islamaumaroc

المشاكل السلالية وقضايا الاندماج في العالم

  دعوة الحق

83 العدد

المشاكل السلالية وأبعادها المحلية والدولية - صورة المشكلة العنصرية الحقيقية، وصورة الناشئة فقط عن صعوبات الاندماج الاجتماعي- نظرة سريعة حول الصورة الأولى، وسياسة الأمم المتحدة في هذا المقال، تحليل موجز لجوانب الصورة الثانية المتعلقة بمشاكل الاندماج الاجتماعي، والجهود الدولية لتقديم المساعدة بهذا الصدد.

المشكلة السلالية، أو مشكلة الاندماج المتساوي بين الأجناس والسلالات ضمن الكيان القومي الواحد، هي كما تعلم من بين المشاكل الرئيسية التي يواجهها عدد من المجتمعات الحديثة، وتنعكس مؤثراتها ومضاعفاتها في بعض الحالات على مجمل الأوضاع الدولية، وخاصة من ذلك ما يتعلق بحالة العلائق بين العالم الثالث، والمجتمعات البيضاء، في أوربا وخارجها، إن المشكلة السلالية كما يمكن تبينها من خلال الوقائع المائلة على مستوى العالم الراهنة – تكتسب الآن بعدين رئيسيين، وذلك إذا نظرنا إليها من حيث المجال المادي والإنساني التي تبرز فيه، والعواقب المرحلية التي مازالت تؤدي إليها في الآونة الراهنة.
(أولا) البعد المحلي، حيث تفرض هذه القضية نفسها على عدد من المجتمعات التي لا تنعم بانسجام سلالي أو إجتماعي كامل، وخاصة منها المجتمعات التي تؤدي بها ذلك إلى إقرار أنواع من الميز بين العناصر المتساكنة في حظيرتها، فمثل هذه الحالة –حالة الميز- تفرض جملة من الاعتبارت الاستثنائية على سياسة الدولة في الميدان الاجتماعي والاقتصادي والثقافي وغيره وينعكس ذلك على الصلات المادية والإنسانية داخلها، بل وعلى  التشريعات المعمول بها عندها، ثم على ردود الفعل النفسية والاجتماعية التي يثيرها ذلك، وقد أصبح لردود الفعل هذه أهمية خاصة في العصر الراهن، وذلك لما أصبحت تتسم به من سعة وتنظيم واستمرار، فرفض الميز لم يعد مجرد حالة نفسية وفكرية لا تعبر عن وجودها إلا في إطار محدود بين فئة ضئيلة ممن بلغ عددهم الوعي الاجتماعي درجة عالية، بل إن حاة ارفض هذه صارت تكتسي صبغة حركات بجماهير ذات منهج واستهداف دقيق على شتى المستويات، ومن أسباب ذلك أن الوعي الاجتماعي قد أصبح ذا شمول واسع أكثر من أي وقت، نتيجة التوسع العالمي في تبادل الأفكار وتشعب العلاقات الإنسانية في إطارها المحلي والعالمي على السواء، ومن أسباب دلك أيضا أن التمييز والاضطهاد الدي يصحبه عادة قد صار هو الآخر أحكم استهدافا، وأدق تنظيما بل أنه يقوم في بعض المجتمعات على تخطيطات مدروسة تقنيا، ومزودة بالوسائل الكافية لجعل التنفيذ على أتم ما يكون فعالية وشمولا.
(ثانيا) البعد الدولي، ويتجلى فيما تحدثه المشاكل العنصرية الداخلية من مضاعفات كبيرة الشأن أحيانا على الصعيد العالمي، سواء في نطاق الحياة الدولية الرسمية –كماهو متمثل في حالة العلائق بين اتحاد جنوب إفريقيا، وكثير من الدول الإفريقية وغيرها، أو في نطاق العلاقات الإنسانية العامة، (خارج الإطار الدولي الرسمي) كما يتضح مثلا في استغلال الدعاية الشيوعية العالمية لمشاكل التصادم العنصري في العالم الرأسمالي، واستخدامها ذه المشكلة المزمنة، كسلاح دعائي قوي يستعمل أحيانا، حتى في أغراض الحرب الباردة الموجودة بين المجتمعات الرأسمالية الغريبة، والمناوئين لها من الجماعات الشيوعية المحلية في شتى، أنحاء العالم، ويستغل الصهيونيون من جهتهم فكرة الاسامية، التي لا تزال لها جذور بعيدة المدى في مختلفغ أقطار أوربا الغربية والشمالية والوسطى وحتى في خارج هذه المناطق- يستغل الصهيونيون وجود هذه الفكرة فيحاولون آثاره العالم كله عطفا عليهم واهتمام بمستقبلهم، ومت فتنوا –بهذا الصدد- يضخمون من هول العنصرية التي تكمن في فكرة اللاسامية، ويركزون الرأي إن هذه الفكرة موجهة ضدهم، دون غيرهم، مع أنها نتناول في العمق غير اليهود من الأمم غير الأوربية، وكما يلاحظ فإن قدرا كبيرا من الدعاية الصهيونية في العالم، تعتمد النص على قضايا من هذا القبيل، يعتقد أنها تشكل موردا ضخما لا ينضب له مدد، والمعتقد عموما أن عددا كبيرا من الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي يعرفها قطرا أو آخر من أقطار العالم، نعود في أصولها العميقة إلى نوع من التصادم العنصري، خصوصا بالنسبة للأقطار التي لم تعرف بعد، كيف نتوصل إلى إقرار حالة من التناسق والانصهار بين فئاتها الاجتماعية المختلفة اختلافا عنصريا أو ما في حكمة، ولهذا كله فإن الأمم المتحدة وخاصة المنظمات المتخصصة منها كمنظمة اليونسكو، ما انفكت تبدي كثيرا من العناية بهذه القضية من أساسها، فالفكرة التي تود جو المنظمة –بهذا الشأن- باستمداد مما تتشبع به الفكرة الإنسانية العامة السائدة في عالم اليوم، هي أن الظاهرة العنصرية، لا تقل خطورة عن عوامل الاضطراب العالمي الأخرى كالفقر والجهل وغيره، بل أن الفكرة العنصرية تكون – في بعض الأحيان أدعي إلى إثارة العراقيل أمام التقدم الإنساني المتناسق، وأبعث على المشاكل والأزمات من كل نوع، وتحفل الكتب والمنشورات التي تشرف عليها اليونيسكو مباشرة أو تصدر تحت إشرافها غير المباشرة- تحفل هذه المطبوعات في كثير من الأحيان، بالتحليلات الضافية عن مشكلة العنصرية في العالم وعن الجوانب العلمية والتاريخية والفلسفية التي تتصل بهذه القضية وذيولها من قريب أو بعيد، لكن الذي يمكن للمرء أن يلحظه في هذا المجال هو أن الحالات العنصرية في العالم، ليست كلها مفتعلة، تقوم على الوهم، والإثرة، والتعصب كما هو الشأن في أحوال كثيرة من هذا القبيل، لقد اكتسب تعبير الفوارق العنصرية مدلولات كريهة جدا نتيجة التجارب الإنسانية الطويلة بهذا الصدد، بحيث يكاد يرادف دائما في الذهن العادي معاني الجور الاجتماعي وما يصحبه -عادة- من مشاحنات لا حد لها، والواقع أن المشكلة العنصرية لا تتمثل دائما وأبدا في هذه الصورة نفسها التي تلحظ في جنوب إفريقيا، وأقطار أخرى عديدة، خارج القارة الإفريقية، وعلى هذا الأساس فهناك حالتان رئيسيتان للظاهرة العنصرية في العالم: الحالة الأولى: حالة الاضطهاد العنصري، وهو أعلى مراتب الفكرة العنصرية في معناها الرجعي المستقبح، الحالة الثانية: حالة القضايا والمشاكل الناجمةعن عمليات الاندماج العنصري في الأقطار التي لا يزال هذا الاندماج بالنسبة إليها لم يتم بالصورة الكافية واللازمة، ومن صورة هذه الحالة الأخيرة، ما تواجهه بعض الأقطار من تعدد الأفليات الجنسية أو الثقافية أو الدينية أو الإقتصادية في حظيرتها، وما يترتب على ذلك من صعوبات يجب أن تتغلبعليها لكي يمكن إدماج هذه الأقليات إدماجا نهائيا وبصورة لا تحدث تفاعلات اجتماعيةغير ملائمة (ماليزيا -السودان- الهند- سيلان- الفيتنام) ومن الصور أيضا من هذا القبيل صورة البلدان التي تتكون أغلبية سكانها في الوقت الحافر من عناصر طارئة عليها بسبب استعمار سياسي، أو مجرد استيطان عادي أو ما أشبه ذلك، وقد اكتسب هذه العناصر كامل حقوق المواطنة نتيجة لتقادم العهد عليها ببلاد المهجر، أو لاعتبارات أخرى غير هذه، ويبدو الأمر –ضمن هذه الصورة- عكس الحالة الأولى التي اتخدنا مثالا لها من جنوب افريقيا، فالسكان الاصلاء يشكلون أقلية متخلفة في كثير من الحالاتن والمشكلة تتجلى في كيفية اندماجهم نهائيا مع المجتمع العام الذي تتكون أغلبيته الآن من أصول مهاجرة، وذات محتد أوربي في الغالب )مثال: أمريكا الوسطى والجنوبية).
وهناك صورة أخرى تقرب من هذه قربا سبيا، وهي صورة البلدان التي تنعم بانسجام عنصري لا بأس به، ولكنها –بحكم نفوذها الدولي أو ارتباطاتها العالمية أو بسبب تفوقها الاقتصادي أو الاعتبارات أخرى من هذا النوع أو غيره- تستقبل باستمرار إعدادا من المهاجري الذين يفدون إليها فرادى وجماعات ويتخدونها موطنا ثانيا سواء بنية الدوام أو لأجل طويل، ويحدث وجود مثل هذه الحالة عددا من المشاكل المادية والتنظيمية بين سكان البلاد والقادمين الجدد، بل يثير ذلك أحيانا جملة من المعضلات النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي تتطلب من الحكام كثيرا من المهارة والجلد لإمكانية مواجهتها بما يقتضيه الحال من استعدادات وترتيبات مختلفة، ومن الأمثلة التي تذكر بهذاالشأن مثال بريطانيا وما تشكوه من مشاكل ناشئة عن تدقق الهجرة إليها من أقطار الكومونولث وخصوصا منها الأقطار الأسيوية الأعضاء في رابطة الشعوب البريطانية.
نرىإذن من خلال الفقرة السابقة أن المسألة العنصرية في العالم لا تكتسي دائما حالة واحدة أي من النوع الذي يتمثل في جنوب إفريقيا وما إليها، فهناك –كما تقدم- الحالة العنصرية التي تأخذ شكلا خطيرا قوامه الاضطهاد المنظم ضد طائفة معينة من جانب طائفة أخرى أكثر غلبة وتفوقا، عندما ندرس العوامل التي تتحكم في توجيه هذه الحالة ونحاول تصنيفها فإنه سيكون في إمكاننا أن نميز –في هذا المقا صورتين أساسيتين من هذا الصنفن صورة الاضطهاد الحكومي وهو الذي يتمثل في حالة العنصرية السائدة في اتحاد جنوب إفريقيا، وصورة الاضطهاد الشعبي أي الذي تمارسه فئة من السكان ضد فئة أخرى كما هو الشأن في بعض الولايات الأمريكية – والملحوظ أن بعض حكام هذه الولايات يشاركون.
هذه المناطق- يستغل الصهيونيين وجود هذه الفكرة فيحاولون إثارة العالم كله عطفا عليهم واهتماما بمستقبلهم، وما فتئوا –بهذا الصدد- يضخمون من هول العنصرية التي تكمن في فكرة اللاسامية، ويركزون الرأي أن هذه الفكرة موجهة ضدهم، دون غيرهم، مع أنها تتناول في العمق غير اليهود من الأمم غير الأوربية، وكما يلاحظ فإن قدرا كبيرا من الدعاية الصهيونية في العالم، تعتمد النص على القضايا من هذا القبيل، يعتقد أنها تشكل موردا ضخما لا ينصب له مدد، والمعتقد عموما أن عددا كبيرا من الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي يعرفها قطرا أو آخر من أقطار العالم، تعود في أصولها العميقة إلي نوع من التصادم العنصري، خصوصا بالنسبة للأقطار التي لم تعرف بعد، كيف تتوصل إلى إقرار حالة من التناسق والانصهار بين فئاتها الاجتماعية المختلفة اختلافا عنصريا أو ما في حكمه، ولهذا كله فإن الأمم المتحدة وخاصة المنظمات المتخصصة منها كمنظمة اليونسيكو، ما انفكت تبدي كثيرا من العناية بهذه القضية من أساسها، فالفكرة التي تسود جو المنظمة –بهذا الشأن- باستمداد مما تتشبع به الفكرة الإنسانية العامة السائدة في عالم اليوم، هي أن الظاهرة العنصرية، لا تقل خطورة عن عوامل الاضطراب العالمي الأخرى كالفقر والجهل وغيره، بل أن الفكرة العنصرية تكون –في بعض الأحيان أدعى إلى إثارة العراقيل أمام التقدم الإنساني المتناسق، وأبعث على المشاكل والأزمات من كل نوع، وتحفل الكتب والمنشورات التي تشرق عليها اليونيسكو مباشرة أو تصدر تحت إشرافها غير المباشر- تحفل هذه المطبوعات في كثير من الأحيان، بالتحليلات الضافية عن مشكلة العنصرية في العالم وعن الجوانب العلميسة والتاريخية والفلسفية التي تتصل بهذه القضية وذيولها من قريب أو بعيد، لكن الذي يمكن للمرء أن يلحظه في هذا المجال هو أن الحالات العنصرية في العالم، ليست كلها حالات مفتعلة، تقوم على الوهم، والاثرة، والتعصب كما هو الشأن في أحوال كثيرة من هذا القبيل، لقد اكتسب تعبير الفوارق العنصرية مدلولات كريهة جدا نتيجة التجارب الإنسانية الطويلة بهذا الصدد، بحيث يكاد يرادف دائما في هذا الذهن العادي معاني الجور الاجتماعي وما يصحه-عادة-من مشاحنات لا حد لها، والواقع أن المشكلة العنصرية لا تتمثل دائما وأبدا في هذه الصورة نفسها التي تلحظ في جنوب إفريقيا، وأقطار أخرى  عديدة، خارج القارة الإفريقية، وعلى هذا الأساس فهناك حالتان رئيسيتان للظاهرة العنصرية في العالم: الحالة الأولى: حالة الاضطهاد العنصري، وهو أعلى مراتب الفكرة العنصرية في معناها الرجعي المستقبح، الحالة الثانية: حالة القضايا والمشاكل الناجمة عن عمليات الاندماج العنصري في الأقطار التي لا يزال هذا الاندماج بالنسبة إليها لم يتم بالصورة الكافية واللازمة، ومن صورة هذه الحالة الأخيرة، ما يواجهه بعض الأقطار من تعدد الأقليات الجنسية أو الثقافية أو الدينية أو الاقتصادية في حظيرتها، وما يترتب على ذلك من صعوبات يجب أن تتغلب عليها لكي يمكن إدماج هذه الأقليات إدماجا نهائيا وبصورة لا تحدث تفاعلات اجتماعية غير ملائمة (ماليزيا-السودان-الهند-سيلان...الفيتنام) ومن الصور أيضا من هذا القبيل صورة البلدان التي تتكون أغلبية سكانها في الوقت الحاضر من عناصر طارئة عليها بسبب استعمار سياسي، أو مجرد استيطان عادي أو ما أشبه ذلك، وقد اكتسبت هذه العناصر كامل حقوق المواطنة نتيجة لتقادم العهد عليها ببلاد المهجر، أو لاعتبارات أخرى غير هذه، ويبدو الأمر– شمن هذه الصورة – عكس الحالة الأولى التي اتخذا مثالا لها من جنوب إفريقيا، فالسكان الاصلاء يشكلون أقبلية متخلفة في كثير من الحالات، والمشكلة تتجلى في كيفية اندماجهم نهائيا مع المجتمع العام الذي تتكون أغلبية الآن من أصول مهاجرة، وذات مجد أوربي في الغالب (مثال: أمريكا الوسطى والجنوبية).
وهناك صورة أخرى تقرب من هذه قربا نسبيا، وهي صورة البلدان التي تنعم بانسجام عنصري لا بأس به، ولكنها – بحكم نفوذها الدولي أو ارتباطاتها العالمية أو بسبب تفوقها الاقتصادي أو الاعتبارات أخرى من هذا النوع أو غيره- تستقبل باستمرار أعدادا من المهاجرين الذين يفدون إليها فرادى وجماعات ويتخذونها موطنا ثانيا سواء بنية الدوام أو لأجل طويل، ويحدق وجود مثل هذه الحالة عددا من المشاكل المادية والتنظيمية بين سكان البلاد والقادمين الجدد، بل يثير ذلك أحيانا جملة من المعضلات النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي تتطلب من الحكام كثيرا من المهارة والجلد لإمكانية مواجهتها بما يقتضيه الحال من استعدادات وترتيبات مختلفة، ومن الأمثلة التي نذكر بهذا الشأن مثال بريطانيا وما تشكوه من مشاكل ناشئة عن تدقق الهجرة إليها من أقطار الكومونولت وخصوصا منها الأقطار الآسيوية الأعضاء في رابطة الشعوب البريطانية.
                                                                                 ***
نرى إذن من خلال الفقرة السابقة أن المسألة العنصرية في العالم لا تكتسي دائما حالة واحدة أي من النوع الذي يتمثل في جنوب إفريقيا وما إليها، فهناك –كما تقدم- الحالة العنصرية التي تأخذ شكلا خطيرا قوامه الاضطهاد المنظم ضده طائفة معينة من جانب طائفة أخرى أكثر غلبة وتفوقا، وعندما ندرس العوامل التي تتحكم في توجيه هذه الحالة ونحاول تصنيفها فإنه سيكون في إمكاننا أن نميز – في هذا المقام صورتين أساسيتين من هذا الصنف، صورة الاضطهاد الحكومي وهو الذي يتمثل في حالة العنصرية السائدة في اتحاد جنوب إفريقيا، وصورة الاضطهاد الشعبي أي الذي تمارسه فئة من السكان ضد فئة أخرى كما هو الشأن في بعض الولايات الأمريكية (والملحوظ أن بعض حكام هذه الولايات يشاركون  عمليا غي تنفيذ الأفكار العنصرية، وإن كان هذا لا يلزم الاتحاد الأمريكي ككل، وخاصة بعد صدور قانون الحقوق المدنية، واجتهاد الحكومة الفيديرالية لوضعه موضع التطبيق على مستوى الحياة السياسية والاجتماعية العامة، ومن غير شكة فإن الولايات العنصرية الأمريكية واتحاد جنوب إفريقيا ليس كل منها إلا مجرد مثال للتدليل على حالتين متقاربتين من حالات الاضطهاد العنصري في العالم، و إلا فالمسألة العنصرية في شكلها الاضطهادي العنيف توجد لها أمثلة أخرى، كثيرة، في نقط مختلفة من العالم وإن كانت أصداء مثل هذا الصراع لا تدوي كثيرا في الإسماع، أما لضعف الوعي الاجتماعي عند ضحايا العنصرية من هذا النوع، أو لأنهم أقلية ضئيلة جدا، لا يؤبه لها ولا يسمع صوتها أو إن ظروفا سياسية أو اقتصادية أو روحية معينة حالت دون نشوب حالة من الصراع من هذا النوع الذي يثير عادة اهتمام العالم هنا أو هناك وإذا ما توسعنا في مفهوم الاضطهاد العنصري (وتستعمل هنا تجوزا فقط) كما تتمثل صور عديدة له في بعض نواحي العالم شرقا وغربا، فإننا سنلحظ أن دواعيه وموضوعاته ليست دائما من نوع واحد يرجع إلى إسوداد اللون أو اصفراره، أو ما في حكم ذلك، كما يفهم عادة من مدلول الكلمة السطحي، فهناك فعلا حالات اضطهاد عديدة ليس للون أو للعنصر فيها دخل ذو شأن كبير وإنما ترجع إلى اعتبارات أخرى، كالاعتبارات الدينية (مثال: اضطهاد البوذيين على عهد النظام الفيتنامي السابق) أو لاعتبارت اقتصادية واجتماعية، كحالة المقاومة الاجتماعية التي تجدها بعض الأقليات الهندية والصينية في ا|لأقطار الأجنبية، نتيجة الشعور بأن هذه الأقليات تزاحم السكان المحليين في مواردهم الاقتصادية ومكاسبهم الاجتماعية، وقد يكتسي الأمر في بعض الحالات صورة صراع داخلي ليس من نوع الاضطهاد المنظم ضد أقلية معينة، وإنما هو أمر نزاع طائفي تتحكم فيه أما عوامل ثقافية، كما هو الشأن في بعض أقاليم الهند، وبلجيكا مثلا، وأما بواعث سياسية في الدرجة الأولى مثل ما عليه الأمر في قبرص أو بعض الأقطار الأخرى التي تماثل الجزيرة في نوع المشاكل الطائفية القائمة بها طيلة السنوات الأخيرة، وإذا وضعنا الظواهر الملحوظة ضمن تصنيفات من هذا القبيل فلا يعني ذلك أن كل ظاهرة يتحكم فيها عامل وحده دون غيره من العوامل كلها، فالواقع أن كل ظاهرة اضطهاد أو صراع طائفي أو عنصري، تكمن وراءها عوامل متعددة تتداخل فيسما بينها تداخلا دقيقا ومعقدا، وتؤثر كل منها بنسبة جد مختلفة، فهناك تقريبا وراء كثير من الظواهر العنصرية أو الطائفية مداخلات نفسانية سواء ذات أساس روحي أو ثقافي أو سياسي أو كل ذلك، ومداخلات أخرى مادية ذات أصل اقتصادي أو ديموغرافي أو جغرافي أو هذه الأصول مجتمعه ومع ذلك، فإنه يوجد ثمة في كثير من الحالات عامل غلاب له التأثير الأساسي أكثر من غيره، ولهذا فإننا ننسب إليه الظاهرة – من باب التصنيف- فنعتبرها دينية أو سياسية أو غيره ذلك بحسب ما يلحظ من  غلبة عامل ما على غيره من العوامل الأخرى في خلق تلك الظاهرة وتطويرها، لكن هناك حالة عنصرية معينة، تعاني منها منطقة مهمة من مناطق العالم هي منطقة الشرق الأوسط – هذه الحالة العنصرية الخاصة، يسكن تصنيفها مع مختلف الأخوال العنصرية الأخرى الموجودة في العالم، لأن العوامل التي تكمن وراءها هي من التعدد والتشعب بدرجة كبيرة جدا، ولا يكاد عامل من هذه العوامل يغلب على غيره، والحالة العنصرية هذه هي التي تتمثل في سلوك إسرائيل اتجاه الأقليات العربية التي تعيش تحت سلطانها، فالعنصرية التي ينطبع بها هذا السلوك –كما تدل عليه ملاحظة الظروف التي يعيش فيها العرب هناك، علاوة على الإشهادات والتقريرات التي تدلي بها مصادر صحفية أجنبية مختلفة- هذه العنصرية لا تجدد واقعها –على ما يبدو- في مجرد الاعتبارات السلالية أو السياسية الصرفة، بل أن العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحتى دينية في بعض الأحيان، لها شأنها في الأمر، وبصورة تدل عليها العقلية اليهودية، والمؤثمرات النفسية والفكرية والتاريخية وغيرها التي تطبع هذه العقلية وتحدد موقفا معينا لها أمام الناس والعالم.
                                                   ***
عنيت الأمم المتحدة منذ عهد بعيد –كما تقدم- بقضية الاضطهاد العنصري والتمييز بين السلالات و الطوائف والأقليات في شتى أنحاء العالم، ولم يكن الدافع لعناية المنظمة الإنسانية، بل أن القسط الأكبر في ذلك يعود –كما يظهر- إلى المشاكل السياسية المعقدة التي يثيرها الوضع العنصري في العالم، وهذه المشاكل –وإن تكن داخلية في كثير من الحالات- فإنها تحدق أحيانا مضاعفات مهمة، تنعكس آثارها على الوجود الدولي الذي يعني صفاؤه الأمم المتحدة بصورة خاصة ومباشرة، وعناية الأمم المتحدة بالمشكل العنصري فد كان دافعا لها لاتخاذ خطة مرسومة بهذا الصدد، وتطبيق سياسة معينة تسير سيرا متوازنا مع سياسة الهيئة في ميادين أخرى، كالتربية والتثقيف،وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعي بالعالم، وغير ذلك من النقط التي تحتمها روح الميثاق ويفرضها وجود المنظمة نفسه، ومن الممكن –لأجل تقييم جهود الأمم المتحدة في ميدان المشكلة العنصرية، من الممكن تصنيف هذه الجهود إلى صنفين رئيسيين: 1 فهناك -أولا- بهذا الصدد مكتسبات عملية، تجد الآن تطبيقا حقيقيا لها في الحياة اليومية داخل مصالح هذه المنظمة ومرافقها، ثم تجد تطبيقها ذلك في طبيعة الروح التيس تضفيها الأمم المتحدة على الجو الدولي وما تبثه هذه الروح من استبعاد التفكير السلالي، وما في نوعه عن حظيرة الحياة الدولية والعالمية، أنا من الناحية النظرية، فثمت مبادرات تقوم بها الأمم المتحدة،  ضمن خطة منظمة، لاستئصال الجذور الفكرية للنظريات العنصرية أو التخفيف منها على الأقل، ولنستعرض -سريعا- بعض النتائج المحصل عليها بهذا الصدد والمحاولات المبذولة هنا وهناك، فمن الناحية العملية يلاحظ أن روح الميثاق – على الرغم من عيوبه الكثيرة- قد  فرضت على هيكل الأمم المتحدة وتنظيماتها حالة فعلية من اللاعنصرية، فالميثاق يفتح الباب على مصراعيه -مبدئيا- لولوج كل الدول، باب المنظمة وليس هناك أي اعتبار آخر إلا اعتبار الشروط العادية التي يجب توفرها في جميع الأحوال من هذا القبيل، وقد تبدو هذه المسألة بديهية إلى حد لا يستوجب الإثارة إليها بتاتا، بيد أن المهم فيها ليس مجرد فتح باب العضوية مبدئيا- وقد كان ذلك حاصلا أيضا في عصبة الأمم وغيرها- وإنما الأهم من ذلك، انفتاح المجال أمام الدول الملونة لمنافسة الدول الكبرى داخل الأمم المتحدة والمساهمة في توجيهها توجيها ينفق وأهداف المساواة التي يسعى إليها كل الملونين في شتى أنحاء الأرض وبتأثير النفوذ الذي أصبح متوافرا هكذا للأقطار الملونة داخل الأمم المتحدة فإن الهيئة قد أصبحت ملزمة باتباع سبيل إفريقيا في، مكافحتها، الأنظمة العنصرية في القارة مؤازرة الحركات المحلية التي تقوم بدور نضالي في هذا السبيل، هذا من الناحية العلمية، أما الجانب النظري من جهود الأمم المتحدة ضد السلالية والفكر السلالي في العالم، فهو لا يقل أهمية عن غيره، خاصة وأن للنظريات التي تحتضنها المنظمة الأهمية الآن توازيها حركات المطالبة بالحقوق المدنية وحتى يحق تقرير المصير كما هو الحال في اتحاد جنوب إفريقيا وروديسيا الجنوبية، ويتركز نشاط الأمم المتحدة – ضمن النطاق النظري- في الجهود التي تبذلها من أجل مناقضة الفلسفة العنصرية وتجريدها من عمليتها ومنطقيتها عن طريق المناهج الدراسية العلمية التي تجري تحت إشراف اختصاصيين عالميين ويدافع من مصالح الأمم المتحدة المعنية يمثل هذه الشؤون ويرجع الاهتمام بمعالجة المسألة العنصرية على هذا النحو إلى نحو خمسة عشر سنة مضت، ففي سنة 1950 أولى المجلس الاقتصادي الاجتماعي التابع للمنظمة عناية مبدئية بالمشكلة العنصرية القائمة وقام باتصالات مع اليونسكو بهذا الصدد وفي نفس السنة صدر التصريح العالمي الشهير حول نفض فكرة العنصرية وكان هذا التصريح ثمرة الأبحاث التي قام مؤتمر دولي عقد بهذا الشأن تحت إشراف اليونسكو بهذا الصدد وفي نفس السنة صدر التصريح العالمي الشهير حول نفض فكرة العنصرية وكان هذا التصريح ثمرة الأبحاث التي قام بها مؤتمر دولي عقد بهذا الشأن تحت إشراف اليونيسكو، وضم نحو 49 عالما مختصا من جنسيات مختلفة (من أوربا وأمريكا وأسيا) وقد كان المؤتمر يكتسي صبغة علمية صرف، فلم تطغ عليه مسبقات سياسية أو تكتيكية، ولم يكن الهدف منه إلا مجرد التوصل لحقائق علمية أصيلة حول موضوع الأجناس البشرية وهل تنتسب في جوهرها إلى أصل واحد أم تعود إلى أصول مختلفة وهل الاختلاف الملحوظ في المستويات الحضارية عند الأجناس يرجع إلى أسباب ورائية أم سببه عوامل طارئة لا غير، (جغرافية واقتصادية وغيرها) هذا إلى أبحاث جوهرية من هذا النوع، وقد تضمن الفصل الأول من التصريح إعلانا حاسما بأن الإنسانية تنتسب بالفعل إلى عنصر واحد، هو العنصر الإنساني، كما أبنته الأبحاث والتحريات العلمية الدقيقة في هذا الموضوع، ووضع الفصل الثاني حدودا دقيقة لمفهوم العنصر مجردا إياه من ملابساته الوهمية التي اكتسبها تحت تأثير الأفكار العنصرية التقليدية ونص الفصل السادس على أن الجماعات اللغوية والجغرافية والدينية وغيرها لا تقابل حتميا مدلول الجماعات العنصرية أي أن اختلاف العنصر لا يتحكم في تحديد الاختلاف اللغوية و الثقافية وغيرها، فليس هناك ثقافة أو دين أو حضارة ما خاصة بعنصر دون غيره، كما يخال رواد الفلسفة السلالية في العالم، وتمت فصول أخرى في ذلك التصريح العلني الدولي تجري على هذا النسق مستندة في كل تأكيداتها على الاعتبارات العلمية الجافة دون سواها وقد عقد بعد ذلك اجتماع دولي ثان لتوسيع دائرة البحث العلمي حول الموضوع ومقابلته بعض وجهات النظر العلمية التي ظهرت بعد انعقاد المؤتمر الأول، وكان من أمرها أن أحدثت بعض الاختلاف بين العلماء المختصين، وصدر تصريح ثان يكرر تأكيدات المؤتمر الأول إلا أنه يتضمن بعض الإضافات التي روعيت في وضعها وجهات النظر الجديدة حول الموضوع، وقد زادت عناية العلماء في العالم خلال السنوات الأخيرة بموضوع المشكلة العنصرية، ويظهر أن استفحال مظاهر المشكلة في عدة أقطار هنا وهناك قد كان له تأثير غير مباشر في إثارة هذا المزيد من الاهتمام، وإن كانت القضية تلفت في جوهرها -وباستمرار- نظر الأوساط العالمية بغض النظر عن الظروف العارضة والأحداث الجارية وهكذا شاهدت السنة الفارطة مؤتمرا دوليا جديدا حول الموضوع عقد بموسكو خلال فصل الصيف، وحضره اختصاصيون في علوم الوراثة، والانثروبولوجية وغيرها من الفروع العلمية التي تمس الموضوع العنصري من جهة أو ثانية، وقد كرر المؤتمر التأكيد الدولي العلمي بأن الإنسان ليس له أجداد مختلفون في التكوين والخصائص، وإنما يمت بسببه الجوهري إلى جد واحد، وإذا كان فريق من العلماء قد بدأوا متقبلين لمبدأ تقسيم الجماعات البشرية إلى أقسام بحسب ما يوجد بينها من اختلافات في السجن والملامح، وما إلى ذلك فإن فريقا آخر من العلماء قد ذهب إلى أن تصنيف الشعوب إلى سلالات مختلفة اعتمادا على ما يلحظ بينها من اختلافات طبيعية سطحية لا ينقله العلم ولا يستقيم مع الروح العلمية المطلقة، ولم يعدم الجانيان ما يدعم رأي كل منهما من براهين علمية مستقاة من ملاحظة الظواهر الجغرافية والبشرية وغيرها، غير أنه – بالرغم من التشعب هكذا في المناقشات التفصيلية فإن البيان الذي صدر عن مؤتمر موسكو دل في عمومه على أن وجهة النظر العامة التي أخذ بها أعلام الانتروبولوجيا وعلم الحيوان، والطب والتحليل المختبري في مختلف أنحاء العالم كانت في صالح مذهب اللاعنصرية طبقا لما دلت عليه الحقائق العلمية المتضافرة التي توصلوا إليها بهذا الشأن، ومن المنتظر أن ينعقد مؤتمر دولي آخر تحت إشراف اليونيسكو أيضا وذلك خلال السنة القادمة (1966) ويعتبر هذا المؤتمر القادم كامتداد الأعمال مؤتمر موسكو السابق، غير أن الاهتمام سيزداد فيه أكثر بالجوانب الاجتماعية والأخلاقية للقضية العنصرية في العالم، وقد كان المؤتمر الماضي ذا عناية أشد بالقضايا البيولوجية والطبيعية لهذه القضية، ومن المقرر أن يصدر في نهاية المؤتمر المنتظر تصريح علني آخر يتناول وجهة النظر الدولية حول المشكل العنصرية وإقرار وجهة النظر الدولية حول المشكل العنصرية وإقرار وجهة النظر هذه بصورة حاسمة على ضوء العلم والأبحاث العلمية المتوصل إليها في هذا المجال.
وإلى جانب النشاط العلمي الدولي المتركز حول القضية العنصرية، هناك نشاط سياسي دولي كذلك بدور حول هذه القضية ذاتها، ويجد مجالا واسعا له في حظيرة الأمم المتحدة والمرافق التابعة لها فقد انقضى وقت طويل، وبعض البلدان المعروفة بسياسة التفرقة بين الأجناس كاتحاد جنوب إفريقيا تتعرض داخل الهيئة الأممية لضغط دولي متزايد، قوامه الدول الإفريقية بصورة أخص، وقد اتسع نطاق التطورات في هذا الميدان خلال الفترة الأخيرة، إذ أن منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة توشك أن تتبنى –بتأثير الدول المضادة للعنصرية- قرارا يقضي بإقفال الباب باب المنظمة الصحية دون أية دولة، تأخذ بفكرة التفريق بين الأجناس، وتطبق سياسة معينة تنبني على ذلك.
                                                   ***
لقد أشرنا في فقرة سابقة إلى أن هناك حالتين بارزتين من حالات التناقض الاجتماعي بالعالم، أخطرهما شأنا هي الحالة التي تتمثل في التمييز العنصري والتفرقة بين الأجناس، وهذه هي التي تتعرض اليوم للنقد والمعرضة العالمية سواء على الصعيد العلمي أو السياسي أو الفكري أو ما بسبيله، والحالة الثانية هي حالة المجتمعات التي تكونت حديثا من عناصر مختلفة وتعيش بسبب ذلك في مرحلة تبلور وتفاعل شديدين – من الناحية الاجتماعية بالأخص – وهذا التفاعل والتبلور لا يؤديان بالضرورة إلى مشكلة اضطهاد منظم توجهه طائفة من السكان ضد الأخرى، ولكنه يحدث فقط مشاكل اقتصادية وتنظيمية، واجتماعية في الدرجة الأولى يمكن إيجازها كما يلي:
1) تأطير السكان البدائيين الذين لا يزالون على الفطرة ولم يتأثروا بعد بمعطيات الحضارة الحديثة.
2) إيجاد نوع من الانسجام الاجتماعي والاقتصادي بين العناصسر البيضاء المنحدرة من أصول أوربية وبين العناصر الملونة من سكان أصليين وخلاسين وما في نوعهم الخلاسي المولود من أبوين أسود وأبيض.
3) إدماج المهاجرين الجدد في إطار المجتمع العام والتغلب على مجمل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية وحتى النفسية، التيس تنتج عن ذلك.
4) التخفيف من حدة الفوارق اللغوية والثقافي والعقلية الموجودة بين فئات مختلفة من المجتمع ومحاولة إيجاد أساس ما لوحدة من هذا القبيل جزئية أو كاملة.
وثمة عدد من المشكلات الأخرى من هذا النوع، وكلها تحدق من المصاعب للمجتمعات التي تواجهها ما يكاد يعصف أحيانا بتماسك هذه المجتمعات وبعرضها لهزات عنيفة، وبعيدة القرار، ومن الأمثلة التي تساق بهذا الصدد: مثال الهند (الفوارق اللغوية والثقافية والعقلية) وكثير من أقطار أمريكا اللاتينية كالبرازيل (مشاكل المهاجرين وسكان المناطق البدائية) وبلدان أخرى بما فيها المتحضرة جدا، كبلجيكا وكندا وغيرهما أن المشكلة في مثل هذه الأقطار وإن كانت ناتجة أحيانا عن وجود فوارق عنصرية أو اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية أو خلاف ذلك فإنها تتميز في الواقع – عن الحالة السائدة في الأقطار التي تمارس التمييز العنصري بمعناه الكامل فإن هذه الأخيرة تسيطر فيها طبقة عنصرية معينة لتضطهد الطبقات الأخرى بسبب لونها أو تخلفها العقلي والاجتماعي والاقتصادي بينما الاضطهاد في الأقطار الأخرى لا يقوم كقاعدة أساسية للعمل بل كل ما في الأمر أن الانسجام العنصري أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي غير موجود فيها بالصورة المطلوبة.
وتعني هيئة الأمم المتحدة بهذه الحالة مثل عنايتها بمشاكل التفرقة بين الأجناس الموجودة في الأقطار التي تمارس الاضطهاد العنصري في العالم، فاستمرار وجود جماعات بشرية تعيش على هامش الحياة الوطنية بل وتحيا بمنأي عن جو الحضارة ومنافعها، ليس من شأنه إلا أت يقود في النهاية إلى خلق نوع من الميز العنصري وإن كان هذا الميز ليس مصطنعا وليس مقصودا كما هو الشأن في البلاد العنصرية الحقيقية، وتظل هذه الحالة توجد في عدد من الأقطار المتخلفة في أسيا وغيرها، ولكنها تأخذ شكلا أكثر إثارة للاهتمام في بعض أقطار أمريكا الجنوبية، حيث تشغل القضية الأذهان بصورة جدية، ويطلب بعض هذه الأقطار المساعدة الدولية بهذا الشأن في الميدان التقني والتوجيهي وغيره ومن أمثلة ذلك العمل الذي قامت به في السنوات الأخيرة منظمات الأمم المتحدة للعمل والصحة والزراعة والتربية لفائدة "بوليفيا" حيث كان يوجد بهذا القذر وفي منطقة "الاند" بالضبط جماعات من الهنود الحمر يبلغ تعدادها الملايين عاشت طويلا في حالة انعزال مطلق عن العالم، ومنطقة "الاند" هي منطقة جبال متسلسلة تمتد على الساحل الغربي لأمريكا الجنوبية، وقد طال انعزال الهنود الحمر بها منذ عهد الاحتلال الإسباني، على امتداد يشمل "البيرو" و "الايكواتور" ويستهدف العمل الذي قامت به  مصالح الأمم المتحدة بهذا الصدد، وبالتعاون مع الأقطار المعينة بالأمر، يستهدف تمديد هذه الجماعات البدائية وإدماجها في المجتمع المتحضر الذي تؤول إليه، وليس من السهولة إنجاز مهام واسعة من هذا النوع في أمد قصير، ولهذا فسيبقى من الضروري مرور كثير الوقت قبل أن تتمكن المجتمعات الأمريكية اللاتينية بالتعاون مع الأمم المتحدة – من حل جميع المشاكل المعقدة الناتجة عن وجود الجماعات البدائية الكثيرة المنتشرة اتجاه القارة، وضرورة إدماجها نهائيا في حظيرة المجتمعات العادية، وقد انقضى على البرازيل كم جهتها وقت غير قصير وهي تواجه بعض القضايا الاجتماعية التي تختلف بعض الشيء عما تقدم، وتتعلق –على الأخص- بسياسة هذه البلاد في موضوع الاندماج النهائي بين البيض من جهة، والسود من جهة أخرى، والخلاسيون المولودون من العنصرين من جهة ثالثة، ولا تعاني البرازيل حقيقة – من وجود عداء عنصري سافر في طبقاتها الاجتماعية، ولا حتى شعور ملموس بالكراهية المتبادلة بين الملونين وغير الملونين، إلا أن هناك فوارق عقلية وسلوكية واجتماعي شاسعة بين هؤلاء وأولئك،وقد وجدت البرازيل في ذلك عقب الحرب قضية مهمة تعتبر معالجتها، والنجاح في هذه المعالجة شيئا حيويا لتطور المجتمع البرازيلي الحديث ومستقبله كدولة يؤمل لها أن تصبح من بين الدول الكبيرة في العالم.
وأمام الأمم المتحدة مجال واسع لتقديم مساعداتها بهذا الصدد، لا بالنسبة لدول أمريكا اللاتينية فحسب، بل بالنسبة لعدد كبير جدا من الدول التي تعاني نسبة أو أخرى من عدم التماسك في كيانها الإنساني أو أوضاعها الثقافية والاجتماعية فالمجتمع الإنساني الحاضر – على الرغم من خطوات التقدم المادي والأدبي التي حققها في مختلف الميادين، فإن مجمل أحواله وظواهره لا تزال تعكس قدرا كبيرا من النقائص الاجتماعية والفكرية وغيرها، ما لا يمكن تحديد مداه بدقة وسهولة، وهذه النقائض – التي من بينها الفكرة السلالية الضمنية، كل هذه النقائص هي حصيلة عصور ماضية ساد فيها الرق الرسمي والضمني بصورته الفردية من جهة – وكانت إفريقيا السود، من أبرز المراكز التي يقع على حسابها هذا الرق حيث كانت الجماعات البشرية ترحل على نطاق واسع للعمل الجماعي بالأراضي المكتشفة حديثا بأمريكا وغيرها – هذا في نفس الوقت الذي أخذت فيه نتائج التوسع الأوربي تتخذ شكلا اجتماعيا راديكاليا بحيث صار ذلك التوسع يقضي إلى تفتيت مجتمعات معينة كالمجتمعات البدائية في الشرق الأقصى ونصف الكرة الغربي، وإقامة مجتمعات جديدة هي مزيج من عدى أعراق وأفاق، وهذا بالإضافة إلى غيره من رواسب عهود الإقطاع في أوربا، وعصور الانحطاط في الشرق وما قبل عصور الانحطاط  كذلك هناك أيضا عدة عوامل أخرى جغرافية وطبيعية واقتصادية، وغيرها كان لها تأثيرها في قيام مثل هذه الأحوال المعقدة التي تجتهد الإنسانية في تصفيتها الآن عن طريق الوسائل العلمية والسياسية والفكرية، ومن غير شك فإن النجاح في هذه التصفية والإحراز على نتائج موضوعية من ورائها، يتوقف عليه جانب مهم من تطور الإنسان والحضارة في مدى العقود القليلة المقبلة (بحول الله)

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here