islamaumaroc

خواط حول العدد الماضي ...

  دعوة الحق

العددان 81 و82

- النقد الأدبي تقييم...
- والنقد الأدبي تقديم...
والنقد - قبل ذلك وبعده – عمل فني لا يراد به الهدم بل البناء، ولا يراد لذاته، بل لغاية سامية هي الكشف عما في العمل المنقود من جوانب الحق والخير والجمال فبجليها ويشيد بها، وعما قد يكون في هذا النص من انحراف سواء في الشكل أو في المضمون فينبه عليها في رفق وأناه.. والناقد بهذه العملية المزدوجة يساعد كلا من منشئ النص وقارئه على السواء، فتقعده بالنسبة للمنشئ أشبه ما يكون بالمرآة التي ينعكس عليها إنتاجه، واضح التقاسيم، جلي التقاطع، فتتراءى له مواطن التوفيق في عمله الفتي فيحاول في المستقبل دوام استغلالها، وتظهر له جوانب الضعف فيه فيعمل على معالجتها.
وأما بالنسبة للقارئ فلا شك أن النقد يعينه على تفهم النص ويفتح عينيه على ما يكمن فيه من خصائص سواء من حيث الفكرة أو الشعور أو الأسلوب..
وما من شك في أن النقد بهذا المعنى يعود بأعظم الفائدة على الجبس الأدبي الذي ينتمي إليه النص المفقود، إذ بذلك يتبلور هذا الجنس في أذهان جمهر القراء والمتأدبين، وتصبح أصوله وقواعده العامة أكثر وضوحا ونضجا وبالتالي أسهل فهما وتناولا.
ويدل تاريخ مختلف الآداب العالمية على انه ما من مدرسة إلا وكان النقد من العوامل الرئيسية والأكثر أهمية في هذا الازدهار، فلولا ما أثير حول شعر أبي نواس وبشار مثلا في الشعر الربي من نقد ما كان لنزعة التجديد التي رادها ذلك التأثير العميق في الطابع العام الذي طبع به الشعر العربي أيام العباسيين سواء في المعنى أو المبنى. وكذلك الشأن فيما ثار من نقد حول شاعرية أبي تمام والبحتري والمتنبي والمعري وما كان لذلك النقد من تأثير في شعرهم وذيوعه وقل مثل ذلك في موقف النقاد أمثال طه حسين والعقاد والمازني من شعر حافظ وشوقي ومطران، وموقف مدام دي ستايل وصالونها من الحركة الأدبية الإبداعية في أوربا، وأثر ذلك على الفن المسرحي – أصوله وقواعده – بصفة خاصة.
على أن النقد من ناحية أخرى لا يأتي بمثل هذه النتيجة الإيجابية إلا إذا كان موضعيا منتجا متجردا لا أثر للتحامل الشخصي فيه، وذلك لا يتحقق إلا إذا جهد الناقد جهده في أن يجرد من نفسه قاضيا نزيها يرى النص المنقود بعين الفن كما يرى القاضي القضية بعين القانون، على الرغم من أن التجرد الكامل من الذاتية في النقد غير ممكن على الإطلاق، وأن الانطباع الشخصي والمزاح الخاص بالناقد أثره فيما يصدره الناقد على النص المنقود من أحكام بسبب أن العلاقة التي تربط بين إنتاج الأديب ونقد الناقد علاقة تنبني في جوهرها على عملية التأثير والتأثر، وهي عملية نفسية في عمقها وأبعادها، أما دور الفكر فيها فجانبي.
على أساس هذا الفهم البريء والنزيه لمدلول "النقد الأدبي" قبلت من حيث المبدأ فكرة نقد ديوان العدد الماضي من هذه المجلة، راجيا أن ينظر إلى صنيعي هذا بهذا المنظار، وألا يتنكب به هذا الإطار.
ذلكم أنني ما عرت أدباء قوم ينفعلون بالنقد ويثورون لم كما عرفت أدباء قومي، وبالتالي ما عرفت
انحراف قوم عن النقد المنهجي المنتج كما عرفت انحراف كثير من نقاد قومي، والآيات على كل ذلكم كثيرات متعددات، ينطق بها الكثير مما يصدر في مغربنا العزيز من صحف ومجلات.. إلا فليفسح أدباؤنا الأفاضل صدورهم لكل نقد نزيه، وليتوخ نقادنا أيضا فيما ينقدون أصول هذا الفن ومناهجه، فإن في ذلك وحده انتعاش الحركة الأدبية بالمغرب، والسير بها قدما نحو النهوض والازدهار.
يحتوي ديوان العدد الماضي "العدد السادس والسابع من السنة الثامنة 1384 – 1965" على مختارات من الشعر العربي القديم بعنوان : "لا.. ونعم.." للمثقب العبدي وعلى سبع قصائد لشعراء معاصرين..
ولا بد بالمختارات، وكلامي عنها سيتناول الفكرة من حيث المبدأ، ثم قصيدة المثقب العبدي من حيث الشكل ثم من حيث المضمون.
فأما فكرة نشر مختارات شعرية بالمجلة فأنا شخصيا م المعجبين بها المتحمسين لها سيما وأن المجلة تخصص لها إطارا جميلا وخطا أنيقا يجعلها أشبه ما تكون بلوحة فنية تأنقت في عملها يد صناع أضف إلى ذلك الجو النفسي الذي تخلقه بسبب أنها وسيلة لبقة وذكية لنق القارئ من جو "الأبحاث والمقالات" التي يغلب عليها طابع التفكير والموضوعية والجفاف إلى جو الشعر حيث عالم الشعور المرهف والتعبير الرشيق والخبال المجنح.
وأما من حيث الشكل فقد وقع خطئان في ضبط هذه القصيدة حيث ضبط مستهل البيت الخامس هكذا "واعلم أن الذم نقص للفتى" في حين أن القواعد العروضية تفرض ضبطه هكذا : "واعلم آن. الذم.. الخ وإلا سقط الوزن، وحيث ضبط البيت التاسع هكذا،

فتعزيت خشاة أن يرى       جاهل أني كما كان زعم

 في حين أن الأظهر هو ضبط يرى في البيت بالبناء للمعلوم لا للمجهول، والفرق بين المعنيين واضح تمام الوضوح.
أما من ناحية المضمون فأعتقد أن مجلتنا الغراء سوف يحالفها التوفيق أكثر لو أنها لم تتقيد بالنزعة التعليمية التهذيبية في مثل هذه المختارات، وتوخت فيما تختاره المقطوعات الشعرية التي توفرت فيها أسباب الفن الشعري – وما أكثرها في الشعر العربي قديمه وحديثه – لتكون تلك المنتخبات نموذجا يحتذى وأثر يقتفي سيما وأن الذوق الفني في العصر الحديث قد أرهف في الشرق والغرب، وأصبح معه الشعر ذو النزعة الإنسانية الصرفة م حيث المضمون أسمى وأرفع أنواع الشعر على الإطلاق.
ولأشرح ما أقول بطريقة عملة، تعلوا نتذوق كلا من الأبيات الأولى من هذه المختارات بصفحة 111 من المجلة :

لا تقولن إذ كا لم تــــــــــرد      إن تتم الوعد في شيء "نعم"
حسن قول "نعم"من بعـد "لا"     وقبيح قول "لا" بعد "نعــــم"
إم لا بعد نعم فاحـــــــــشــة      فبلا فابدأ إذ خفت النـــــــدم
وإذا قلت نعم فاصبر لـــــها       بنجاز القول، إن الخلف ذم

ثم نقلب الصفحة فتتذوق الأبيات الأولى من قصيدة الأديب الممتاز والشاعر الموهوب الأستاذ عبد المجيد بن جلون بعنوان "محمد" ص 112 حيث يقول :

إذا خيم الليل فوق القصــــــور      ولم يبق في هذه الأرض نــــــور
وغابت عن الأفق حتى النجوم       ولم يبق في الأرض غير الوجوم     
فلا تيأسوا من صباح منــــــير       ولا تيأسوا من إلاه رحـــــــــــيم      

ألسنا نجد أن هذه الأبيات في كلتا القصيدتين وإن اشتركت كلها في ظاهرة الوزن والقافية فقد افترقت
في أمور :
منها أن المعاني في الأبيات الأولى أشبه ما تكون بمعاني خطب الوعظ والإرشاد التي يغلب عليها طابع "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" بينما المعاني في الأبيات الثانية – على الرغم من أن موضوعها ديني – قد هذبتها الشاعرية الموهوبة، فهي تدغدغ عاطفتنا بدلا من أن تقرعها، وتنساب في روحنا ومشاعرنا بدلا من أأن تغزوها وجرحها، ومنها الأسلوب في الأبيات الأولى خطابي مباشر منطقي يخاطب العقل قبل الشعور بصيغة "افعل و"لا تفعل"" مما يجعله أقر إلى الأسلوب العلمي الرياضي بينما الأسلوب في الأبيات الثانية شاعري مجنح يخاطب العقيدة والعقل بواسطة الكلمة الموحية ذات الظلال وسخر الخيال.
نعم ": قد يقول قائل أن القياس بين شعر العبدي وابن خلدون قياس مع فارق عظيم هو اختلاف ما بين الشاعرين من عصور، والجواب على ذلك أننا ما دمنا بصدد الكلام على "مختارات" من الشعر فقد طوت المسافة بينهما وحدة الفن ووحدة الشعر.

وننتقل الآن إلى الكلام على قصيدة الأستاذ ابن جلون بعنوان "محمد".. وموضوعها – كما يوحي به عنوانها وتنطق به أبياتها – الرسول (ص) وأثر رسالته في بني الإنسان".
والقصيدة تصوير رائع لحالة البشر وما كانت عليه من جاهلية ولم واستبداد ووثنية وإلحاد قبل بعثة الرسول عليه السلام، وكيف انبرى عليه السلام من بين القاعدة الشعبية – من بين رعاة المواشي – يحمل إلى الإنسانية الطمأنينة الخالدة والسعادة والسلام، ثم ما لاقته هذه الرسالة من حرب الطغاة وكيد العتاه، وكيف كسب الملمون في النهاية الجولة، واستطاعوا باتحادهم أن ينصروا الدين ويقيموا الدولة.. ثم يختتم الشاعر قصيدته بهذا النداء الحار الذي يحمل أكثر من مغزى ويدل على أكثر من معنى :

فيا أيها المنقذ المجتبــــــــــــى      محمد، صوتك مل الصــدى
يشق إلى الناس ماضي القرون      ويرشدهم من وراء السنيــن
فهل أنت مرشدهم للهـــــــــدى      ليهدول كما فعل الأولــــون

والعاطفة الغالبة على القصيدة هي عاطفة الإكبار والإجلال للدور الذي قام به الرسول وأصحابه في إنقاذ الإنسانية من ويلات الجاهلية، والتفاؤل بأن دعوة الرسول وتعاليمه خليقة بان تعود من جديد فتنتشل هذه الإنسانية المعذبة الآن مما هي فيه من ويلات، وتقودها إلى طريق الهدى، طريق الإيمان والمحبة والسلام، وعلى الرغم من أن الموضع العام الذي تعالجه القصيدة قد طرق عدة مرات منذ بعثة الرسول عليه السلام حتى الآن إلا أن ميزة هذه القصيدة العظمى في نظري هي طريقة المعالجة أي الأسلوب :
فقد بنى الشاعر قصيدته بناء محكما وفق مخطط مرسوم أوحى به صدق التجربة الشعورية عنده مما جعل للقصيدة وحدة مترابطة الحلقات متلاحمة الأجزاء، فالبيت يسلمك إلى البيت بطريقة تلقائية لا أثر للتكلف والمعاناة فيها، وتحس وأنت تنتقل من الجزء في القصيدة إلى الجزء الذي يليه أن الشاعر يسكب من روحه ومن مشاعره في مشاعرك ويتحدث إلى قلبك وعقلك دون أن يتوسل إلى ذلك بما يتوسل به الشعراء عادة في مثل هذا الموضوع وهو اللجوء إلى الكلمات الطنانة والألفاظ الرنانة وإلى الإطناب والمبالغة بالإضافة إلى البكاء والعويل عندما يتكلمون على مصير الإسلام والمسلمين.
والفرق بين الطريقتين عظيم جدا. ذلكم أن الطريقة التي سلكها الشاعر "تؤثر" بينما الأخرى "تثير" وميزة التأثير أن ينفذ إلى الأعماق ويعانق الشعور اللاشعور، بينما الإيثار في الغالب تطفو فوق السطح، وعمرها قصير جدا لأنه محدود بالزمان والمكان.
ثم إن النفس * أميل إلى الأسلوب الهادي والمقنع المؤثر منها – عادة – إلى الأسلوب الصاخب المفتعل المثير، وفي حدود هذا الإطار أيضا تتجلى روعة الفن أيضا وجماله وجلاله.
أما قبل : فقد قرأت قصيدة الأستاذ ابن جلون عدة مرات قراءة فحص ونقد وتمحيص، وعيرتها في كل مرة بمعيار الفن والذوق متمنيا أن أجد فيها سيئة من السيئات أو هفوة من الهفوات فأنبه عليها تمشيا مع المنهج النقدي الذي قيدت نفسي به حتى لا يقال عن عملي هذا أنه أقرب إلى المدح منه إلى النقد ولكنني أصارح القراء الأفاضل أنني ما وجدت فيا غير أصالة الفن وزنا وفكرة وأسلوبا ولغة وتخطيطا، ولا بدع فأدب الأستاذ ابن جلون في القمة، وشاعريته الموهوبة ترشحه كدليل من أقوى الدلائل وأنصعها على أن مغربنا العزيز بخير، وعلى أن به من الأدباء والشعراء – على ندرتهم – من بعد الصف الأول من بين أدباء وشعراء العالم العربي في العصر الحديث إن لم يكن في العالم أجمع.
وأما بعد : فتتلو قصيدة الأستاذ ابن جلون بالعدد الماضي قصائد الأساتذة الشعراء عبد الكريم التواتي بعنوان : "أدرك بفضلك يا مختار أمتنا" والمدني الحمراوي بعنوان "معركة الوادي" وعبد المالك البلغيتي بعنوان "غادة إفران" وإدريس الجاي بعنوان "هواجس ضمير" وجليلة رضى بعنوان "أغنية الشاعر" ومحمد أحمد حيدر بعنوان "صور من بلادي" وهي ست قصائد تحتل خمس عشرة صفحة كملة من صفحات المجلة، وكلها من عيون الشعر العربي المعاصر.
وقد كان في نيتي أن أوفي كل قصيدة منها حقها من النقد والتحليل ولكن ما أخذت به نفسي من التزام المنهجية في النقد من جهة، وضيق المجال من جهة أخرى، حولاني على الاجتزاء التي تليها حب الترتيب الذي وضعته المجلة..
إن نقد ست قصائد في رأيي – بالإضافة إلى المختارات والقصيدة التي تليها – ليس يفي به مقال واحد، لأن التجربة الشعورية في كل قصيدة منها تختلف عن التجربة الشعورية في غيرها من القصائد ومثل ذلك يقال في كل ن الموضع والعاطفة والأسلوب والإيقاع.. وأن من التجني على الثقافة والأدب والنقد جميعا أن يكال القول فيها جزافا دون تمحيص ونفاذ إلى الأعماق واهتمام بالتفاصيل والجزئيات، وذلك ما أنزه قلمي عنه، وأعترف أن مجال هذا المقال وحده لم يتسع ولن يتسع له.
وإذا كانت دراسة وتحليل ثمان قصائد – وهي ديوان هذا العدد من المجلة – قد تابت على هذا المقال لأن أصول النقد تأبى ذلك، فإن من باب أولى وأحرى أن يكون نقد العدد كله يشارف عادة المائة والخمسين صفحة مشكلة الألوان مختلفات أكثر تأبيا وأدخل في باب ارتجال الأحكام منه في باب التقييم والتقويم والنقد السليم
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here