islamaumaroc

بمناسبة توأمة مدينتي فاس والقيروان

  دعوة الحق

83 العدد

ألقي صاحب الجلالة الملك المعظم خطابا بمناسبة توأمة مدينتي فاس والقيروان وذلك أثناء حفلة التوأمة التي أقيمت مساء الجمعة 26 أكتوبر 1965 في ثانوية مولاي إدريس بالعاصمة العلمية.
وهذا نص الخطاب الملكي:
الحمد الله
والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه.
فخامة الرئيس
ليس من شك عندنا أنكم شعرتم منذ أن وضعتم قدمكم فوق تراب هذا الوطن حيثما كنت وأينما حللتم بأنكم بين جيرة أحباء وأخوة أشقاء، شعرتم ولاريب منذ ذلك الحين شعور الأليف بين الألاف والمشوق إلى المشتاق والعائد بعد النزوح والغياب إلى المسكن المحبوب والوطن المرغوب وليس من شك عندنا من جهة أخرى أن هذا الشعور اكتسى صبغة خاصة منذ دخلتم مدينة فاس التي تربطها بإحدى مدن بلادكم قرابة وشيجة ورحم ماسة مكينة لقد دخلتم فعلا مدينة فاس فرحبت بمقدمكمأيما ترحيب وابتهجت بركبكم أحسن ما يكون الإبتهاج بالأحباء الذين يصلهم بهم وببلدكم صلات أحكمها الزن البعيد والعهد القريب.
-قلوب مفعمة بذكريات البطولة-
لقد استقبلتكم هذه العاصمة وقلوب سكانها مفعمة بذكريات البطولة والمجد مفعمة بخواطر العز والسؤدد. يذكر سكانها ما كان بين الشعبين الشقيقين عبر العصور والأزمان من ارتباط عريق والتحام وثيق ويفرحون أشد ما يكون الفرح بهذا اللقاء الجديد ويذكرون إلى جانب هذا كله المساعي المتضافرة والجهود المتلاحقة والنضال المرير والطريق العسير الذي سلكناه جميعا وما بالعهد من قدم لبلوغ الأهداف الصعبة المنال فيحيون في شخصكم الأخ الشقيق سليل الأخوة الأشقاء.
- قواعد راسخة أرساها التاريخ المشترك-
فخامة الرئيس –لقد خامرنا في ضيافتكم وضيافة شعبكم الكريم خلال زيارتنا الأخيرة لبلدكم الشعور بأننا بين الأحباب والقرباء وبين شعب تصله بشعبنا أقوى الصلات وأوثق الروابط.فلما حللنا صحبتمن بمدينة القيروان أحسسنا إلى جانب ما كان بين جوانحنا من عواطف إحساسا لم يخالجنا من قبل فرجعت بنا الذاكرة إلى الوراء واستعرضنا صفحات غراء مليئة بالعز والمجد بقيت ماثلة لم تبعث بها يد الدهر ولم تعصف بها الأزمان والعصور وإزداد إيماننا بأن للمغرب العربي أصولا ثابتة وقواعد راسخة أرساها التاريخ المشترك.
-رحم موصولة، ونسب معلوم..-
ولا نرتاب في أنكم يا فخامة الرئيس بعدما حللتم بهذه المدينة شعرتم بمثل ما شعرنا به ونحن في القيروان فأنتم بالإضافة إلى وجودكم بين الجيرة والأحباب والأخوة الكرام في مدينة بينها وبين مدجينة القيروان رحم موصولة ونسب معلوم. ولئن ظفرت مدينة فاس بما ظفرت به من عمران واسع وازدهار شامل فإن من عوامل ذلك ما نالته وهي في ميعة الصبا من شقيقتها القيروان أد لم يمض على تأسيس مدينة فاس إلا زمن قليل حتى وقد عليها عدد كبير من أهل القيروان أكرم الموى إدريس وفادتهم وأسكنهم بالجانب الغربي فعمروا هذا الجانب واختصوا به حتى أطلق عليه المؤرخون إشارة إلى ساكنيه إسم عدوة القيروان الوافدين على هذه القرويين.
تمييزا لها من عدوة الأندلسيين فبرزت من أهل المدينة سيدة فاضلة هي فاطمة بنت محمد بنعبد الله الفهري المعروفة بأم البنين وبنت من مالها الخاص مسجد القرويين الذي ما لبث أن أصبح حوضا من حياض المعرفة وموردا من موارد العلم طبقت شهرته الأفاق وسارت بذكره الركبان وأصبحت بفضله مدينة فاس مركزا ثقافيا وحضريا في العالم فأمه الناس من مختلف الأقطار والأمضار. ولم تنقطع الصلات بين مدينة فاس بعد انتشار عمرانها وبين مدينة القيروان بل بقي الإرتباط بينهما وثيقا على ممر العصور في سائر الميادين ولا سيما ميدان العلم والثقافة هذا علاوة على ما كان بين القطرين الشقيقين التونسي والمغربي بصفة عامة من تبادل وصلات.
-لعلماء القرويين في جميع أنواع المعرفة
جولات موفقة، وصولات ظاهرة...-
فخامة الرئيس. لا يكاد الزائر يصل إلى هذه الحاضرة العظيمة شقيقة القيروان المجيدة سواء كان مواطنا أو أجنبيا حتى تعود به الذاكرة إلى الأطوار التاريخية التي تقبلت فيها والأدوار الكبيرة التي قامت بها طيلة ثلاثة عشر قرنا على مسرح  السياسة والإقتصاد والعلم والثقافة والأدب والفن والحضارة والعمران لا في المغرب الأقصى وحده ولكن في غرب العالم الإسلامي كله. فقد عمت شهرة هذه الحاضرة كل زمن وقوى تأثيرها فيما حولها من أمصار وبلدان. ولقد كان دور جامعة القرويين من بين هذه الأدوار ودور الواسطة من العقد والحوض من الروض إذ أنها خدمت بتفان وإخلاص أنواع المعرفة وفنون الثقافة فما من مجال علم أو ميدان فن طرقه العرب والمسلمون إلا وكان لعلماء القرويين فيه جولات موفقة وصولات ظاهرة وهل يذكر الفقه دون أن يذكر أبو عمران الفاسي والدارس بن إسماعيل وأبو الحسن الصغير أم هل يذكر النحو دون أن يذكر بن أجروم الذي صارت المقدمة المنسوبة إليه عنوانا للنحو وعلما له أم هل يذكر الشعر التاريخ دون أن يذكر إبن أبي زرع والجزنائي والفشتالي أم هل يذكر الشعر والأدب دون أن يذكر الجراوي وابن حبوس وابن الخطيب والمقري وسواهم من الأفذاذ الذين نبتوا في ترابها أو وفدوا عليها من الخارج للكرع من حياضها وكاب لهم المقام.
-تألف مستمر، وتآخي موصول-
فخامة الرئيس إذا كانت عزيمتنا منصرفة اليوم إلى بناء المغرب العربي وإرساء قواعد على أسس متينة وإذا كنا نهتم اليوم بأن يكون هذا البناء منتظما في سائر الميادين الثقافية منها والإقتصادية والإجتماعية- لإن علمنا الذي يتسم بطابع جديد إنما هو عمل يصل بين الماضي والحاضر ويدخل في نطاق ما دأب عليه أسلافنا من قبل ويتمم ما بدأوه ويصل ما انقطع منه بحكم الظروف والملابسات التي منيت بها بلاد المغرب العربي وإذا كان من جميل حظ المسؤولين عن القطرين الشقيقين أن يشرفا على حفلة توأمة بين مدينتين عظيمتين بما أدتاه من رسالة وبانتسابهما إلى رجلين عظيمين عقبة بن نافع الفهري وإدريس بن إدريس بن عبد الله الكامل الحسني كلاهما كان له المكان المحمود والسعي المجيد المبرور في تشييد دعائم الإسلام في الديار المغربية. وإذا كان من جميل حظنا الإشراف على هذا الإحتفال فإن من دواعي مسرتنا وابتهاجنا أن تكون التوأمة بين المدينتين بمناسبة زيارة فخامتكم لهذا البلد الذي هوجزء من وطننا الكبير المغرب العربي. وأنه لما يثلج صدرنا أن تكون زيارتكم لمملكتنا فرصة نغتنمها لتمتين الأواصر الجامعة بين دولتكم ودولتنا وأن يكون لقاؤنا هذا في هذا الحفل الميمون دليلا جديدا يضاف إلى غيره من الأدلة على التآلف المستمر والتآخي الموصول واللقاء الممتد عبر القرون بين الأخوة الأشقاء أسأل الله أن يبارك هذا الحفل ويزيد أسباب التواصل بين المدينتين المتئاخيتين قوة ومثانة ويغدق نعمه عليهما ويكفل لهما وسائل العز المطرد والإزدهار المتصل ويمدها بعونه حتى يؤدي كلتاهما رسالتهما المعهودة ويحفظهما من كل مكروه كما أسأله تعالى أن يسدد خطانا ويوفق جهودنا ويهدينا إلى الصراط المستقيم ويؤيد بنصره المبين كل عمل نتوخى من ورائه الخير لشعوب مغربنا العزيز ولسائر الشعوب العربية والإسلامية إنه ولي التوفيق والتسديد.
والسلام عليكم ورحمة الله

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here