islamaumaroc

ذكريات مريرة

  دعوة الحق

83 العدد

تهتاجني الذكريات فاحركها من مراقدها، وان لها لباسا عميقا تغط فيه، وقد تنسرب خفية إلى الابد. أنها لا تنفر ممن يوقظها، فمن شانها ان تطبق أجفانها وان تفتح عيونها محدقة في الوجود، تنظر ما وراءها، فترى السنين تومىء إليها بخيرها وشرها وهي لا تعرف النظر إلى الإمام، وقد سكنت مثل طيور صغيرة في وكناتها، أو مثل نسور قشاعم على قنن الجبال.
وكنت اجول خلال الفلسفة، حين وقفت بكلمة يقول بها علماء الذاكرة وفي مقدمتهم «برغسون» وهي «العلم تذكر» ويريدون بهذا التعبير ان الذاكرة هي سبب العلم، فلولاها لكانت المعارف الانسانية تذوب في الاذهان، كما تغيب المياه في منحدرات الوهاد.
ومن صميم وجودنا وسره في الحياة أعطيات التذكر، وقلما قل النسيان كانت الحوادث المواضي أكثر عدة للرجوع إلى الحياة في الخيال والتصور.
ولقد تداولت خواطري هذه الأفكار، وانا منشرح البال على مشارف العمر مثل ناظر على الربى إلى السفوح والمروج، فتذكرت حالي وأنا تلميذ استعد لامتحان البكالوريا..
كما نسكن، يومذاك، في حي المهاجرين بدمشق، المدينة التي ولدت فيها، وتتابع منها جدودي، وحي المهاجرين تعلق بجبل قاسيون فملا سفوحه ورحابه، وتعالى بيتا وراء بيت وشارع خلف شارع، حتى كاد يصل إلى القمم الشماء التي تتنفس أريج الشام من مجاثم التيربين إلى ءاماء «الغوطة» الخضراء، ونهر بردي الممراح يشق هاتيك الرحاب الممرعة.
وكان في ظاهر منزلنا في سفح ذلك الجبل، ساحة مستديرة تحدق بها البيوت واسمها «مصطبة الإمبراطور» تشرف على دمشق، وسماها الدمشقيون بهذا الاسم منذ صعدها عاهل الألمان «غليوم الثاني» حين زار دمشق قبل الحرب الكونية الأولى، وأحب ان يشرف على تلك الآماد السواحر من دارة الشام، فاصعدوه إلى تلك الساحة.
وقد كنت اتخذ فيها ركنا منذ تدلف الشمس إلى عصر يومها، فاقتعد غارب حجر أملس هنالك، ومعي كتبي ودفاتري، فاكب على الدراسة والحفظ حتى يأتي المساء، ويجيء عسس الساحة، وكان رجلا تقيا من الارناؤوط، فيسلم علي، آنس به، ثم انحدر إلى منزلنا بعد الغروب، واني لذات عشية من العشايا، هادىء مطمئن ونظري منسكب على كتبي، وإذا أنا بحجر ضخم ينحدر نحوي مسرعا، ويحدث رجة وصوتا ويجئ إلى قربى ليصيبني فحدت عنه، ونهضت فزعا واتجهت صوب انحداره لأرى الذي اهوي به، فوجدت في الأعالي وراء البيوت المهجورة، رجلا يكب ليأخذ حجرا ءاخر فيقذفني به، ثم يتناول ثالثا، وهو يزمجر  بضة يده بالوعيد والتهديد، فلملمت للحال كتبي وكخفوق البرق انحدرت من جهة لا يراني فيها، وعطفت الطريق إلى بيتنا، فتلقتني امي ـ يرحمها الله ـ فزعا منبهر الانفاس، فجعلت تفديني، وقصصت عليها الخبر فما كان منها الا ان لبست ملاءتها وانا احول بينها وبين الذهاب، فقصدت الحارس تقص عليه الامر، فاضطرب الحارس، واوصاها بان لا تتركني بعد ذلك اليوم اصعد إلى تلك الساحة.
وضرب الدهر بيني وبين تلك الحادثة، فنلت الشهادة الثانوية، ثم صرت إلى كلية الحقوق، وغادرنا حي المهاجرين إلى الصالحين، وبعد ان حصلت على الليسانس انتسبت إلى المحاماة فغدوت قرحا بالحلة  التي كنت امني النفس بلبوسها، وكان على المحامين الناشئين ان يتمرسوا عند اساتذة خلال عامين وفيما كنت مثابرا على هذا التمرس جئت محكمة الجنايات سائلا عن دعوى في غرفة الكتاب، وكان الوقت قد ءاذن بالانصراف في هجر النهار من صيف لاهب، فما راعني الا صرخة صرخها حاجب المحكمة، هبطت علي من رواقة فوق راسي، وانا في صحن المحكمة ـزكي المحاسني..
فرفعت راسي، فإذا الحاجب «مصطفى المسكي» هو الذي يناديني، فصعدت نحوه لأعلم السبب فقال تفضل، أعضاء المحكمة بانتظارك !..
فعرفت انها السخرة المعهودة التي كانت تعمد اليها محكمة الجنايات فتسخر أي محام ناشىء يراه حاجبها ليدافع عن منهم مسكين قبل صدور الحكم عليه، اذ لا يجوز في شرعة المحاكمات الجزائية ان يتجرد الظنين من مدافع عنه.
فدخلت ردهة المحكمة، فابتدرني رئيسها وكان ذا لحية سوداء صبيغة، وكان صارما عاش في العهد التركي، وادرك العهد العربي في ديار الشام،وبجانبه المستشاران وعلى يمينه المدعي العام، فقال الرئيس:
نحن بانتظار دفاع منك في كلمتين، لكي نصدر الحكم.
فأدركني العجب، ولم أكن قبل ذلك قد قمت بأداء السخرة في الدفاع عن المتهمين، فطلبت رؤية ملف الدعوى، فوضعه الحاجب أمامي، وإذا هو في حجم مجلد تراكمت فيه الاوراق، ففتحت عن الحادثة التي جاءت بالمتهم إلى قاعة المحكمة، ثم التفت اليه وهو في قفص الاتهام، عليه حلة زرقاء سابغة وسخة وهو حافي القدمين، منفوش شعر الراس والصدر، كانه متوحش جيء به من الغابات.
وماذا صنع؟؟
وتغرست في الملف واطلت التقليب فيه واهل المحكمة متململون مني، ولعل قد ادركهم التميز من الغضب والغيظ من الحاجب الذي ناداني.
وماذا رايت؟؟
وجدت غريمي الذي قذفني بالحجارة الضخام منذ اربع سنين وانا مكب على الدرس في مصطبة الامبرطور، كان يسكن في أعالي جبل قاسيون، متوحدا شريدا لا يأكل الا في اطراف الليالي كسرا من الخبز القفار، فلقد كان متيما هذه العشق، مثل مجنون ليلى، مولع الذكرى بامرأة كانت تسكن في بيت مطل على «مصطبة الامبراطور» وقد كان معمودا في حبه مذهوب الفؤاد ذا غيرة كبرى وكانت جميلة واسمها جميلة، كحيلة العينين، سابية عفيفة، فحيل بينه وبينها، وماتت، فكان كلما طاف به طائف ذكراها بين الشهور، حام حول حماها الذي كانت تسكنه في تلك الساحة المنبسطة المشرفة من حي المهاجرين على مشاهد دمشق، وحين اشتد به الولوع أصابه مس فكنت أول من قذفه بحجر واستمر مريره في ذكريات الحب الدارس، فصار يترصد الشبان إذا الم واحد منهم منفردا بالساحا ليقذفه بالحجارة ويفر في معارج الجبل، عرفت اخبار هذه بعذئذ من الحارس الارناؤوط.
وكان اتهامه في المحكمة بانه رمى إنسانا كان جالسا هنالك ذات مساء، بحجر فرضخ به رأسه فاهلكه ولم اكن قبل اعرف سيرة حبه، ولو كنت عرفتها لسامحته منذ ذلك المساء الذي أراد به أصابني، ولا كانت سيرته هذه في الحب والهيام قد ذكرت بوضح في ملف الدعوى، فنهضت مدافعا عنه، وقلت لكاتب المحكمة.
اكتب،
فابتدرني الرئيس بقوله:
وماذا يكتب؟
ان من حق الدفاع ان يملي المدافع ما يريد، وهو حق مقدس، يا سيدي الرئيس.
وامليت على الكاتب
ارجو احالة اللمتهم إلى الطبيب العقلي في مستشفى الجنون، ليوضع في المشاهدة، فانه ارتكب جرمه بائق جنوني، وهو الحب العظيم والغيرة على المحبوب اذ ثبت في التحقيق المسطور انه لم يكن بينه وبين المضرور ثار او معرفة.
ورفعت الدعوى شهرا وجاء الجواب بانه مصاب بنوبات مالبخوليا يطيش بها عقله بين الحين والحين.
وكنت في هذه المدة التي انصرمت عرفت سيرته من الحارس، وسكان المصطبة ممن أصدقت دورهم بها، فذكرت ذلك للمحكمة وأدليت بالشهود ممن عرفوا حادث الحب الكبير، ولقد هززت يومذاك الرئيس ذا اللحية السوداء حين أنشدته بيتا من أنشودة الأناشيد لسليمان الحكيم، يقول فيها:
ضعني على صدرك كالميم           فالحب مثل الموت للمغرم
وقرأت المعنى بالفرنسية للمحكمة كما حفظت من النسخة الفرنسية
Placez-moi comme un seau sur ton cœur
                                                     
L’amour est fort comme la mort

فخففت المحكمة حكمها على المسكين إلى اقل الحدود، وخرجت من الجلسة الأخيرة، مغسولا قلبي من الحنق عليه، وصارت تلك الذكرى لدي حلوة بعد أن كانت مريرة

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here