islamaumaroc

عمليات السبر أو مفحصة القرن العشرين.-1-

  دعوة الحق

83 العدد

في ظرف لا يتعدى ربع قرن عرفت عمليات السبر تطورا مدهشا بهر العقول ودوخ أفكار الجميع، فقد كانت هذه العمليات منحصرة، بادئ ذي بدء في ميادين محدودة ومعينة قد لا تخرج عن إطار التجارة والاقتصاد والدعاية لبعض المنتوجات والمعروضات ولكنها سرعان ما تطورت وأخذت تدخل ميادين الاجتماع والسياسة والثقافة والصحافة وغيرها، ولعل من دواعي هذا التطور وأسبابه المباشرة شغف الناس باستطلاع الأخبار واستجلاء ما يدور في خلد أبناء البشرية من أفكار وما يتصارع في داخلهم من اهتمامات لا تحصى ومشاغل لا تستقصي، ولعل من عوامل هذه التطورات والدوافع التي أدت إليه اهتمام الدور التجارية الكبرى والشركات الصناعية العظمى في الدول المتقدمة بالوقوف على رغبات الجماهير الإنسانية وميولها في المأكل والملبس والمسكن حتى تستحوذ على أموالهم وتستأثر بنفقاتهم وتتمكن من شهواتهم وأغراضهم فتقدم لهم ما يريدون ويبتغون وتعرض عليهم ما هم به معجبون من أوان منزلية وأدوات مهنية وأطعمة شهية وبذلات مرضية وغيرها من الأشياء التي تعتمل آمال الحصول عليها في نفوس الناس والتي تتفق وأذواقهم.
ولعل هذا ما حدا بتلك الدور والشركات والهيئات إلى تكوين معاهد للسبر تابعة لها حتى لا تكتفي بتكليف المراكز الموجودة الشيء الذي نتج عنه تعدد هذه المعاهد والمراكز التي تنصب اهتماماتها على سير أغوار الرأي العام في مختلف أنحاء المعمور.
غير أن التطور الذي عرفته هذه العمليات لم يطرأ على كيفية سيرها فحسب ولكنه طرأ على مجالي نشاطها وفروع عملها حتى أصبحت اليوم تستغل في الميادين السياسية  وحتى وجد من الناس من يقول بضرورة استعمالها مكان الانتخابات متغافلين عن حقيقة واضحة لا تقبل اللبس ولا ترضى بالتخمين والتقريب وهي أن الانتخابات عمليات جماعية تشمل سائر المواطنين في قطر من الأقطار بينما عمليات السبر مازالت، رغم اتساع مجال نشاطها، لا تشمل إلا طبقة خاصة من الناس.
وحتى تعرف مدى استعمال عمليات السير في مختلف الميادين وتنوع وجوه صلاحيتها تقف، قبل الدخول في صلب الموضوع، على بعض الأمثلة المتنوعة.
فمن المعلوم أن الولايات المتحدة الأمريكية تواجه اليوم حربا ضروسا في الفيتنام، وأنها خلقت في أراضي الهند الصينية فرنسا التي انتهت مهمتها منذ الاتفاق الذي حصل في جنيف سنة 1954 بين ممثلي الحكومة وممثلي الزعيم البطل هوشي مينه أثناء اجتماع شارك فيه ممثلون عن الصين الشعبية والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي وبريطانيا العظمى، ويعلم القراء أن الرئيس الأمريكي الحالي جونسون يتحمل اليوم، مسؤوليات جسيمة في مواجهة الحالة الناشئة عن شن الطائرات الأمريكية الغارات على بلاد شمال الفيتنام التي يعتقد الرئيس الأمريكي أنها المسؤولة أولا وقبل كل شيء عما تعرفه الولايات المتحدة من صعوبات داخل جنوب الفيتنام بسبب اتساع نطاق نفوذ ثوار الفييتكونغ الشيوعيين. ولا يخفى على القارئ الكريم ما يمكن أن يترتب على التدخل الأمريكي العسكري من تهديد للسلام العالمي، وقد يدفع حب المحافظة على السمعة التي تتمتع بها الولايات المتحدة الأمريكية في العالم برئيس الولايات المتحدة إلى استعمال بعض الأسلحة النووية في هذه الحرب، وقد لا تصل هذه السطور إلى المطبعة حتى يكون قد حصل ما لا تحمده عقباه، كل هذا يوضح لنا أن سمعة الرئيس الأمريكي تجتاز مرحلة دقيقة وأن نجاحه في عمله هذا متوقف على تأييد الشعب الأمريكي له في هذا الميدان زيادة موافقة مجلس الكونفريس وعلى سياسته. وشعبية الرئيس جونسون لن تظهر إلا إذا نظمت الانتخابات الرئاسية التي ما زالت فترتها بعيدة فكيف تعمل الصحافة الأمريكية للوقوف على شعبية الرئيس الأمريكي في هذه الحقبة الخطيرة التي تجتازها الولايات المتحدة الأمريكية؟
إن الصحافة الأمريكية، وبعدها الصحافة الغربية الموالية لهذه البلاد والمناظرة لسياستها لم تجد في هذه الفترة إلا وسيلة واحدة لمعرفة رأي الشعب الأمريكي في رئيسه ساعة المحنة، وما هذه الوسيلة إلا عمليات السبر التي قامت ومازالت تقوم بها يوميا المعاهد المختصة كمعهد جالوب مثلا الذي يزود الصحافة الأمريكية والعالمية بين الفينة والأخرى بنتائج هذه العمليات التي تدل آخر عملية منها على أن شعبية الرئيس جونسون الأمريكي تعرف في بلاده على الأقل صعودا مطردا وأنها تفوق بكثير السمعة التي كان يتمتع بها وقت الانتخابات الرئاسية عندما كان ينافسه في المعركة المرشح الجمهوري كوولد ووتر. وتدل نتائج أخر عمليات السبر التي نظمها معهد جالوب على أن سبعين في المائة من سكان الولايات المتحدة يؤيدون الرئيس الأمريكي ويناصرونه ويدعون له بل يستنتج من هذه العملية الأخيرة التي أجريت في أوائل شهر أغسطس من السنة الجارية إن في إمكان الرئيس جونسون، إذا ما تقدم لانتخابات جديدة، أن يحصل على تأييد من الشعب الأمريكي يقترب من الإجماع رغم وجود طبقة نشيطة من المثقفين الأمريكيين الذين يعارضون التدخل الأمريكي في الفيتنام والذين قاموا مؤخرا بدعوة الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر لزيارة الولايات المتحدة الأمريكية قصد إلقاء محاضرات سياسية تندد بالموقف الأمريكي رغم عدم تلبية الفيلسوف الوجودي الفرنسي الكبير لدعوة أولى سبق أن توصل بها من السلطات الجامعية الأمريكية في أوائل هذه السنة.
ومن الأمثلة العجيبة التي يمكن الاستدلال بها على ما اكتسبته عمليات السبر من أهمية الاستطلاع الذي نظمه المعهد الفرنسي للرأي العام في النصف الثاني من شهر يونيه من السنة الجارية والذي انفردت مجلة ليكسبريس بنشر نتائجه في العدد الذي يحمل رقم 737 والمؤرخ من 2 إلى 8 من شهر أغسطس 1965، فقد نشرت هذه الأسبوعية الفرنسية تحت عنوان «ما يفكر فيه الفرنسيون» نتائج هذا البحث الذي نظمه المعهد المذكور ليعرف مواقف الشعب الفرنسي من حكومة السيد بومبيدو قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقرر إجراؤها في شهر نونبر 1965.
والواقع أنه بحث طريف يتم عن تفكير عميق واتجاه سليم لمعرفة ميول الرأي العام الفرنسي والحكم الذي يحكم به على سياسة الجمهورية الخامسة في مختلف الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية والفلاحية.
ويليق بنا أن نعرض هذه النتائج في شكل جدول حتى  تتضح للعيان:

الميدان

المرتاحون

المستاؤون

من لا رأي لهم

ملاحظات

السياسة الاجتماعية

 

 

 السياسة الخارجية

 

السياسة الاقتصادية

 

 

 

التربية الوطنية

 

 

  

الفلاحة

32

 %

 

 

 

52 %

 

 

31 %

 

 

 

 

41 %

 

 

  

25 %

51 %

 

 

 

19 %

 

 

37 %

 

 

 

 

37 %

 

 

  

41 %

17 %

 

 

  29 %

 

 

22 %

 

 

 

 22%

 

 

 

34 %

كان الاستياء يعم

42 % في شهر يبراير 1963 «46 % في شهر أكتوبر 1964 »

نصف الشعب الفرنسي يؤيد الحكومة

 

لم يعرف رأي الشعب الفرنسي تغييرا كبيرا

يستحق الذكر منذ أوائل الجمهورية الخامسة

غالبية المستائين من الإطارات العليا

وأرباب المهن الحرة من أطباء ومحامين ومهندسين وأساتذة التعليم العالي

حتى أنصار دوجول يعارضون هذه

السياسة .

وقد نظمت عمليات سبر أخرى حول السياسة العامة الجمهورية الخامسة دون تحديد الميادين فكانت نسبة المرتاحين تبلغ 45 في المائة ونسبة المستالين 35 في المائة ونسبة الذين لم يستطيعون الأداء بأي رأي في الموضوع 20 في المائة.
ومن الجدير بالذكر أن هذه العمليات ستتكاثر في الشهور القليلة المقبلة نظرا لدنو أجل الانتخابات الرئاسية في فرنسا وانتشار الإشاعات حول احتمال تخلي الجنرال دوجول رئيس الجمهورية عن تقديم نفسه لتجديد وتفكيره في تبني ترشيح المسيو بومبيدو رئيس الحكومة الفرنسية الحالي الذي يحظى بعطف كبير من طرف الرئيس الفرنسي للجمهورية الخامسة.
وما دام الأمر يتعلق هنا بخبر نشرته المجلة الأسبوعية الفرنسية ليكسبريس فلنشر إلى أن إدارة هذه المجلة كلفت أحد معاهد السبر في فرنسا للقيام ببحث في أوساط قرائها خصوصا بعدما أخذت المجلة تظهر في حلة جديدة وبعدما غادرتها نخبة من المثقفين الذين كانوا يشرفون على صفحاتها الأدبية.
وقد تبين من هذا السبر أن أزيد من خمسين في المائة من قراء المجلة في حلتها الجديدة يتكونون من الحاصلين على القسم الثاني من شهادة البكالوريا على الأقل وأن  غالبية قرائها تنتمي إلى الأوساط اليسارية المثقفة كما تبين أن الإقبال مازال متزايد عليها بصفة مستمرة. وبذلك فندت الإشاعات التي راحت مؤخرا حول أعراض القراء عنها وتحولهم إلى المجلات والأسبوعيات التي فتحت ذراعيها للمساعدين الذين كانوا يعملون سابقا في «ليكسبريس».
ونشر أحد مراكز السبر في إنجلترا نتائج بحث قام به في موضوع استهلاك الشعب الانجليزي لنوع معلوم من الزبد فاتضح من نتائج عملية السبر أن أزيد من خمسين في المائة من الإنجليز يقبلون على شراء هذا النوع من الزبد وأن 25 في المائة يعرضون عنه بينما لم يسمع به ما يقرب من 20 في  المائة من سكان إنجلترا. وقد تلت هذه النتائج إحصائية تدل على أن الشعب الإنجليزي استهلك في شهر يوليوز 1965. أزيد من عشرة ملايين كيلو من هذا الزبد.
تلك بعض الأمثلة التي رأينا من المفيد أن نتعرض لها في هذه المقدمة لنعطي للقراء الكرام نظرة كاملة عن الأهمية التي تكتسبها هذه العمليات قبل التعرض لكيفية نشوئها ودواعي انتشارها ومراحل تطورها وطرق إجرائها.
لقد كان من نتائج التطورات الاقتصادية والتقلبات الاجتماعية التي عرفها العالم منذ ظهور البخار في الوجود واستخدام الآلة للوصول إلى اختراعات عملية جديدة واكتشافات فنية حديثة انتشار الوعي بين سكان الأقطار المتقدمة في العالم خصوصا بعد أن بسرت الطباعة سبل التعليم لجميع أبناء البشرية وذللت النظريات التربوية العصرية طرق التربية في وجوه الناس. فقد أقبل الناس على العلم وتطلعوا إلى المعرفة فبعثوا أبناءهم بكثرة إلى المدارس التي كانت لا تفتح أبوابها فيا من ينابيع المعرفة والورد من مناهل العرفان حتى شملت الثقافة بمنافعها العديدة الإنسانية كلها وعمت مزايا المعمور، ولم يبق محروما منها إلا بعض الأقطار التي لازالت تتعثر في طريق رقيها الاجتماعي وتتردد في سلوك نموها الاقتصادي.
وما تعدد الصحافة وتكاثر المطبوعات إلا دليل على هذا التطلع الدائم إلى العلم الذي تعرفه البشرية عموما وسكان الدول الراقية خصوصا والذي يتجلى في محبة المعرفة والرغبة في البحث والاستكشاف وقد بلغ هذا الطور الثقافي والتقدم العلمي درجة جعلت كثيرا من رجال البحث والاستقصاء وأرباب الاستكشاف والاستقراء ينغمرون في أبحاث عديدة يقصدون من ورائها معرفة ميول جماهير السكان وما تهفو إليه نفوسهم وتميل إليه قلوبهم وذلك بواسطة عمليات تقنية دقيقة ووسائل فنية عجيبة تسبر أغوار المجتمعات البشرية وتغوص في أعماقها للتنقيب عن أهدافها والضرب على أوتارها الرنانة ودقاتها الحساسة وجس نبضها حتى تتعرف على التيارات الفكرية والسياسية التي تتجاذب المجتمعات البشرية.
وهكذا أخذنا نرى الصحافة تقوم بين حين وآخر بإطلاع الرأي العام في أمة من الأمم على نتائج هذه الأبحاث العلمية التي أجرتها إحدى المنظمات والتي شملت عددا معلوما من الناس يمثلون مختلف طبقات المجتمع.
ويكفينا برهانا على ما تقول أن نتائج الانتخابات التشريعية البريطانية التي جرت في شهر أكتوبر 1964 كانت معروفة قبل يوم الانتخابات لأن أهم الهيئات والمنظمات المكلفة بسبر أغوار الرأي العام البريطاني توصلت بعد عمليات البحث والسبر والتنقيب التي قامت بها في وسط المجتمع الانجليزي إلى أن حزب العمال سيخرج منتصرا من هذه المعركة الانتخابية بل إن من هذه المنظمات من أكدت بأن انتصار حزب العمال سيكون ضعيفا بحيث لا تتعدى الأغلبية التي سيحرز عليها عشرة أصوات. وقد عرفت الحملة الانتخابية لرئاسة الجمهورية في الولايات المتحدة نفس التخمينات وقد ذهب الأمر ببعض الشركات الأمريكية التي تقوم بعملية السبر إلى تتبع الحملة الانتخابية عن كثب وكانت تصدر كل أسبوع بل كل يوم بيانا عن نتائج البحث والسبر التي تقوم بها مؤكدة حظوظ المرشحين الرئيسيين جونسون وكولد ووثر في الفوز بمنصب الرئاسة.
والحقيقة أن عمليات السبر لا تنظم في موضوع الأحداث السياسية فحسب ولكنها أصبحت جزءا لا يتجزأ من وسائل الدعاية لصالح الدور التجارية والشركات الاقتصادية والمنظمات الاجتماعية في الأقطار المتقدمة كولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا العظمى وفرنسا وألمانيا وغيرها.
ففي كل حين تتردد في الصحافة العالمية أصداء هذه الأبحاث التي تدور حول مختلف المواضيع ك «شعبية الجنرال دوكول» و «الانتخابات الرئاسية في فرنسا» و «الاستماع إلى  الإذاعة ومشاكل التلفزة» و «ميول الفرنسيين في شراء البضائع» و «رأي المنتفعين بالضمان الاجتماعي في تسوية ملفات التقاعد» و «تنظيم المرور في مقاطعات باريس» و «مصاريف الفرنسيين في اللباس» إلى غير ذلك من الموضوعات الاقتصادية والقضايا الاجتماعية والسياسية والديموغرافية سواء أكان الأمر يدخل في نطاق محدود كالمخترعات المنزلية الحديثة من أدوات مطبخ وآلات طهي وأنواع الصابون أو كان يدخل في  إطار وطني كتحضير التصميم الخماسي في فرنسا أو حملات الانتخابية التي أشرنا إليها سابقا. ففي كل حالة من هذه الحالات يصبح المجتمع المعني بالأمر حلبة يتسابق فيها رجال البحث وأرباب السبر لمعرفة ميول الطبقات الاجتماعية التي يتكون منها هذا المجتمع حيث تحدد هذه الميول وتنسق على ضوئها النتائج النهائية التي تساعد المهتمين بهذه المخترعات على المضي في أعمالهم مستنيرين بهديها مشجعين من طرفها مدركين قبل الأوان مدى نجاحهم أو إخفاقهم فيما يرمون إليه.
وهكذا أصبح سبر أغوار الرأي العام يحتل مقاما جليلا بين وسائل الإحصاء دون أن يتعارض معها أو ينافسها لأن عمليات الإحصاء والتوثيقات الإدارية تشمل مجموع سكان البلاد بينما لا تزيد عمليات السبر على إشعار المسؤولين بالنتائج المحتملة لهذه الإحصاءات والتوثيقات الإدارية كما تسمح بتيسير طرق تطبيقها وتعبيد سبل نجاخها.
فكيف نشأت هذه العمليات؟ وما هو أصلها؟ وما هي الأسس العملية التي تخضع لها؟ وهل أعطت هذه العمليات نتائج حسنة تؤكد قوة مفعولها ومدى فعاليتها؟ تلك أهم الأسئلة التي تتعلق بهذا الموضوع والتي سنحاول الإجابة عنها مستعينين في ذلك بالبحث القيم الذي نشرته الأستاذة الصحفية الفير دوبريساك في جريدة لو مند الباريسية.
والأستاذة الفيردوبرويساك خبيرة فرنسية كبيرة في ميدان الإحصائيات وقد سبق لها أن أصدرت كثيرا من الدراسات المفيدة في قضايا الأخبار والمشاكل الديموغرافية في عدد مهم من الأقطار في القارة الأوربية والعالم الجديد.

نبذة تاريخية
مازالت عمليات سبر أغوار الرأي العام حديثة العهد لأنها وإن كانت تعتمد على حساب الاحتمالات الذي توصل إليه العالم الفرنسي والمفكر الكبير باسكال في القرن السابع عشر وعلى اكتشاف قانون الأعداد الكبيرة الذي أعلنه بيرنولي في القرن الثامن عشر فإنها لم تستطع أن تتطور وتأخذ المقام اللائق بها إلا بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. ومع ذلك فقد عرفت فرنسا عمليتها الأولى في أوائل القرن التاسع عشر بل في سنة 1801 بالضبط حيث أراد «لابلاس» أن يقوم بتجربة أولى في هذا الشأن وقد كان لتطور هذه العمليات في العقود الثلاثة الأولى من هذا القرن بالأقطار الأنجلوساكسونية أسباب عديدة أهمها تقدم علوم الإحصائيات والدراسات الاحتمالية والدافع النفساني الذي أثارته «نظرية المواقف» في نفوس سكان هذه الأقطار حيث أخذ بعض العلماء والخبراء يجرون أبحاثا لمعرفة آراء الناس وميولهم ومواقفهم، وقد دفعت «نظرية المواقف» ببعض العلماء الفرنسيين إلى القيام بأبحاث في فرنسا ترمي إلى وزن ذكاء بعض الأفراد ومقدار نباهتهم. وقد قام بهذه العملية في فرنسا العالمان بينيط وسيمون في مفتح هذا القرن. وبإزاء هذه الأسباب اكتشف العلماء فوائد جمة من وراء دراسة إمكانيات الأسواق.
وقد كان للازمة العويصة التي عرفها العالم العربي في سنة 1929 أثر كبير وفعال في تطور هذه العمليات حيث ذهبت ببعض المفكرين الاجتماعيين إلى التساؤل عن سير مجتمعهم وانفعالات الأفراد الذين يتكون منهم هذا المجتمع والتطلع إلى معرفة مواقف المواطنين وميول السكان.
ولقد أدت هذه العناصر كلها إلى تطور عمليات سير الرأي العام التي أخذت تشق طريقها في اتئاد واطمئنان إلى أن حل شهر نونبر 1936 حيث وقع حادث سياسي خطير كان له الأثر القوي في ظهور هذه العمليات وتمكينها وإعطائها شهرة عظيمة طبقت بفضلها الآفاق. فقد تقدم الرئيس الأمريكي الراحل روزفيلت إلى الانتخابات الرئاسية بالولايات المتحدة لأول مرة في سنة 1933 ورشح نفسه ضد لاندون مرشح الحزب الجمهوري وكان جميع الملاحظين السياسيين يعتقدون بأن روزفيلت لن ينجح في الانتخابات وأنه سيعرف فيها إخفاقا كبيرا. ولكن مجلة أمريكية شهيرة هي لبطراري ديجيت لم ترد أن تصدق ما يقوله غالبية الملاحظين السياسيين ورجال الصحافة وقررت أن تقوم ببحث مهم خاص بها يشمل أزيد من مليوني أمريكي. وبالفعل فقد أجرت المجلة الأمريكية بحثها حيث بعثت برسائل مضمونة إلى مليونين من الأمريكيين يمثلون مختلف الأوساط والطبقات في المجتمع الأمريكي وقد جاءت نتائج هذا البحث لتؤكد الشعور العام الذي كان يخامر المتتبعين للحملة الانتخابية والذي كان يعتقد بأن الرئيس الأمريكي لن يحظى بتجدد الثقة فيه من طرف المواطنين الأمريكيين.
وفي نفس الوقت قامت ثلاثة معاهد خاصة بدراسة ميول الرأي وبحث آخر لم يتعد عدد المشاركين فيه أربعة آلاف نسمة، وقد توصلت المعاهد الثلاثة المذكورة التي كان من بينها معهد جورج كالوب الذائع الصيت إلى نتيجة مخالفة لما وصلت إليه مجلة ليطراري ديجيست حيث ظهر من خلال البحث أن الرئيس روزفيلت سيحظى بأغلبية مهمة وبالفعل فقد خرج روزفيلت منتصرا من المعركة الانتخابية إذ حظي بالنسبة المئوية من الأصوات التي كانت تتوقعها معاهد الرأي العام المشار إليها. وقد كان لهذا الاتفاق أثر عظيم في  نفوس المواطنين الأمريكيين ومختلف الأفراد الذين كانوا يتتبعون الحملة الانتخابية بل ذهب الأمر ببعضهم إلى اعتبار هذا الاتفاق معجزة عجيبة وشيئا خارقا للعادة وقد ظن البعض أن المعاهد الثلاثة تتمتع بموهبة عظيمة لا تختلف عن موهبة الفنانين وأنها توصلت إلى هذه النتائج الغربية بفضل الإيحاء الذي من الله به على رجالها، والحقيقة التي لا مراء فيها هي أن الأمر لا يتعلق لا بوحي ولا بهبة سماوية خاصة ولكنه يرجع إلى إجراء البحث في وسط مصغر يمثل الرأي العام الأمريكي خير تمثيل أما مجلة ليطراري ديجيست فقد أخطأت في اختيار الوسط الذي يمكن لن يجري فيه البحث بكل دقة لأنها رغم رغبتها الأكيدة في جمع وسط يمثل مختلف طبقات الشعب الأمريكي لم تتوفق إذ اختارت المليونين من الأمريكيين بعد إجراء القرعة بين المشتركين في التليفون الذين وقع الاختيار عليهم بعد الوقوف على دليل التليفون. ومن الطبيعي أن الأفراد الذين يتوفرون على جهاز التلفون لا يمثلون الشعب الأمريكي أصدق تمثيل لأن التليفون رغم بساطته يدل على نوع من الرخاء المادي والثراء المعنوي. وهكذا فإن هذه المجلة لم تحترم المبدأ الرياضي القاضي بأن يحظى كل عنصر يدخل في نطاق البحث بنفس الحظ في السؤال والجواب كما هو الشأن في أوراق اليانصيب التي يكون حظ نجاح أرقامها متساويا رغم اختلاف الأوراق والأثمان.
وقد عرفت عمليات سبر أغوار الرأي العام مظهرا عجيبا آخر في الولايات المتحدة في شهر نونبر 1948. فقد أعلنت جميع معاهد الرأي العام أن الرئيس ترومان لن يجدد انتخابه وأن النجاح سيكون حليف منافسه مرشح الحزب الجمهورية السيد ديوي. وقد أظهرت نتائج البحث الأخير الذي قام به معهد جورج كالوب أن المرشح الجمهوري سيفوز بغالية الناخبين وقد جاءت نتائج الانتخابات مخالفة لما أعلنته معاهد الرأي العام أثناء الحملة الانتخابية حيث نجح ترومان وخسر منافسة ديوي. ويبدو أن من بين الأسباب التي أدت إلى إخفاق المعاهد في بحثها في هذه المرة أن العمليات توقفت قبل يوم الانتخابات بأجل طويل بيد أن المعركة كانت عنيفة ودقيقة جدا وكان الأولى أن لا تعلن النتائج إلا في المرحلة الأخيرة من الحملة الانتخابية وبكل تحفظ خصوصا وأن هذه العمليات لا تخلو من أخطاء يتعين اعتبارها.
وقد عرفت فرنسا هذه العمليات في سنة 1938 بعدما رجع السيد سطويترل من زيارة قام بها إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث أسس مجرد عودته المعهد الفرنسي للرأي العام الذي كان يقتبس الكثير من الطرق المستعملة في أمريكا. وقد نشر السيد سطويترل في سنة 1943، كتابا حول هذه القضايا جمع فيه النظريات والطرق الجاري بها العمل في الأقطار الأنجلوساكسونية وعلق عليها واستخرج منها طريقة الخاصة ويحمل الكتاب هذا العنوان «نظرية الآراء».

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here