islamaumaroc

الدراسات الأدبية والفكر العلمي

  دعوة الحق

العددان 81 و82

مما لا إشكال فيه أن الدراسات الأدبية والمؤلفات المتعلق بتاريخ الأدب من عيوب ومثالب رغم ما فيها من حسنات ومناقب، ففي الدراسات الأدبية تحديد الاتجاه وعاقل الفكر الإنساني وتضيق الآفاق وتشديد الخناق على الذين يريدون الرجوع إلى الموارد الأصلية، والمنابع الأولى للتراث الفكري الإنساني. وما هذه المناهل الأصلية الصافية إلا المؤلفات التي وضعها أصحابها والتي يجد فيها القراء لذة خاصة ومتعة شخصية، لا يمكن التمتع بها من خلال الدراسات من الجودة والبراعة والإتقان، ومن هنا تتجلى لنا فعالية الرجوع إلى المؤلفات الأصلية التي نقف فيها متجردين من كل ضغط أمام فكر مجرد، وراء ذاتية، وأفكار شخصية، تمكن نفسها منا لحكم غليها بما نشاء، ونقضي في شأنها بما بريد.
وقد انتبه عدد من النقاد والمربين إلى هذه الناحية فخصصوا لها دراسات ممتعة، ووقفوا فيها وقفات صادقة، استخلصوا منها أحكاما قويمة، ونظريات سديدة.
وقد سبق لنا أن تعرضنا في مقالين سابقين إلى نظرتي "رينان" مؤلف كتاب "مستقبل العلم" والناقد (لانسون) صاحب كتاب (تاريخ الأدب الفرنسي) فقد كان رينان يدعو إلى الاكتفاء بالدراسات الأدبية والكتب المتعلقة بتاريخ الأدب والاستغناء عن المؤلفات الأصلية بينما كان "لانسون" الذي وضع كتبا رفيعة في النقد يدعو إلى الرجوع إلى هذه المؤلفات التي تتكلم عنها، ويريد أن يعتبر كلامه عنها حافزا للوقوف عليها وقد التبس الأمر في هذا الميدان، على أخينا الأستاذ أحمد زياد الذي كلف من طرف رئاسة تحرير مجلة "دعوة الحق" بنقد العدد الثاني من السنة الثامنة من عمر هذه المجلة الذي نرجو، خالصين وصادقين، أن يكون عمرا مديدا حافلا بجلائل الأعمال والخيرات لصالح العلم والمعرفة في هذه البلاد ولخدمة الثقافة والعلم في هذه الربوع، فظن أني خلطت بين الدراسات الأدبية والتأليف الأدبي واستشهد على ذلك بالأمثلة التي أوردتها في القسم الثاني من مقالي "حول الدراسات الأدبية وأهميتها".
فقد ورد في ركن "العدد الماضي في الميزان" المنشور بالعدد الثالث من هذه السنة ما يلي :
"... ويتراءى لي أن الصديق الكريم قيد خلط في مقاله فيما بين الدراسات الأدبية والتأليف الأدبي، ذلك لأن التأليف هو غير الدراسة، ولأن جمع الإنتاج هو غير تحليله تحليلا مستفيضا وعميقا، ويبدو هذا الخلط من الأمثلة التي ساقها الأستاذ خالص على أنها تدخل في باب الدراسات الأدبية، بينما هي في الواقع ينبغي أن تنضوي تحت باب التأليف.
وإني غير متفق مع حضرة الكاتب فيما ذهب إليه من أن دور الدراسات الأدبية قد "ينحصر في أحياء فضول الاطلاع في نفوسنا ودعوتنا إلى الرجوع إلى هذه المآثر الخالدة".
ذلك لأن مثل هذه الدعوة يمكن القيام بها عن طريق الدراسات المركزة والمفصلة التي تمارس في نطاق الأسلوب العلمي(1)،الذي يحلل ويعلل ويستنتج ويضع المآثر في الغربال."
وأود في هذا القسم الثالث والأخير أن أتفق مع أستاذنا وأخينا الكريم أحمد زياد على أن الدراسات الأدبية هي غير التأليف الأدبي بل أؤكد للناقد الفاضل بأن هذه الحقيقة من البديهيات التي قام بها الشاهد والدليل واتضح فيها المنهج والسبيل ولكن الأمر الذي أريد أن أناقش فيه جنابه هو تعرضه للأمثلة التي أوردتها، فكتاب "لانسون" الذي ضربت به المثل لا يمت إلى التأليف الأدبي في شيء، ذلك أن هذا الكتاب رغم اسم "تاريخ الأدب" الذي يحمله، هو عبارة عن دراسات جميلة وعميقة للأدب الفرنسي، وهو بعيد كل البعد عن كتب تاريخ الأدب المعروفة عندنا في اللغة العربية والتي لا تصلح إلا للطلبة والتلاميذ الذين يدرسون في الأقسام الأدبية، وأهم هذا أن هذا الكتاب الذي أشرت إليه هو غير المؤلفات التي وضعها لانسون في آخر حياته بتعاون مع بعض الأساتذة والمفتشين الفرنسيين قصد مساعدة تلاميذ الأقسام النهائية من التعليم الثانوي وطلبة الأقسام التحضيرية من التعليم العالي على الوقوف على روائع الأدب الفرنسي وتفهم معانيها الغربية والتعمق في دراسة أسلوبها.
إن الكتاب الذي أخذته مرجعا في مقالي مؤلف ضخم يقع في أزيد من 1.500 صفحة من الورق الصقيل الرقيق ويعد أول ما أنتجه "لانسون" في ميدان الدراسات الأدبية التي يمكن، بلا تردد، اعتبارها من "الدراسات المركزة التي تمارس في نطاق الأسلوب العلمي الذي يحلل ويعلل ويستنتج ويضع المآثر في الغربال كما كتب الأستاذ عندما أراد أن يعرفنا بالدراسات الأدبية.
ولو لم تكن هذه الدراسات تدخل في نطاق الأسلوب العلمي العزيز على الأخ زياد لما كان لي أن أقارنها بكتاب ألف في منهج العلوم ووضعه عالم ناقد لا يتطرق الريب إلى تضلعه في ميداني العلم والنقد، وما هذا الكتاب إلا كتاب "مستقبل العلم" الذي ألفه العالم الفرنسي رينان.
أما التأليف الأدبي فهو دون الدراسات كما لا يخفى لأنه لا يزيد على "جمع الإنتاج" وإخراجه في حلة تستهوي القلوب وتجلب الأبصار،ولا يحمل من الدراسات إلا ألوانا من التقديم يستعملها أصحاب هذا النوع من التأليف للتعريف بالأدباء والكتاب الذين تطوعوا لجمع إنتاجهم ونسره على العلوم. ومما لا إشكال فيه أن هذا النوع من التأليف لا يغني الراغبين في الاطلاع على المؤلفات الأصلية كما أن الدراسات الأدبية لا يمكن أن تقوم مقام قراءة الروائع الأدبية ولكن هذه الدراسات تدفع بنا إلى الاطلاع وتدعونا إلى الرجوع إلى هذه المآثر الفنية بنفسها عن نفسها.
وكل من تروي وتدبر فيما قلناه منذ شرعنا في كتابة هذه السلسلة من المقالات إلا ويدرك أن القصد منها هو مناقشة أصحاب المدرستين والمناصرين لهما بفكر أدبي متجرد وقلب مفعم بحب الاطلاع على الآداب الإنسانية وهيام باستبطان دخائلها وسبر أغوارها واستكشاف أسرارها ومعانيها الخفية.
فنحن لنا في أول وهلة أن نظرية رينان التي تدعو إلى الاكتفاء بالدراسات الأدبية وعدم الرجوع إلى المؤلفات الأصلية تتعارض مع نظرية لانسون التي ترى في كتب تاريخ الأدب وسيلة ودعوة لمطالعة الروائع التي أنتجها الفكر البشري، ولكن الواقع عير ذلك. فقد كان لانسون يريد أن يوجه قراءة كتابة في قراءتهم ويدفع بهم إلى المطالعة والدراسة ولم يكن يرمي إلى قطع دابر أي اتصال شخصي بين قرائه وإنتاج الكتاب الذين يتناولهم بالدرس والشرخ والتعليق في كتابه (تاريخ الأدب).
ومن الطبيعي أن يؤدي كل توجيه إلى اختيار أولا وحذف ثاني فنحن عندما نقف على عصر من العصور الأدبية نجد أن هذا العصر يزجر بعشرات الكتاب والشعراء كما نجده يتوفر على إنتاج ضخم جميل لا يمكن أن نلم به كله بل كل ما نستطيع أن نقوم به هو الاهتمام بأكبر قادة الفكر في هذا العصر أو ذاك والوقوف على بعض مؤلفاتهم المهمة التي كان لها الباع الطويل في تطوير التفكير في هذا العصور والتي ترجع(2) إليها أهم الميزات التي طبعت ذلك العهد الأدبي وجعلت له طابعا ذاتيا امتاز بع عن غيره.
وبإزاء هذه المؤلفات الجليلة التي احتلت الدرجة الأولى في عصر صدورها وبإزاء هؤلاء الكتاب والشعراء الذين طبعوا هذا العصر وخلدوه نجد طائفة هامة أخرى من الأدباء والمؤلفين والمثقفين ومجموعة  جليلة من الكتب والمؤلفات لا تقل قيمة ولا مستوى عن الأولى كما أن أصحابها لا يقلون أهمية عن المؤلفين الأولين البارزين ولكن هؤلاء المؤلفين وهاته المؤلفات لم يكن لها نفس الدور الذي لعبه أصحاب الطبقة الأولى ولم يكن لذويها وأربابها تأثير ملموس في ذلك العصر الذي طغت في الطبقة الأولى والذي اتسمت ملامحه أكثر ما يمكن بأفكار عدد ممتاز من المفكرين وأرباب القلم المنتسبين لهذه الطبقة.
والحقيقة التي لا مراء فيها أن لانسون الذي كان أستاذ الأدب والتعليم الثانوي والجامعي والذي وضع كتب ممتازة كمؤلفه "تاريخ الأدب" كان لا يقبل أن تستعمل في ميدان الأدب والوسائل الفنية والمواد التقنية التي كان يدعو إليها بعض المفكرين من الأدباء أمثال : طين ورينان. فكثيرا ما كان لانسون يقول "مواد الأدب ووسائله في المغرفة ليست مواد علمية بالمعنى الأصلي التقني لهذه الكلمة. والأدب ليس موضوع علم ولكنه ذوق وتدريب وسعادة ولذة. فلهذا فهو لا يعرف كما يعرف العلم ولا يحفظ كما تحفظ القواعد الرياضية ولكن يعرف الأدب يغرس في النفوس ويطبق في الطروس ويحب من الأعماق" .
والذي يتضح لنا من رأي لانسون أنه لا يوافق على تطبيق النظرية العلمية الموقوفة المعهودة في ميدان الأدب وهو متشبث برأيه إذ يعتقد جازما أن الرجوع إلى الماضي وشرح غموض هذا الماضي البعيد بتجريد الخزانات والمكتبات والبحث في المستندات والوثائق ومقارنة النصوص التي يعثر عليها الباحثون كل هذا حسب رأي لانسون يدل على سعة البحث عند المؤرخ ولكن هذا العمل لا يمكن أن يطلق عليه عمل أدبي محض ويدخل في مجموع الروائع الخالدة التي أنتجها الفكر البشري. وقد ذهب الناقد لانسون بعيدا في هذا الرأي واعتصم بحبله فقال مؤكدا ما سبق أن ذكره في الأول :
"... إنني لا أدرك كيف يمكن أن يدرس الأدب بغية أشياء أخرى غير التكوين الصحيح والتهذيب الكامل، كما لا يتصور أن الذين ينكبون على الإنتاج الأدبي عليه بغية تحقيق أغراض أخرى غير السعادة واللذة اللتين يشعر بهما المرء وهو يتصفح إنتاجا أدبيا رفيعا...".

ومما لا إشكال فيه أن المثقف الحق يهتم بالقديم كما يهتم بالحديث وأن اشتغاله بالكتاب المعاصرين لا ينبغي أن يقل عن اشتغاله بالكتاب الذين عاشوا في عصور سابقة. والمثقف الحق هو الذي يجد السعادة وهو يدرس الأدب القديم كما يشعر باللذة وهو يدرس الأدب الجديد الحديث. فلا تتكون الثقافة من معرفة الماضي السحيق والحديث الجديد ؟
أليس الماضي هو الذي تستمد منه الحال ونبني على دعائمه الراسية المستقبل البعيد والقريب ؟ أولا تسمح معرفة هذا الماضي بترديد تاريخ طويل وربط الإنتاج المعاصر بالإنتاج القديم.
إن الثقافة البشرية الحق هي الثقافة التي تمكن صاحبها من أن يجمع بي الماضي والحاضر كما تجعلها قادرا على أن يربط بين حاضر الإنسانية ومستقبلها حتى لا يظل بعيدا عن عربة التاريخ تلك العربة التي تجرف كل من تلقاه في سبيلها والتي ترحم عاجزا ولا متأخرا ولا مترددا لأنها لا توقف ولا تتوانى ولا تتردد.
والمثقف لحق هو الذي يستطيع بقدرة تكوينه وطول باع تمنه من المعرفة وعظمة طاقاته الفكرية والإنشائية أن يعيش مع عصره ويتجاوب مع حاجيات تطوره ودواعي تقدمه. وسوف لا يستطيع هذا المثقف أن يسير على هذا النهج إلا إذا جمع بين العلم والعمل والذوق والتكوين والأدب والتقنية. ومن هنا جاءت فائدة الدراسات الأدبية كمادة علمية يختصر بها الإنسان الطريق الذي يتعين أن يعبها حتى لا يبقى في مؤخرة القاطرة وحتى لا يسير عليه الركب فيبقى في معزل عن الناس وعن المجتمع وعم فيه التجاوب بين الأديب والناس بفضل تعميم التعليم وتيسير وسائل الكتاب القراء وشيوع وسائل النشر وكثرة المطابع وتعدد الجرائد والمجلات والنشرات العلمية والثقافية والأدبية...
أمام هده الحالة الجديدة أصبحت البشرية مضطردة إلى نوع من الاختيار متوقفة على نوع من التفكير العلمي مقهورة على سلوك سبيل سوى بين الأدب والعلم حتى تجمع بين الحسنيين وتقوى على الأخذ بالنجدين.
ولعل هذا ما حدا بكثير رجا الفكر وجهابذة العلم إلى الدعوة إلى الأخذ بأهداب النهضة العلمية الحديثة وأسباب التطور الجديد الذي اصطبغ بصبغة علمية واتسم بطابع التقنية والفنية.
وإذا كان الأدباء والمفكرون يدعون إلى هذا النوع من التكوين التقني والعلمي الجماهير البشرية والإنسانية بأكملها فكيف يمكن أن يكون موقف العلماء أو على الأقل المثقفين الذين غلب عليهم الميل إلى العلوم فوقفوا على التجربة العلمية وبهتوا أمام الانتصارات التي حققها والخطوات الوثابة التيعرفتها ؟
إن هؤلاء المثقفين العلماء أولى الناس بهذه الدعوة وأجدر الدعاة للأخذ بالتجربة العلمية التي تدعو إلى الاختصار والاقتصار بدل الإسهاب والإطناب والتي ترتكز على التجرد والعيان بدل العواطف والشهوات.
وما رينان إلا أحد هؤلاء المثقفين الذين غمرتهم موجة العلوم وأثرت فيهم الحقيقة العلمية المجردة فراحوا ينادون بتطبيق الطريقة العلمية في كل شيء سواء كان الأمر يتعلق بالعلوم الإنسانية كالأدب والبلاغة والبيان، أو العلوم الطبيعية من فيزياء وكيمياء ورياضيات وكتب غيرها...

أليس رينان هو مؤلف كتاب "مستقبل العلم" ؟
إن هذا الكتاب الذي صدر في سنة 1890 قد ألف في الشهور الأخيرة ن سنة 1848 والشهور الأولى لسنة 1849. ومعنى هذا أن رينان ألف كتابه الذي جمع فيع نظرياته المتعلقة بالدراسات الأدبية وغيرها في الظروف العصيبة التي عرفتها فرنسا بعد ثورة يبراير 1848 فجاء عبارة عن برنامج حافل أخذ صاحبه بعين الاعتبار الملابسات السياسية والتطورات التي عرفتها بلاده والنظريات والآراء التي كانت تغلب على رجال الفكر والأدب والعلم في ذلك الوقت.
والحقيقة أن رينان يدعو إلى دراسة الماضي بل بل يعتبر معرفة الماضي وإدراك عمق مغزى حوادثه أمرا ضروريا لا مفر منه ولا غنى عنه. ولعل هذا ما جعله ينادي رجال الفكر وأرباب العلم للقيام بالأبحاث الضرورية ويطالبهم بالتنقيب بطرق علمية عن هذا الماضي لاكتشاف مظاهر حضارته واستغلال جميع أبواب المعرفة للوصول لهذه الغاية؛ ولكن تكوينه العلمي جعله يرى حياة الأديب وكمال تربيته وتمام معرفته في الوقوف على كتاب العصر بدلا من اختيار رواد الفكر من  رجال العهود الماضية والعصور الخالية. ونحن عندما نقف على كتابه "مستقبل العلم" نجده يقول بعدما تعرض لمؤلفات فولتر :
"إن دراسة كتاب القرن السابع عشر مفيدة جدا : لمعرفة الحالة الفكرية في هذا العصر ولكني أعتبر الوقت الذي يقضيه الفرد في القراءة للحصول على هذه المعطيات الإيجابية وقتا ضائعا. فليس هناك ما يمكن أن نأخذه كنظريات فلسفية وآراء مذهبية. وإني أعترف بأني لا أرى ما يستطيع أن يجنبه المرء من وراء حفظ ما كتبه "لابرويير" وماسلون وجان بابتيسطر وسوبالو الذين ليس لنا أي اتصال بهم الآن كما أعترف بأني لا أدري كيف شبابنا لا يمكن أن ينهموا دراستهم قبل معرفة فيمان وجيزو وتييرس وكوزان وكيني وميشلي ولامرتينوسانت بوف. ولا أعتقد أن هناك من يعجب مثلي بالقرن السابع عشر باعتبار المقام الذي يحتله في تاريخ الفكر البشري، ولكني أثور عندما أرى الناس يريدون أن يجعلوا من هذه الفكرة الثقيلة العبء مثال الجمال المطلق، فأي كتاب "التاريخ العلمي" الذي أجمع الكل على الإعجاب به وتقدير مؤلفه الذي يعتبر من كبار رجال الدين المتأخرين".
يتجلى من هذا النص الذي نقلناه له طوله أن رينان يعطينا نظرة واضحة عن اختياراته كما تتضح من هذه السطور الخطة والإرشادات التي يعطيها لنا للبحث في منابع الآراء الصالحة للعصر والنظريات المتجاوبة مع تطور الفكر الإنساني ويرى رينان أن هذه المنابع لا توجج إلا عند الكتاب العصريين الذين يتعين أن تقرأ مؤلفاتهم الأصلية بإمعان بينما يمكن أن يكتفى بالدراسات الأدبية إذا كان الأمر يتعلق بكتاب عاشوا في عهود أخرى.
وهكذ فرينان لا ينكر الرجوع إلى الكتب القديمة لأنه لا يجهل الفائدة التي تنتج عن دراسة آثار الأولين ولكن الطابع العلمي الذي غلب عليه والميل نحو التجربة الفنية وتكوينه العلمي كل ذلك أثر عليه وجعله يفضل الوقوف على الأدباء المعاصرين لأنهم أكثر تأثيرا وأقرب اتصالا بالعصر وأدرى بمشاكله المختلفة وقضاياه المتعددة، وهدا ما جعل إعجاب رينان بالقرن السابع عشر إعجابا تاريخيا إن صح التعبير لأن رينان لا يؤمن بالإعجاب المطلق، أليس هو القائل في كتابه المشار إليها :
"إن الإعجاب المطلق شيء مصطنع : فليس هنا من يعجب أكثر مني بأفكار باسكال وخطب بوسوى ولكن أعجب بهما كمؤلفات كتبت في القرن السابع عشر ولو أن هذه الكتب ظهرت الآن لما استحقت أكثر من أن ينظر إليها الإنسان ويلاحظ وجودها، إذن فالإعجاب الحقيقي تاريخي فقط.
ومما لا ريب فيه أن أدب القرن السابع عشر يستحق الإعجاب ولكن بشرط أن يرجع إلى وسطه وإلى القرن السابع عشر وأن لا يرى فيه النموذج الخالد في الجمال متفيهقوا المدارس الثانوية."
إن المثقف الحق لا يذهب بطبيعة الحال هذا المذهب البعيد الذي سار فيه رينان رغم أنه أمر ثابت من عدة وجوه لأننا سنظل نعتقد أن الأدب الخالد سيبقى أدبا خالدا بجماله وقوة تأثيره في النفوس مهما تطور العلم وازدهرت الحضارة التقنية القائمة في هذا النصف الثاني من القرن العشرين لأن الأدب له طابعه الخاص ومذاقه العذب الذي يميزه عن بقية مظاهر الحضارة الإنسانية. فإعجابنا بالقصة المملوءة بالعواطف البشرية الصادقة أو بالقصيدة التي تختلج معانيها وأفكارها العميقة بحشو حشانا سيظل قائما في كل مرة تقف فيها على هذه القصة أو القصيدة أو المسحية أو ما شابههما دون اعتبار لا للزمان ولا للمكان.
والعمل الأدبي لا يمكن أن يفقد روعته ورونقه لمجرد مرور الزمن،ولكن عذر رينان هو ا،ه تكون تكوينا علميا سيطر عليه طول حياته حتى جعله يخضع كل شيء لهذه السيطرة التي ملكت عليه قلبه وغلبت على طبعه وعقله حتى أصبح يريد أن يكتفي الناس بالدراسات الأدبية بدل الوقوف على المؤلفات الأصلية.
فهل ارتفع الالتباس بعد هذا على الأخ زياد ؟ وهل أدرك أنه ظن الخلط حيث لا خلط والخطأ حيث لا الخطأ ؟
نعم لقد وافقت الأستاذ الناقد على ضرورة الفرق بين الدراسات الأدبية والتأليف الأدبي، وذهبت معه فيما ذهب إليه من أهداف الدراسات وغايات التأليف فهل اقتنع، بعد هذا، أن الأمر يتعلق بالتأليف وأنه، على العكس من ذلك، ينصب على الدراسات الأدبية المحكمة العميقة ؟ اللهم إني قد أوضحت.


(1) أنظر العدد الأول والثاني لهذه السنة من مجلة "دعوة الحق".
(2) العدد الثالث (السنة الثامنة) من مجلة "دعوة الحق" ص 77.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here