islamaumaroc

حول تأليف كتاب الجمان في مختصر أخبار الزمان (لأبي عبد الله الشطيبي)

  دعوة الحق

83 العدد

من الأسر لأندلسية التي هاجرت إلى المغرب – عائلة البرجيين، وأصلهم من غرناطة، انتقلوا إلى شمال المغرب، على عهد السلطان أبي عنان المريني، وكان بيتهم بيت علم وثروة وصلاح، ومنهم أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن حسن بن حيون الشطيبي الزرويلي، نسبة إلى بني زروال أحدى قبائل غمارة، كما يقول ابن خلدون، ولد سنة اثنين وثمانين وثمانمائة (882ه). قال في الدوحة: وكان نزيل تازغدرة من أحواز ورغة، رحل إلى بلاد المشرق، وأقام يجول سائحا في نواحيها أعوانا كثيرة، ولقي فيها مشايخ عدة. وجاء في السلوة : أنه كان واسع المعرفة، شهير الذكر، وهو صاحب التآليف المشهورة. توفي سنة ثلاث وستين وتسعمائة هجرية (963) وقبره مزارة مشهورة بقرية تازغدرة، وعليه بناء فخم، حطمت قنابل الفرنسيين بعض جوانبه أيام الحرب الريفية (1 ).
خلف الشطيبي مؤلفات في التفسير والحديث والتصوف والتاريخ... منها: اللباب في مشكل الكتاب ومفتاح الجنة بشرط العمل بالكتاب والسنة، والآثار السنية في شرح المباحث الأصلية، وشرح مطول على الحكم العطائية، وتخميس بردة البوصيري، وتعليق على البردة والجمان في مختصر أخبار الزمان، وإليه نسوق الحديث، وقد دفعني إلى الكتابة في الموضوع ما كتبه الدكتور على إبراهيم حسن في كتابه: «استخدام المصادر وطرق البحث في التاريخ الإسلامي العام، والتاريخ المصري الوسيط»- من معلومات خاطئة حول هذا الكتاب، على ما عندنا من التقصير في التعريف بتراثنا الخالد، حتى انطمست معالمه، وصدأت ذخائره وكنوزه، وبعدت الصلة بينها وبين أهل العلم، حتى إذا أرادوا التحدث عنها وقعوا في كثير من الأخطاء، وهم عنها غافلون، قال الدكتور في كتابه المذكور ص 123 (الطبعة الثاني«الجمان في مختصر أخبار الزمان» مخطوط بدار الكتب المصرية، ولد المقري في مدينة فاس، ورتب «الجمان» في ثلاثة فصول:
الأول – من مبدأ الخليقة إلى مولد النبي عليه الصلاة والسلام، وأتى فيه على قصص الأنبياء والحوادث التي وقعت في تلك الفترة من التاريخ الإسلامي.
و الثاني- عن الرسول والبعثة النبوية.
والثالث- عن عهد الخلفاء الراشدين والملوك والسلاطين إلى الدولة الفاطمية بمصر وإفريقية وعن بلاد الأندلس). وفي هذا النص أمور:
1- لا أعتقد أن الدكتور يجهل أن شهاب الدين أحمد المقري من أهل القرن الحادي عشر الهجري، وأن وفاته كانت سنة (1041 ه) لا نيف وسبعين وسبعمائة هجرية، على أن هذا هناك مقربا آخر، وهو أبو عبد الله المقري جد أبي العباس المذكور توفي سنة ه.
2- نسب الدكتور كتاب«الجمان» إلى شهاب الدين المقري، وهو» وكذلك جده أبو عبد الله المقري، له مؤلفات في الفقه، ولا يعرف له كتاب في التاريخ، والمعروف نسبه هذا الكتاب (الجمان في مختصر أخبار الزمان) إلى أبي عبد الله اليرجي الشطيبي، نسبة إليه غير واحد من المؤرخين، مما نقل عنه واعتمد رواية، الناصري في الاستقصا، والوزير المحمدي في كناشته، وثبت في كثير من الفهريس منسوبا إليه، كفهرس الظاهرية، ومكتبة البلدية بالإسكندرية، والفهرس التمهيدي للمخطوطات المصورة، وسواها من مكاتب الشرق، وسجل في فهرس الخزانة التيمورية هكذا: (الجمان في أخبار الزمان لمحمد الطيبي) وهو تصحيف عن الشطيبي.
أما في المغرب فقلما تخلو منه مكتبة، ولا يعرف منسوبا لغيره، فلم يبق إلا أن تزعم بأنه تصحف على الدكتور«البرخ» بالمقري، وربما اقتصر أبو عبد الله الشطيبي على هذه النسبة «البرخي» التي تربط الصلة بينه وبين وطنه الأول (الأندلس).
وكان يحن إليه كثيرا، ومثل هذا التصحيف قد تعودناه في كثير من المخطوطات.
3- ذكر الدكتور أن شهاب الدين المقري ولد بفاس، والصواب أنه ولد بتلمسان (الجزائر) عام ه ثم انتقل إلى فاس عام 1009ه.
كما استوطن جده أبو عبد الله المقري فاسا، وتولى القضاء بها.
4- قد يقال: ربما كان هناك مقري آخر، نسب إليه كتاب «الجمان» وقد وافق صاحب النفح في الاسم والنسب واللقب، وهو من أهل المائة الثامنة، وولد بفاس – كما ذكر الدكتور، ولكننا لم نطلع على ذلك كما لم  نطلع على كثير غيره، نعم يرد  هذا الاحتمال لو لم يذكر الدكتور محتويات الكتاب، والتصميم الذي وضعه مؤلفه، مما لم يبق لنا معه أي شك في أنه كتاب «الجمان في مختصر أخبار الزمان»" لأبي عبد الله الشطيبي، والمؤلفون قد يتواردون على عنوان واحد، عن قصد أو غير قصد، ولكن لابد أن يكون لكل مؤلف منهجه وطريقته الخاصة، كما أن لكل عصر طابعه الخاص، على أن هناك بونا شاسعا بين كتابه أبي العباس المقري، وكتابه أبي عبد الله الشطيبي، سواء في التفكير أو التعبير.
ويبدو أن التحريف لعب دورا خطيرا في نسخ هذا الكتاب، وتستطيع أن تقرأ عنوان الكتاب في عبارات شتى هكذا :
الجمان في مختصر أخبار الزمان
الجمان المختصر في أخبار الزمان
المختصر أخبار الزمان
وقد انتقلت عدوى التحريف إلى اسم مؤلفه، فيمن تبرع بذاك من أمناء المكاتب، أو مالكي الكتاب، وكم يعاني من ويلات في هذا الباب، رجال البحث، وأهل التحقيق في عالم المخطوطات.
5- قيمة هذا الكتاب – في نظري – لا ترجع  إلى ما أورده من معلومات عن تاريخ الإسلام العام، أو التاريخ المصري الوسيط، بل إلى ما تضمنه من حقائق عن تاريخ المغرب والأندلس (المشترك)، وقد عقد فصلا مهما عن الأسر البربرية التي استوطنت الأندلس، وتولت الرئاسة والحكم في كثير من مدنه وقراه، أو كان لها مقام كبير في العلم والجهاد، منهم من ينتسب إلى صنهاجة، ومنهم من ينتسب إلى يفرن أو أيلان، أو إلى قبائل بربرية أخرى كبني عوسجة، وبني يرزين، وبني زروال، إلى غير ذلك، وذكر أمراء الأندلس على عهد طارق بن زياد – محمد بن إلياس المغيلي، وكان أميرا على ثغور وادي الحجارة، ومنهم ابن واتسون المكناسي، ومن أمراء شاطبة بنو عزلون وهم نفزاويون، وذكر من قضاة قرطبة وعلمائها- القاضي العباس، والأصبغ الهواري، وقال أن جميع أعيان مرقسطة وأمرائها من البربر، وهم من بني الغراطي ومن بني قرقير، ومنهم محمد بن عبد الجبار المصمودي، ثار بمدينة ماردة أيام بني مية، ومنهم بنو يحيى بقرطبة، ومنهم الأوربي من بني سالم... وهي حقائق تاريخية مهمة، فلما نجدها مفصلة هكذا في كتاب.
وينتهي كتاب الجمان بانتهاء تاريخ الدولة الموحدية، وربما كان في نية المؤلف أن يكتب جزءا خاصا بتاريخ المرينيين والوطاسيين والسعديين على أن الشطيبي لم يرد أن يكتب تاريخا مسلسلا، بل اختصر نبذا تاريخية في ثلاثة فصول، ولك أن تسميها ثلاثة عصور:
1- من بدء الخليفة إلى مولد الرسول.
2- من مولد الرسول إلى عهد الخلفاء الراشدين.
3- من عهد الخلفاء الراشدين إلى أواخر العصر الوسيط.
وقد عني بالأحداث والغرائب كالزلازل والكسوف والخسوف، وهو شغوف بقصص الأنبياء، وحكايات الزهاد والصالحين، والطغاة والجبارين، قال في مقدمة الكتاب: ( ولما رأيت أخبار الزمان كثيرة، اختصرت منها ما أمكنني، ليكون فيه وعظ للمعتبرين، وتذكرة للموقنين، وتبصرة للمتفكرين، فاختصرت من جميعا ثلاثة فصول).
ويؤخذ على المؤلف أنه مولع بأساطير والروايات الضعيفة، كالأخبار التي أوردها في بناء «أرم ذات العماد» التي قال أنه بناها شداد بن عاد على صفة الجنة، وكالآثار التي ذكرها في فضل الأندلس.. إلى غير ذلك من أوهام وخرافات وقع فيها كثر من المؤرخين الأولين كابن جرير الطبري وغيره.
وكنا نود من الدكتور الذي يعلمنا طرق البحث، وكيف تستخدم المصادر التاريخية أن ينبه على نواحي الضعف في هذه المصادر، إلى ما فيها من محاسن... وللبحث التاريخي قواعده وأسسه.
على أن هذه الملاحظان الطفيفة لا تقلل من المجهود الذي بذله الدكتور في موضوع كتابه الطريف (استخدام المصادر وطرق البحث...) فهو يستحق منا كل شكر وتقدير.

(1) كتبت له ترجمة مطولة في جريدة "الميثاق" أعداد 42-43-44.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here