islamaumaroc

تطور العقوبة

  دعوة الحق

العددان 81 و82

يصعب على الباحث أن يحدد تاريخ العقوبة، بزمن معلوم ذلك أن فكرة العقوبة مرتبطة بفكرة الجريمة، ولعل من سوء حظ البشرية أن تكون الجريمة الأولى على الأرض مقتل هابيل بيد أخيه قابيل لأن قربانه لم يتقبل، وتقبل قربان أخيه..
على أن المسلم بديهيا أن الجريمة والعقاب مرتبطان ارتباطا وثيقا بالوسط الاجتماعي فإذا زاد شأن هذا الوسط تمدنا وحضارة، كان لمعنى العقوبة وغايتها ما يلاءم التمدن وتلك الحضارة، وعلى هذا الاعتبار لا يعترض أن يكون للمجتمع المتخلف إلا نظمه البدائية.
وانطلاقا من هذا التحديد قسم العلماء الأدوار الاجتماعية الأولى إلى دورين رئيسيين هما الدور الأبوي والدور القبلي، أما الدور الأبوي فهو تلك الفترة الممنعة في القدم، حيث كان الناس يعيشون على شكل أسر قليلة، أخذت تستقر بعض الشيء وتتملك الأرض لمساكن البسيطة وكانت الهيمنة فيه لرب الأسرة الذي يتمتع بسلطة مطلقة تبرز مظاهرها عندما يفصل بين الإخوة إذا ما استحكمت بينهم خصومة أو شجر نزاع ،فيعاقب المسيء على إساءته حسب ما يمليه عليه ضميره وتقتضيه مصلحة الأسرة.
وأما الدور القبلي فهو الذي عقب الدور الأول عندما توسعت الأسرة وأخذت تتشعب إلى بطون وقبائل، وراحت كل قبيلة تكون تقاليدها وعاداته، وتنظر بعين الحذر واليقظة إلى القبائل المجاورة لها، بمعنى أنه كان على شيخ القبيلة أن يتجه إلى تأمين السلامة الخارجية بالإضافة إلى حل النزاعات الطارئة بين الأسر والأفراد داخل قبيلته.
في هذا الدور لم تكن فكرة العقوبة واضحة كل الوضوح لأن الجريمة لا تزال بدون مفهوم يحددها، فكان كل ما يشوش المجتمع، أمر محظور ومعاقب عليه، ومتى عرفنا أن الكتابة لم تكن معروفة مثلا في هذا الدور أدركنا أنه لا يمكن أن تقع العقوبة على مزور، ومن مميزات هذا الدور أنه لم تطبق عقوبة السجن أو الغرامة، لأن القبيلة تريد عقابا فوريا يشفي غليلها ولا يهمها في قليل أو كثير أن يحجز حرية المجرم أو أن يغرم بالمال.
وسنستعرض ثلاثة أنواع من العقوبات التي تتالت في هذه المرحلة السوداء وفاقا لما أجملها العام الجزائري الدكتور عبد الوهاب حدمر في كتابه الحقوق الجزائري :
أولا الثأر : كان الثأر مظهرا اجتماعيا من مظاهر تضامن أفراد القبيلة، فإذا ما ارتكبت جريمة قتل تكون قبيلة القتيل قد أصيبت بفقد عضو من أعضائها بالإضافة إلى ما يخلفه هذا القتل من ضرر معنوي واجتماعي يتعلق بسمعة القبيلة وكرامتها ويؤثر على قوتها وسلطانها، فلذلك كانت تهب جاهدة للاقتصاص من القاتل، وكان كل فرد من أفرادها مسؤول على إنزال القصاص بالمجرم المعتدي.
وقد عرفت الأمم القديمة كلها هذا النوع من العقوبة الجماعية، وكان العرب في طليعتهم، وتاريخهم من هذه الناحية مليء بالأخبار والوقائع المؤسفة نسوق منه بعض الأمثلة لتوضيح فكرة عقوبة الثأر وأثرها في حياتهم وأدبهم وواقعهم.
كان العرب في الجاهلية يعتقدون أن ما من قتيل يقتل إلا ويخرج من رأسه طير يسمونه "هامة".
فإن لم يأخذ بثأره نادت الهامة ف يقبره : "اسقوني فإني صدية" والهامة هذه في نظرهم لا تشرب إلا من دم القاتل أو ذويه وكثيرا ما تردد اسمها في الشعر الجاهلي، قال أبو داود الابادي :

سلطوا الموت والمنون عليهم      فلهم في صدى المقابر هـــام 
 
 وقال مفلس النقعسي :
وأن أخاكم قد علمت مكانـــه       بسفح تسقى عليه الأعاصـــر
له هامة تدعو إذا الليل جنهـا      بني عامر هلى الهلالي ثائر ؟

 وقال ذو الاصبع العدواني :
ياعمرو وإن لم تدع شتمي ومنقصتي      أضربك حتى تقول الهامة اسقوني 
 

وكان من عادتهم أنهم يحرمون على أنفسهم النساء والدهن والغزل والقمار حتى يدركوا ثأرهم كما أنهم كانوا يعقرون الخيل ويكسرون الرماح وقد نهاهم مهلهل عن ذلك شر مذهب، أتعقرون خيولكم، وتكسرون رماحكم حتى انتثرتم إليها، وهو القائل :

كأني إذا نعى الناعي كليبـــــــــا      تطابر بين جنبــي الشــــرار
أقول لتغلب والعز فيهـــــــــــــا      أثيرها لذلكــم انتصــــــــــار
خذ العهد الأكيد علي عمــــــري      بتركي كــل ما حوت الديـار
وهجري الغانيات وشرب كأسي      ولبسي جبــة لا تستعــــــــار
ولست بخالع درعي وسيفــــــي       إلى أن يخلع الليــل النهـــار
وإلا تبيد ســــــــــــراة بكــــــــر      إلى أن يخلــع الليل النهـــار

وكان من عادة النساء إلا يبكين المقتول إلا أن يدرك تأثره فإذا أدرك بثأر بكينه، وكأن أهل القتيل يبحون عن القاتل ليعاقبون ولكنهم ما كانوا ليكتفوا بدمه إذا لم يكن كفؤا فإذا كان القتيل من قبيلة رفيعة والقاتل من قبيلة وضيعة طلب أهل المقتول دم حر عن دم عبد، ودم رجل عن دم امرأة ودم حرين عن دم حر ودم رجل عن دم امرأة ودم حرين عن دم حر واحد وطلبوا في الجراح عضوين أو أثر بعضو.
ويحدثنا الرواة أن بعض أفراد قبيلة "غنى" قتلوا شاسا بن زهير بن جذيمة قار إليه أبوه في جمع غفير من أحلافه فأرسلوا غليه يقولون : سل في شاس فقال أريد إحدى ثلاث لا يغنيني غيرها :
تحيون لي شاسا أو تملأون ردائي من نجوم السماء أو تدفعون غنيا بأسرها إلي، فأقتلها ثم لا أرى أني أخذت عنه عوضا.
وهكذا كانت النتيجة الحتمية للثأر أن اتسع نطاقه وتسبب في حروب طاحنة بين القبائل مما دعا العقلاء إلى التفكير في أسلوب عقابي يخفف من تزايده، فكان على ر الأيام أن ابتدع النوع الثاني من المعاقبة وهو القصاص، فما هو القصاص ؟
ثانيا القصاص : هو قانون العين بالعين، ومعناه أن يرضى أهل القاتل بتسليم هذا الأخير إلى أهل المقتول ليزهقوا روحه حقنا للدماء، إنه تدبير يبدو للوهلة الأولى قاسيا ولكنه إذا قيس بعقوبة الثأر الجماعية التي كانت تطيح بكيان أكثر من قبيلة في بعض الأحيان يتبين أنه خطوة تطويرية عظيمة نحو حصر العقوبة بشخص الجاني واعتبار الجريمة موضوعية، لا يجاوز إطارها أهل القاتل وأهل المقتول، وقد سادت هذه العقوبة في بدء نشأة الدولة الرومانية وعرفها تشريع حمورابي، ونصت عليها التوراة في سفر الخروج حيث تقرأ :
فمن ضرب إنسانا فمات، يقتل قتلا، ولكن الذي لم يتعمد بل أوقع الله في يده فانا اجعل لك مكانا يهرب إليه، وإذا بغى إنسان على صاحبه ليقتله بغدر فمن عند مذبحي تأخذه للموت.. وإذا حصلت أذية تعطي نفسا بنسف وعينا بعين وسنا بسن ويدا بيد وكيا بكي وجرحا بجرح ورضا برض.
وقد عرفته الجاهلية كذلك في أيامها الأخيرة، ومن أقوال العرب السائرة في هذا المجال : القتل أنفى للقتل.
وهكذا استمرت عقوبة القصاص تهيئ لعقوبة جديدة، تبدو أكثر رقيا وأخف وطئا، فكان أن ابتدعت عقوبة "الدية" وهي ثمن الدم من نقد أو عين.. "وإن نظام الدية هذا بدعة رائعة من بدع الذكاء البشري ومظهر نبيل من مظاهر الليونة والرحمة اللتين تسللتا إلى التقاليد القديمة وذلك بتأثير تطور العواطف القاسية الذي يغض القتال على النفوس، ودفع من يثق بهم المتخاصمين إلى التدخل قبل استفحال الشر، إذ أن الدولة حتى في المجال التي وجدت فيها كانت عاجزة عن فرض أوامرها ولك تكن ولم تكن مهمة هؤلاء الساعين في الصلح هينة لأنهم كانوا يصطدمون بمطالب أهل المقتول غير المعقولة ويتردد القاتل وأهله في دفع التعويض، ولذلك كانوا مضطرين إلى استخدام دهائهم في إقناع الطرفين والاستشهاد بما تم في الماضي وبظروف مماثلة لوصول إلى نتيجة مرضية، ومعنى هذا أن قضية الديات كانت أشبه ما تكون بعقد تجاري.."
وقد كانت للدية تعرفة تدنو وترتفع بحسب أهمية المقتول ومكانته وقد اصطلحت قبيلة قريش على اعتبار الدية العادية توازي مائة بعير من الإبل، ودية الأمراء ألفا، ومن غريب تقاليدهم ما كانوا يسمونه سهم الاعتذار، وقد كانوا يلجأون إلى هذا الأسلوب حين تثبت إدانة مجرم ويريد الطرفان ضمنا إنقاذه لمكانته المحترمة عندهما فيضربون سهما في كبد السماء فإذا رجع ملطخا بالدم فلا يرتضون إلا قتله، وإن رجع السهم كما ضربوه، مسحوا لحاهم إشارة إلى أنهم قد تصالحوا على الدية وإلى هذا يشير الشاعر :

عقوا بسهم ثم قالوا صالحوا       يا ليتني في القوم إذ مسحوا اللحى

وفي الوقت الذي كانت تطبق فيه عقوبة الدية على أنقاض نظام عقوبتي الثأر والقصاص كان الفكر البشري يواصل تقدمه وبدأت فكرة الدولة بمعناها الاجتماعي تبرز إلى حيز الوجود عقوباتها تمشيا مع تقدميتها، وهذا ما سيأتي الكلام عليه في موضوع لاحق إن شاء الله.


من أقولهم في الحضارة الغربية
* قرر كيندي في تصريخه الخطير سنة 1962 أن مستقبل أمريكا في خطر، ولأن شبابها مائع منحل غارق في الشهوات، لا يقدر المسؤولية الملقاة على عاتقه، وأنه من بين كل سبعة شبان يتقدمون للتجنيد يوجد ستة غير صالحين! لأن الشهوات التي غرقوا فيها أفسدت لياقتهم الطبية والنفسية!!.
 *وصرح خروشوف سنة 1962 – كما صرح كيندي – بأن مستقبل روسيا في خطر! وأن شباب روسيا ى يؤتمن على مستقبلها، لأنه مائع منحل غارق في الشهوات!.
 *ويتحدث الدكتور الكسيس كاريل في كتابه "الإنسان المجهول" عن عيوب الحضارة الغربية ونقائصها فيقول : "يبدو أن الحضارة العصرية عاجزة عن إنجاز قوم موهوبين من ناحية الخيال والذكاء والشجاعة. ففي كل بلد يوجد تناقص في المستوى العقلي والأدبي لأولئك المسؤولين عن الشؤون العامة" ص 37.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here