islamaumaroc

نجيب محفوظ أو الكاتب العربي الذي يكتب عن مجتمعه-6-

  دعوة الحق

العددان 81 و82

في الثلاثية دراسة تحليلية ونقدية للشبيهة المصرية فيما بين الحربين. فهي تقدم لنا صورة عن عزلة المثقف وانجداره كما رأينا ذلك في شخص كمال. وهي تحاول أن تشخص لنا الأزمة، وإن شئت فقل المأساة، التي يعيشها المثقف في البلاد المتخلفة، نتيجة للتفاوت الفكري إلي يفصل بينه وبين مجتمعه. لكني أعتقد أن نجيب محفوظ لا يوقف طموحه عند تحليل الواقع الاجتماعي، بل إنه يسعى من خلال الأحداث ليصل بنا إلى فلسفة نفهم بها الحياة والوجود والمصير الإنساني. فهو يتجاوز العرضيات والظرفيات ليبلغنا فكرته بأسلوب فني طبعا. وهنا كذلك نجد شخصية كمال في تمزقها واستسلامها تجسم لنا صورا من هذه المشاكل الفلسفية.
وكمال إنما هو صورة مختارة ومفضلة ركز فيها المؤلف قسطا كبيرا من اهتمامه، وجعل منها في ءادان واحد بطلا وشاهدا وسط أحداث الرواية. ولكن الشبان الآخرين الذي وصفهم نجيب في روايته يمثلون بصورة أو بأخرى الشباب المصري. وهنالك جيل كما والجيل الذي يليه. وقد استطاع المؤلف أن يبين لنا بدقة ومهارة فنية الفرق بين الجيلين، وأن يطلعنا في نفس الوقت على التطور الذي حدث في المجتمع المصري.
فالجيل الأول يمثل مصر في المرحلة الأولى من استقلالها لقد اعترف الإنجليز باستقلال مصر في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وتجسم الكفاح الوطني في الوفد وزعيمه سعد زغلول وغدا الشعب المصري يغذي بهذه المكاسب الأولية ويعتقد بكل براءة أن الاستقلال سيحل كل المشاكل المستعصية ويفتح كل الأبواب  المغلقة، ويرى مصيره وسط هالة من الأحلام الرومانطيقية ويظن أن أساس التقدم هو في الأخذ بأساليب أوربا وسائلها. ولم يكن واعيا بالمشكلة الاجتماعية وتعقيداتها، ولا بخطورة المسألة الديمغرافية التي تتشعب سنة إثر سنة. وإذا ما وقع الشعور بذلك مرة، فإن الجميع يكل معالجة الأمر إلى الأقدار.
وكان الشباب المثقف هو أيضا في غمرة هذا التفاؤل العام يعيش بأفكار رومانطيقية. وبما أنه في أغلب الأحوال ينتمي إلى هذه الطبقة المحظوظة التي ستضطلع بالمسؤولية في البلاد وستكون أول من يستفيد من الاستقلال، فإنه لا يرى في الحياة إلا مشاكل شخصية، فردية، وذلك ما جعله يعيش على هامش المجتمع أو بالأحرى فوق المجتمع. فهؤلاء الشبان الذين يجتمع بهم كمال في بيت حسين شداد الأرستوقراطي، هل يعنيهم  من كل ما يحيط بهم إلا مستقبلهم ومصيرهم وسط هذه الجماهير المتطلعة ؟
وتتمثل أرستوقراطية هؤلاء الشباب أكثر ما تتمثل في أسلوب الحياة والتفكير الذي أخذوه عن أوربا، وفي تأففهم من العادات والتقاليد الشرقية.
فهم باسم العلم والرقي، يديرون وجههم شطر أوربا ناقمين في الغالب على كل ما هو شرقي، بدون تمييز ولا تمحيص.
ولا أدل على ذلك من المشهد الذي نرى فيه كما وحسين شداد وأخته عايدة يخرجون لقضاء يوم نزهة في الأهرام. وفي أثناء هذه الرحلة يسخر من حسين شداد من مصر فيقول :
"وطن أجل مخلفاته قبور وجثث !" وهو يشير صوب الأهرام".. انظر إلى الجهد الضائع.
قال كمال بحماس
- ذلك الخلود !
- أوه !! سوف تنشط كعادتك للدفاع. أنت وطني لحد المرض. نحن نختلف في هذا. ربما كان أحب إلي أن أكون في فرنسا من أن أكون في مصر..
فقال كمال وهو يواري ألمه تحت ابتساة رقيقة :
- ستجد هناك الفرنسيين أعظم أمم الأرض وطنية !
- نعم الوطنية مرض عالمي، لكني أحب فرنسا نفسها، أحب في الفرنسيين مزايا لا تمت إلى الوطنية بسبب".
هذا جانب من المشهد يبين لنا الشعور المنحرف الذي يساور الشبان المثقفين إزاء بلادهم. وعندما أخذ حسين ينتقد أسرته لكونها تتعلق بالكبراء وتتودد إليهم قال كمال لحسين :
"إذا كان هذا رأيك، فكيف تحتقر سعد لأنه كان أزهريا ؟ فضحك حسين ضحكته الصافية وهو يقول :
- إني أكره التودد إلى الكبراء، ولكن لا يعني هذا أن احترام العامة! إني أحب الجمال وأزدري القبح. ومن المؤسف أن الجمال قل أن يوجد في العامة..!
ولكن عايدة تدخلت في الحديث قائلة بصوت معتدل.
- ماذا تعني بالتودد إلى لكبراء ؟ إنه سلوك يعاب على من ليس منهم، ولكن أظننا من الكبراء أيضا، وليس توددنا إليهم دون توددهم إلينا".
وعندما ذهبوا يتجولون "التقوا في طريقهم بجماعات من الطلبة الأوربيين نساء ورجالا، فقال حسين مخاطبا عايدة، ولعله أراد أن يسترضيها بطريق غير مباشر.
- إن الأوربيات يتفرسن في فستانك باهتمام، مبسوطة ؟
فافتر ثغرها عن ابتسامة عجب وارتياح، وقالت بلهجة تنم عن ثقة مكينة بالنفس وهي ترفع رأسها في كبرياء لطيف :
- طبيعي.
فضحك حسين وابتسم كمال ثم قال الأول يخاطب الآخر :
- عايدة تعد مرجعا للذوق الباريسي في حينا جميعا..
ثم انظر بعد ذلك إلى هذه الفقرة التي يصف فيها العادات الجديدة في الأكل :
"بسط كمال جريدة كانت في حقيبته وطرح عليها الطعام الذي جاء به، دجاجتين وبطاطس وجبنا وموزا وبرتقالا، ثم تابع يدي حسين وهو يستخرج من السلة طعام "الملائكة"، فإذا به سندويتشات أنيقة وأكواب أربع وترموث.. ومع أن طعامه كان أدسم، فإنه بدأ في ناظريه على الأقل، عاطلا عن حلية الأناقة فساوره قلق وحياء. وتساءل حسين وهو يرمق الدجاجتين بنظره ترحاب عما إذا كان صاحبه قد أحضر أدوات مائدة ، فأخرج كمال من الحقيبة سكاكين وشوكا وشرع يقطع الدجاجتين شرائح. وهنا نزعت عايدة سداد الترموث وراحت تملأ الأكواب الأربع، فإذا بها تملئ بسائل أصفر كالذهب، فلم يملك كمال أن يسأل داهشا :
ما هذا ؟
فضحكت عايدة ولم تجب، أما حسين فقال ببساطة وهو يغمز أخته بعينه :
- بيرة !
- بيرة !
هتف كمال كالخائف، فقال حسين وهو يشير إلى السندوتشات :
- ولحم خنزير
- أنت تعبث بي! لا أصدق هذا..
- بل صدق وكل، يالك من جحود، جئناك بأنفس ما يؤكل وألذ من يشرب.
أفصحت عينا كمل عن دهش وانزعاج، وانعقد لسانه فلم يدر ماذا يقول. وكان أشد ما يزعجه أن هذا الطعام والشراب جهز في البيت، وبالتالي عن علم أهله ورضاهم".
هذه لقطات مختلفة تبين إلى أي حد ابتعد أبناء الأرسطوقراطية عن مجتمعهم في العقلية والعادات والتفكير. في حين أن كمال الذي ينتمي للطبقة يظل مصريا صميما يتقيد بعادات قومه وبتقاليدهم ويندهش من هاته الانحرافات. ولولا حبه لعايدة لأعرب عن سخطه في غير التواء.
وهنالك صور أخرى لهؤلاء الشبان الأرستوقراطيين الذين يعاشرهم كمال. فهذا حسن سليم، المتشبع بأروستوقراطيته. إن برنامجه في الحياة واضح. فهو يدرس الحقوق لينخرط في السلك الدبلوماسي ويتزوج ن عايدة ويعيش في مستوى رفيع، لا يهمه بعد هذا أي الشيء.
وهذا حسين شداد، لشاب المدلل الذي عاش مع أبويه طورا في باريس وطورا في مصر في أتم نعمة، يفضل أن يفر من كل مسؤولية في الحياة ويقول لأصدقائه :
"لن أكون مضاربا في البورصة كأبي، لأني  أطيق حياة العمل المتواصل جوهرها، والعال غايتها. ولن أكون موظفا ، لأن الوظيفة عبودية في سبيل الرزق، ورزقي موفور، أريد أن أحيا في الدنيا سائحا، أقرأ وأسمع وأفكر، وأنتقل من جبل إلى سهل ومن سهل إلى جبل".
أما إسماعيل لطيف فهو لا يؤمن بأي شيء لا بالمبادئ، ولا بالتقاليد ولا بالقيم ويرى الحياة نهيا مشاعا للجميع يأخذ كل واحد منها حسب مهارته وشطارته ويقول لكمال :
"الواجب أن لا يكون للحياة معنى.. حسبي أن أعيش الحياة التي لا تحتاج إلى تعريف. غير أن هذا الذي أتبعه بالفطرة لا تبلغه أنت إلا بالكفاح المرير، أستغفر الله، بل أنت لم تبلغه بعد. فلا زلت حتى بعد إلحادك تؤمن بالحقيقة والخير والجمال وتريد أن تكرس لها حياتك. أليس هذا ما يدعو إليه الدين ؟ فكيف تكفر بالأصل وتؤمن بالفرع ؟".
وهكذا كان هذا الجيل الأول للشبان جيلا مدللا يعيش لنفسه لا لأحلامه، لا يحمل أي وعي اجتماعي، بل يقطع كل رابطة تربطه بالواقع. إلا أن الثلاثية تقدم لنا في النهاية مأساة هؤلاء الشبان الذين بنوا حياتهم منذ الأول على أسس واهية. فكلهم بعد أن عركوا الحياة وعركتهم وذاقوا حلوها ومرها لم يعودوا من ذلك وقد كبروا في أعين الناس وفي أعين أنفسهم، وجنوا حنكة واسعة وعقلا راجحا وعزيمة راسخة. بل نهم يفتضحون مع مر الأيام، وتتبدى شخصيتهم في ثوبها الحقيقي : في قماءتها، وهزالها وانهيارها المعنوي، وتنكشف أرستوقراطيتهم عارية من كل معاني السمو والنبل. فهذا حسن سليم الديبلوماسي الذي كان يتقاطر عجبا بأسرته ونسبه تضبطه زوجته في موقف غير مشرف مع موظفة بسفارة أجنبية فتفترق منه وتطلقه. وهذا حسين شداد يغيب في فرنسا زمنا طويلا ويتزوج هناك ويكاد ينسى بلاده. ثم يعود إلى مصر فيجد أسرته قد تعثر بها الحظ ونزلت إلى هوة الإفلاس، فيفقد كل الأسباب التي كان يعتد بها ليعيش وفق هواه ومشيئته، ويقبل أن يكون موظفا في مراقبة الصحف بعد أن كان يحلم بحياة الفراشة التي تنتقل بين الزهور والأعشاب. وهذا إسماعيل لطيف، الذي كان يفيض حيوية ونشاطا ويملأ الدنيا بنكاته، وسخريته وانتقاداته، نراه في النهاية يستسلم لروتين الحياة الزوجية، ويصبح رجلا عاديا لا يفكر إلا في المصالح العاجلة لأسرته.
جيل يعيش بدون مثال ولا هدف ولا فكرة تجعله يرتفع فوق وضعه الرخيص المبتذل، وينغمر في هذا المجتمع الذي نبع منه ليمثل خير ما فيه ويكون في طليعته. كما صورة نجيب محفوظ.
لكن الجيل الثاني ما يتراءى للوجود حتى يكون الواقع الاجتماعي قد تطور، والتجربة الجماعية قد اختمرت، فالشعارات التي كانت تردد في بداية الاستقلال وتطرب القلوب وتشمل النفوس، في عهد سعد زغلول، فقدت رنينها. وحل محل التفاؤل الرمانطيقي شعور عميق وقار بالمشاكل الحقيقية التي يعانيها المجتمع. والصراع من أجل الحياة، ومن اجل الخبز اليومي يحتل أول مكان، ويحتد يوما بعد يوم. والمثقفون أنفسهم الذين أخذ عددهم يتكاثر مع مر السنين يفقدون شيئا فشيئا الشهور بأنهم أقلية محظوظة تواجه مستقبلا باسما مضمونا لقد عاشوا زمنا وسط الأماني والأحلام، واليوم وقد تبخرت أوهامهم، عادوا يلحظون بعينهم تزعزع وضعيتهم، وغدا يقينهم يتزايد بأن ما يجري في المجتمع يهمهم أكثر من غيرهم.
وفي هذا المجتمع الذي توضحت فيه كل المشاكل وتمايزت القوات المتصارعة، وانتشر الوعي وقوى الانتباه، أصبحت كل حركة وكل إشارة تبدر من الفرد تأخذ معناها الخاص. ولم يعد في مستطاع الفرد أن ينزوي أو أن يتهرب. لذلك، فإن نجيب محفوظ عندما تعرض لوصف هذا الوضع الجديد أزاح لنا الستار عن نماذج مختلفة لشباب هذا الجيل لم يكن لنا بها عهد من قبل.
فهناك نموذج الانتهازي الذي يمثل رضوان ابن ياسين، الذي تمكن، بفضل جماله وأناقته وحسن هندامه من التعرف إلى إحدى الشخصيات الكبيرة في الوفد والحصول على رعايته وعطفه. الشيء  الذي مهد له الطريق لارتقاء المناصب العالية والاستماع النفوذ.
وهناك نموذج الشاب الملتزم. ويتمثل لنا في موقف الأخوين عبد المنعم وأحمد شوكت. فالأول انخرط في جماعة الإخوان المسلمين، وصار يدعو لأفكارهم في البيت وفي الشارع وفي كل مكان، بينما الثاني اعتنق الأفكار الشيوعية، وأصبح ينادي بها، ويصطدم من جرائها، تارة مع أخيه، وطورا مع أسرته. وقد تعرض الاثنان في النهاية للاعتقال والسجن من اجل مواقفهما.
هذا الجيل الجديد بنماذجه المختلفة واتجاهاته المتناقضة يشعرك قويا بأن العالم القديم في مصر دخل إلى طور الانهيار وأن عالمنا جديدا بدا يحل محله. وهو عالم لم يعد فيه الإنسان يتهم الأقدار إن أصابه بؤس أو مسه ضر. بل صار ينحى باللائمة على الوضع الاجتماعي ويؤمن بأن المجتمع لا بد من إصلاحه حتى يمكن لكل عضو من أعضائه أن يعيش دون حرمان ولا ألم و لا يأس. عالم يؤمن بالإنسان وبمصير الإنسان.
وعند ختام الرواية تتبلور أمامك هاتان الصورتان : صورة العالم القديم الذي لا زال يهمهم ويضمنهم ويحاول أن يثبت وجوده في جهد قوي وحركة مضعفة لأنه يشعر بدنو ساعته الأخيرة، وصورة العالم الجديد متمثلة في هذا النفر القليل من الشباب الذين يهمون بكلمات جديدة، فتتحول تلك الكلمات إلى طاقات هائلة، تجمعت فيها قوة الآمال المكبوتة، والعزائم المتطلعة، والإرادات الساهرة.

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here