islamaumaroc

هل من المستحيل أن يلتقي الروائي المعاصر مع ألف ليلة وليلة في كل شيء؟ -2- [رد ح.السائح على نقد المؤلف ]

  دعوة الحق

83 العدد

أريد أولا أن أثير انتباه الأخ الأستاذ محمد زنيبر أني لم أخصص مقالا في نقد بحثه القيم عن نجيب محفوظ، فهو يعلم  أني كنت معلقا على عدد بكامله من أعداد مجلة «دعوة الحق» الغراء، وبذلك فلم يكن متوقعا أن أخصص لكل مبحث نقدا كاملا، وهذا ما جعلني وجعل الذين من قبلي ومن بعدي في نقد العدد يختصرون ما وسعهم الاختصار، وليس همهم نقد الموضوعات، ولكن همهم تسجيل تطور العدد من خلال ما يضمه من إنتاج، إذ لا يعقل أن يكون الناقد مستطيعا لنقد مختلف الموضوعات التي يتناولها العدد، على أن من الصعوبة أن أنقد في التعليق على العدد بحثا كبحث الأستاذ زنبير، لأنه متسلسل في أعداد سابقة، مما يريد الأستاذ معه أن أرجع إلى الأعداد الماضية لنقد مبحثه، وكأنه نسي أن نقد العدد كله لا يسمح بالتفرغ لنقد موضوع بعينه، مما كانت نتيجته بكامل الأسف أن يصور الأستاذ زنبير ناقد العدد في صوره حرجة، حيث أصبح حسب تعبيره، كالرجل الذي يقص قصة طويلة على مستمع لا ينتبه إليه حتى إذا انتهى منها التفت إليه الآخر في براءة قائلا: ماذا تحكي؟. كم كنت أرجو أن يسمو النقد عندنا عن هذه الاستفزازات التي لا تخدم الأدب بقدر ما تنمي حاسة الأنانية، وهذا ما أنزه (صادقا) عنه الأستاذ زنيبر، على أن له أن يقص علينا ما شاء أن يقص، ولنا أن نسأله خيرا عما كان يحكي، إذا لم نفهم قصده، أو لم يقم حكايته على أصول فنية، أو أقامها على أصول لا نتفق عليها جميعا.
وتلبية لدعوة الأستاذ زنبير عدت إلى الأعداد السابقة فازددت تأكدا أن الأستاذ زنيبر لم يكن مقتنعا كثيرا في محاولته للمقارنة بين ألف ليلة وليلة وثلاثية نجيب محفوظ.
فكم مرة ابتدأ هذه المقارنة ثم عسر عليه الاسترسال فيها فأمعن من جديد في التعقيب والاستثناء.
فالأستاذ لا يستطيع أن ينكر أن ألف ليلة وليلة تصور حياة الشرق وجو الشرق وإنسان الشرق، فهل يستطيع أن يؤكد أن هذا الإنسان الشرقي هو الذي يعيش في مصر وحدها ولا يتخطى حدود المجتمع المصري إلى المجتمع العراقي والعجمي أحيانا، وهو مجتمع آخر له خصائصه ومميزاته، بل إن السمات التي اعتمدها في الربط بين أبطال ألف ليلة وليلة وأبطال ثلاثية نجيب، هي سمات تتعلى الربط بين هؤلاء إلى الربط بين الرجل البغدادي والفارسي والمصري، أعني أنها سمات قاسم مشترك أعظم بين الإنسان الأسيوي والإفريقي في حياتهم الاجتماعية.
أما عن التقاء نجيب محفوظ بألف ليلة وليلة فقد شعر الأستاذ بمدى الحرج في ذلك فاضطرب أن يخصص جزءا من كلامه ليفرق بين التقليد والالتقاء، وإذا كان مصيبا في تعريفاته فقد عسر عليه أن يجد التقاء بين شخصية أحمد عبد الجواد وشخصية هارون رشيد، إلا في تلك السمات التي يلتقي فيها الإنسان والإنسان تم أين نجد الالتقاء بين التعبير عن الشعور القومي والوطني عند أبطال نجيب محفوظ، والتعبير الوجودي عند أبطال ألف ليلة وليلة؟.. وقد انخدع الأستاذ بموضوع الثلاثية وموضوع ألف ليلة وليلة، فرأي أن قصة ألف ليلة وليلة من الأدب الواقعي، ثم يلبث أن وجد صعوبة في التوفيق بين أصول المذهب الواقعي وموضوعات ألف ليلة وليلة فأخذ في شرح المذهب الواقعي في مبحثه الأول غافلا عن الأصول الحقة لهذا المذهب، ثم عاد إليه ثانيا في مبحثه الخامس مضيفا زيادات لتوضيح هذا المذهب، ولكنه ظل دائما يشعر ببعد ألف ليلة وليلة عن المذهب الواقعي، لأن المذهب الواقعي هو الذي يصور الواقع ويكشف عن أسراره، أي يصور ما في الواقع من شر، وبذلك يعارض المذهب المثالي المتفاعل الذي لا يرمي في مظاهر الخير كالشجاعة والكرم خيرا مع أنها تستبطن الشر، لأن الواقعية ليست تصويرا، بل ليست كشفا ومعرفة فقط حسب الجملة السقراطية التي ذكرها الكاتب، وإنما هي، مذهب تشاؤمي.. نعم أصبحت في بعض المدارس الاشتراكية تعبيرا عن الواقع.
الذهني، فهي إذن ليست المذهب الذي لا يعتمد الخيال، ولا المذهب الذي لا يعتمد الخيال، ولا المذهب الذي يربط موضوعاته بالمشاكل التي يعيشها الناس، وإنما هي مذهب يصور حقيقة الإنسان المرة، وبالرجوع إلى مجموعة (الكوميديا البشرية) لبلزاك تتضح أصول هذا المذهب الأولية التي انفسحت من بعد لتيارات جديدة.
ولست أدري لماذا يلوم الأستاذ زنيبر كاتبنا القصصي لأنه يشمل أبطاله بالعطف ويبرز جانب الخير فيهم أكثر من جانب الشر الذي هو الجانب المخبوء، ملاحظا عدم وجود أي كبير أثر لعاطفة الحقد في روايته، وأنا أعتقد أن لنجيب محفوظ الحرية ليتصرف في إبراز هذه الناحية، وأن هناك مدارس واقعية لا تبالغ في تصوير الواقع، وإنما تتخذ من إمكانياته تعبيرا عن الواقع أيضا، فلا يستبعد أن يكون أبطال ثلاثيته أخيارا حسب اتجاه بعض مدارس الواقعية، ولذلك فألف ليلة وليلة ليس لها من التحليل الدقيق ما يمكن أن توصف به بالواقعية، ليقارن بينها وبين ثلاثية نجيب محفوظ على أصول هذا المذهب، نعم لقد عثر الأستاذ زنيبر على صور متشابهة، فجرته في تصورتها الظاهرية إلى المقارنة، ثم لم يلبث أن اعترف أن هناك خلافا في التحليل، فراح يبحث عن الالتقاء في ثلاثة مواقف تبلغ في عمقها اختيارات ميتافزيقيا وهي الاستلام  للقدر، والإقبال على الملذات، والتشبت بالدين، ثم زاد أخيرا الجو الملئ بالمتناقضات، الذي يتحرك فيه أبطال الروائيتين، ويخيل إلي أنه لا يعسر على أي ناقد أ يجد (الالتقاء) في أكثر من هذا سواء بين نجيب محفوظ أو بين عدد كبير من القصاص في الشرق و الغرب.
ولقد أغرق الأستاذ في نقده لتعليقي عليه في شرح شرقية المجتمع المصري، وتحليل مفهوم المجتمع الشرقي، ولكن الشيء البسيط الذي قلته هو أن المجتمع المصري شيء، والمجتمع العراقي شيء، والمجتمع الفارسي شيء آخر، وأن قصة ألف ليلة وليلة تصور هذه المجتمعات كلها، فعند ما تتكلم قصة ألف ليلة وليلة عن المجتمع الفارسي تصور عالما غريبا له لغته وتقاليده، وعندما تتكلم عن الأرياف والقرى والجنسيات والشياطين، لا يكون معنى ذلك أن هذا مجتمع واحد.. ولاشك أن العالم الاجتماعي يستطيع أن يجد في ألف ليلة وليلة عناصر عن المجتمع المصري والعراقي والعجمي، ولا يستطيع أن يجد ذلك عند الكاتب المصري، لأن حوادث ألف ليلة وليلة تجري في كثير من البلاد العربية وغير العربية بينما حوادث قصص نجيب محفوظ تجري في مصر وحدها.
وأخيرا بالغ الأستاذ في تفسير الجانب التأثيري لثلاثية نجيب الذي ألمعت إليه في كون قصصه تخلق مجتمعا جديدا بطريقة غير مباشرة، لأن تصويرها لواقع المجتمع المصري وعيوبه من شأنه أن يعظ القارئ إلى تلاقي العيوب والبحث عن مجتمع صالح، أما قصة ألف ليلة وليلة فقد كانت لتشغل الشعب عن مأساته كما هو معروف في تاريخ الأدب.
كما أنني عندما قلت أبطالا واقعيين لا يمكن أن يفهم أحد أن الواقعيين هم المعروفون لدى الكاتب ببطاقتهم الشخصية، ولكنهم هم المنتزعون من الواقع الذي تعيشه مصر، فالتاجر أحمد عبد الجواد، مثلا هو نموذج صادق لما آت التجار في مصر، فلماذا يفسر الأستاذ ما قلته بغموض لم أقصده، ثم لما ذا يفهم من كلمة (العواصم) المركز الذي تتكثل فيه المجتمعات حيث يلحق بها الأرياف والقرى وما يحيط بها من جو وبحر.. ألا ترى أن ميوعة التفسير أبعدت الكلمات عن معانيها الحق، وهذا ما لا ينبغي لناقد نزيه كالأستاذ زنيبر أن يسلكه، وبعد، فأِؤكد للأستاذ أني لحد الساعة لست بناقد، وإنما أنا  معلق فقط لأن نقد ما كتبه يتطلب كثيرا، من الزمان والعمق البحث وليس هناك من يشغلني عن التمتع بهذه الفرصة الثمينة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here