجراءات أثناء المرافعات كفقدان الحجج – شهود أو آجال أو أعذار وما إليها من أسانيد الحكم ودعائمه التي قد لا يخلو تقرير العضو أو نائبه منه. وطورا آخر يبدو أثناء العرض والمداولة فساد الحكم جذريا وهذا ما يقضي بتجديد النظر في القضية من أولها.
شيء يدعو بالضرورة إلى استئناف البحث في القضية رغبة في إجرائها على قواعد المسطرة القانونية ووضعها على محك الأساليب المرعية شرعا فيستدعي كل من المستأنف والمستأنف عليه للاستماع إلى كل منهما ومعرفة جميع المستندات التي يعتمدها الطرفان وعلى ضوء هذه العمليات الجديدة تأخذ النازلة شكلها القانوني إذ يقرر العضو الخاص عنها تقريرا يلم شتاتها ويضم ما تناثر من مستنداتها وحججها، وطبعا يأتي دورها مرة أخرى فتدخل للمداولة.
وهكذا تجري بقية القضايا على هذه الطريقة القانونية رجاء الوصول إلى حق مضاع لولا هذه العملية.
والمهم أن عليه من مثقفي المغرب وعلمائه مروا بهذا المجلس وخاضوا بأفكارهم غمار خضم متلاطم اللجج من القضايا والمشاكل على اختلاف ألوانها من الأحوال الشخصية والعقارية وما إليها – نذكر منهم السادة – أحمد بن المامون البلغيثي، ومحمد بن أحمد العلوي، والعباس بن إبراهيم المراكشي، ومحمد الهواري، وأحمد عواد، ومحمد زويتن، والطايع ابن الحاج، وأحمد الشبيهي، وعبد الرحمن الشفشاوني وأحمد بن اليزيد البدراوي، ومحمد المدني بن الحسينسي، والمهدي العلوي، وعبد الرحمن الغرييي وسواهم من أعلام المعرفة وفقهاء المغرب.
وضروري أن كل علم من هؤلاء الأعلام تصفح جملة هامة من النوازل والمشاكل المرفوعة إلى المجلس وتعمق ما حوته جوانبها من ماجريات ومقتضيات تدعو بطبيعتها إلى مراجعة مظان ومجلدات ونوازل تقيده في الموضوع وتساعده على حل ما بيده من قضايا مستخدما ما لديه من ملكات وقواعد علمية تحقق ما يسطر. وتهذب ما يكتب ويحرر، ومما يبعث على الغرابة أن العضو قد يدلي في نازلة اليوم برأي، وبعد فترة يتغير رأيه في مثلها فيقرر فيها عكس ما قرره  في نظيرها قبل، إذ يبدو له حولها من المحيطات ما يصرفه عن الحكم الأول – ولا عجب أن يكون الرأي الثاني أمس بروح النازلة مما يقضي به فيما قبل. وهكذا تتناثر القضايا بين أيدي الأعضاء من رجال المجلس على اختلاف مشاربهم وضلاعتهم في الفقه ونوازله حيث ينتظر كل عضو فيما يعطاه من الأحكام والقضايا من زاويته الخاصة فيبث فيها حسب معارفه ومداركه وما يرتئيه أخيرا من أقوال فقهاء المذهب في أشباه ونظائر النازلة. نعم عندما تطرح القضية للبحث والمداولة وتتناولها الآراء والأفكار بالنظر في الجوانب والملابسات يستقر الرأي في النهاية على الحل الوجيه والمتفق والراجح أو المشهور أو المعمول به في أمثال القضية مما يجب الجري عليه في الأحكام المنوطة بالقضاة ومن يأتي لتصفح أحكامهم بعد ومن بين تلك العمليات العلمية والتقارير المحررة في مختلف النوازل والقضايا المستأنفة تكونت معلمة تشريعية هامة ضمت مجلدات ودفاتر منظمة مرقمة كذخيرة ثمينة وعصارة أفكار رجالات مروا بالمجلس الاستئنافي عرفنا بعضهم آنفا.
لذا يجب على الحكومة الموقرة ووزارة العدل في المقدمة أن ترجع إليها وتحوطها بالعناية والرعاية وتهيئ لها علماء تشريعيين يتصفحونها وينتقون منها ما يأتي موسوعة تشريعية يرجع إليها في التشريع الجديد ضرورة أنها زبدة أبحاث كرس لها أولاء الأخصائيون أوقاتا ثمينة من حياتهم تجلت فيها عبقرية معارفهم واختياراتهم مما لا غرو أن يصبح اليوم مرجعا قانونيا ومصدرا تشريعا يساعد الباحثين الجدد على النظر في سهولة ويمدهم بفيض من النصوص التشريعية في شتى الموضوعات والنوازل مقربا على مجموعة القضاء والمحاماة مسافات ومسافات في إطار تشريع إسلامي ثري غض بعيد عن الالتواء والشغب وباعث «في ذات الوقت» على ارتياح الخصوم واطمئنان نفوسهم لما يصدر من حلول ويعطي من أحكام تنبثق الحقيقة عنها وضاءة الجبين لا خدش في عدالتها ولا انحراف في منطقيتها وبالود لو يعجل بهذا الاقتراح فتنقذ تلك المجلدات من سلة المهملات وترعاها عيون المعرفة بالتصفح والانتقاء وعن كثب تصبح معلمة أفكار منتقاة يرجع إلى مسائلها المنظمة رجال القانون الذين نراهم من آونة لأخرى يكونون اجتماعات للنظر في القانون وأحواله – وليس بالعهد من قدم – فقد اجتمعت عليه من رجال القضاء والقانون أخيرا لبحث «مدونة الأحوال الشخصية» رغبة في تحرير بعض فصولها وعلاج مسائل من بنودها قد لا تتفق والحالة ولكن في إطار الفقه المسلم والمنطق السليم.
نعم إن عملا من هذا النوع يقتضي من رجال الفضاء مجهودات هي في حاجة ماسة وملحة للإمداد والعون وتسهيل المهمة أكثر من الواقع – ولا أرى شيئا أحدى من هذه العملية العلمية والإنسانية التي لا تعتم تركز القضاء وتدعم مراسيمه، وترفعه إلى المستوى اللائق بعدالة ومنطقية سليمتين.  
فعلى رجال القضاء والقانون أن يعملوا على تحقيق هذه الفكرة في تضامن مع وزارة العدل وإبراز المشروع «الذي لا يرب أنه مشروع إنساني» إلى عالم الوجود.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here