islamaumaroc

قصة الإيمان بين العلم والفلسفة

  دعوة الحق

العددان 81 و82

بعث الشيخ طه الولي سكرتير عام جمعيات المكتبات اللبنانية في بيروت كلمة قيمة كان قد أرسلها إلى صديقه سماحة الأستاذ الشيخ نديم الجسر مفتي طرابلس ولبنان الشمالي في تحليل كتابه القيم :"قصة الإيمان بين العلم والفلسفة والقرآن" وقد أرسل إلينا فضيلة الشيخ طه الولي بنص هذه الكلمى التي خص مجلتنا بنشرها.
فله منا جزيل الشكر
                                                                               "دعوة الحق"

السلام عليكم ورحمة الله وبعد.
لم يخالجني أدنى ريب عندما أقبلت على مطالعة كتابكم القيم "قصة الإيمان بين العلم والفلسفة والقرآن" إنني بين يدي دراسة عميقة ومركزة تهدف إلى معالجة موضوع فكري خطير شغل أذهان العلماء وأهل الرأي في مختلف أدوار التاريخ البشري، منذ بدا الإنسان في محاولته الأولى لإدراك حقيقة وجودة والوصول إلى تعليل الظواهر المختلفة التي تتحكم في هذا الوجود ابتداء من اللحظة التي يبصر فيها نور الدنيا حتى تغمض عينيه في غيابة المصير الآخر.
وليس بالأمر اليسير أن يبحث الإنسان في حدود ذاته المتواضعة كيف ابتدأ ومن أين أتى ؟ ولماذا هو موجود وكيف ستكون حقيقته بعد جسر الحياة التي هو فيها ؟ وماذا سيحدث له بعد أن يصبح في بطن الأرض وديعة غامضة بين يدي عالم آخر ليس له من عالمنا الذي نحن فيه إلا الظنون والأوهام بما لا يقوم على أساس الحدس والتأويل.
ولعلني لا أهتك سترا ولا أكشف سرا إذ أكدت بهذه المناسبة أن هذه الأسئلة ستبقى عالقة في أذهان البشير كلما حاولوا أن يتطاولا إلى ما وراء المادة التي هم في غمارها آناء الليل وأطراف النهار لأن هؤلاء البشر وفضول المعرفة بعضها من بعض كالضوء من المصباح فكل إنسان يولد وفيه نزوع إلى الفضول لا يملك أن يتخلص منه ولو أراد، فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله. ويستوي في هذا الفضول كافة الناس، عالمهم وغير العالم لا تفريق في ذلك بين طبقة وأخرى من طبقات المجتمع، ذلك أن العقل الإنساني في مختلف مستويات يجد نفسه أمام مشكلة فكرية واحدة، إذ تفاوتت أحجامها بالنسبة لكل فرد فإنها لا تتفاوت منازعها بالنسبة للمجموع. وإن كتابكم "قصة الإيمان" قد أكد هذه الحقيقة الصادعة عندما تناول بجرأة وثقة الأسئلة المحرجة عن "حقائق الأشياء" وحاول الإجابة عليها من خلال آراء الفلاسفة ومذاهب العلماء وبلاغة الكتاب وخيال الشعراء... حقيقة كل شيء وكنهه. وأصله وغايته ما وراءه.. وما كان قبله.. من الذي خلقه ؟ ومن أي شيء خلقه ؟ ومتى خلقه ؟ وما هو هذا الخالق وما كنه ذاته؟ وما حقيقة صفاته.. وما هو هذا الإنسان وما حقيقته وما هو عقله وكيف يتم إدراكه وما مبلغ الإدراك من الصحة وما هو الخير ؟ وما هو الجمال ؟ ولماذا كان الخير خيرا والجمال جميـــــلا.. ؟"
ولست هنا في مجال تكرار الكلمات التي جاءت على قلمكم البارع في صيغة علامات استفهام عميقة أطلقها الإنسان القلق الذي جعلتموه في كتابكم حيران بن الأضعف على نحو ما جعل ابن طفيل إنسانه حي ابن يقظان ولو شئت أن أتابعكم في هذه العجالة لكان علي أن أكرر ما ذكرتموه سؤالا سؤالا وجوابا جوابا بيد أني أكتفي من ذلك بالتنويه إلى أن القضية التي أخذتم نفسكم بالدفاع عنها قد جاءت اليوم وكأنها على ميعاد مع الظرف المناسب والمكان المناسب أيضا.
لقد حرصتم في "قصة الإيمان بين العلم والفلسفة والقرآن" على مواجهة "الظروف السيئة" التي تجتازها فكرة "الله" في أوساط الشباب العربي بعد أن تسربت إليهم تيارات غربية لا نريد أن تترك "للدين" سبيلا إلى قلوب تتحفز لأن تخفق يوما على إيقاع رسالة عبقرية ذهبت أصولها في صميم المفاهيم الإنسانية التي عاشها آباؤنا حين فجرت دعوة الإسلام طاقاتهم لابتداع الحضارة التي تركت في الدنيا دوبا حتى كأنما تداول سمع المرء أنماه العشر.
أجل، في الظرف المناسب والوقت المناسب نول كتابكم إلى الميدان ليخوض معرقة الإيمان بالله مع أولئك الذين يريدون أن يجعلوا من هذا الإيمان مرحلة بدائية ناءت تحت عبء التطورات الفكرية الحديثة ولم تعد تملك القدرة على الصمود في الواقع الإنساني كعنصر أساسي في بناء الحضارة والتقدم والازدهار.
والي يبدو للمراقبين من أهل القلم والمفكرين، أن الملابسات التي تكتنف أفكار الناس في هذه الأيام تبدو وكأنها بوادر تحول أساسي في أسلوب الحياة على مختلف أقانينها وضروبها فنحن بالفعل بين يدي ثورة انقلابية حادة لا يخلو من تأثيرها أبناء هذا الجيل المعاصر سواء فيما يتصل بشؤونهم المادية أو النفسية ولست أجور بالقول ولا أجنح للمبالغة إذ أكدت بهذه المناسبة أن البشرية لم تشهد في تاريخها الطويل وفي أي مكان أصابته رعشة الحياة من هذا العالم.. أقول إن البشرية لم تشهد مثل ما هي في صدده اليوم من الانسلاخ عن كل شيء قديم والإقبال في كثير من الأحيان مبرر جدي يتعدى شهوة التغيير وما هو مألوف من متابعة الضعيف للقوي والصغير للكبير ولا سبيل للحكم على هذا الوضع المثير الذي أصبح حقيقة لا سبلي إلى إنكارها أو تجاهلها، إلا من خلال الاعتراف بأن المجتمع البشري يعاني اليوم جهدا ذهنيا مضنيا جعله يتقبل الانعطاف مع التيار الثوري الذي يعصف بقادته ملقيا بهم في دوار لا يعرف الرفق ولا الهوادة ولا الاعتدال.. وأنه ليصبح القول بأن العصر الذي نمر به اليوم هو عصر الثورة بكل ما يفهم من هذه الكلمة من معطيات التطرف والجموح والاضطراب بين المتناقضات. والحكم على زماننا بأنه عصر الثورة ليس في حاجة إلى الشواهد التي تؤكده أو تبرره. وعلى الرغم من أن الفكر لا يستطيع أن يحصر كافة العناصر التي ينهض عليها المجتمع الذي هو فيه لأنه يعجز عن الإحاطة بها وهو في غمارها.. على الرغم من ذلك فإن  خصائص هذا العصر القائم بلغت من الحدة والبروز والتأثير بحيث يمكن لأي إنسان أوتي مسكة من الإدراك العلمي يلمس لمس اليد أنه يعيش الثورة التي يتميز بها عصره في كل من ألوان الحياة المحيطة به.
ولا سبيل إلى التكهن عن المدى الذي ستبلغه هذه الظاهرة كما أنه لا سبلي إلى تعيين الآثار التي ستترتب عليها في النهاية إلا أننا نستطيع أن نزعم بأن القيم المعنوية المتوارثة تستدرج اليوم لمأزق حرج جدا قد يؤدي بها إلى التخلي عن مكانتها في نقوس الكافة وإفساح المجال لقيم أخرى نعرف كيف تبتدئ ولكننا بكل تأكيد لا نعرف كيف تنتهي وتستقر..
ومن هنا قلت أن كتاب قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن يبدو وكأنه مغامرة جريئة وعبقرية في وسط محفوف بكل عوامل التنكر للإيمان والفلسفة والعلم والقرآن.
والخوض في حديث ما وراء الطبيعة يتراءى اليوم عبر كسف صفيقة من الجمود والأفكار والكفران بعد أن غشيت أفكار أبناء الجيل موجة عاتية من النظر إلى الكون على أنه واقع عفوي تكامل بفعل توافق القوى المادية مع المفاعلات الكيماوية البحتة من غير أن يكون وراء ذلك موجبات أخرى تواضع من قبلنا على تحديدها بواجب الوجود وهذا ما يحملنا على إكبار الجهود التي تصديتم لها في رحلتكم الطويلة مع أولئك الرجال الذي أنفقوا حياتهم وهو يقدمون الدليل تلو الدليل على أن الحياة وما تنطوي عليه من حيوان وجماد ليست صدفة مجردة بدأت من المجهول وسوف تنتهي إلى المجهول كذلك، جون أن تعني حكمة أو تهدف إلى غاية.
ولا ريب في أنكم وفقتم إلى إقناع الكثيرين من المترددين والقلقين والحائرين بأن الإيمان بوجود الخالق ليس في جوهره نتيجة حتمية لليأس والعجز والقصور ولا هو مجن يتقي به لعقل الإنساني محاذير وهمية تراكمت عليه وهو يبحث عن طريق الخلاص من مخاوفه الذريعة التي تمخضت فيه وهو ينظر بجزع قاتل إلى المصير الذي لا مفر منه : الموت.
وأستطيع أن أقول بأن دعواتكم إلى الله سلكت سبيلا جديدا لم تحرثه شباة قلم من قبل، لا من شيوخ الإسلام ولا ممن كهنة بقية الأديان التي تدور في فلك السماء فلقد عودنا هؤلاء وأولئك أن يشقوا طريقهم إلى غرضهم من خلال الأساليب التقليدية التي تعتمد على ما جاء في الكتب الروحية التي تحدد معتقداتهم وطقوسهم مجترين بذلك الحجج التي رددها العشرات والمئات من أمثالهم الذين سبقوهم في القرون الخالية حتى أصبح ما يخرجونه للناس ضربا من الحديث المعاد والحلقة المفرغة التي تدور على نفسها. وهي طريقة فقدت الكثير من وقعها وتأثيرها وأصبحت عاجزة عن تحقيق أي تقدم إلى أهدافها التبشيرية. بينما أخذتم نفسكم بتجربة طريقة تنهض على سلسلة من الآراء التي كانت في مفهوم الكثيرين حجة الإيمان لامعة فإذا ببراعكم الخصيب يميط عنها غشاوتها في إطار من الإيجابية المؤمنة لتصبح حجة دامغة في صالح الدين مما يدعو إليه من رسالة الحق التي حمل كبرياء الأنبياء والمرسلون صدوعا بأمر الله رب العالمين.
... هكذا أكزنوفيس، ... ثم بارميندس... وبعد هذا تلميذه مليسوس ومن ثم هرقليطي وامبدوقلس وديموقريطيس واناكساتموراس... إلى سقرارط وأفلاطون وأرسطو والبيتور وأخيرا أفلوطين صاحب المذهب الذي تفاعلت به بعض المذاهب الدينية المعروفة... هذا الرهط كله من أساطين الفكر اليوناني القديم نأى بجانبه عن الأخذ بقصص الأولين وأعرض عن التسليم بقدسية الأساطير التي لا تستند إلى السلطان الحجة والمنطق السليم. وركز اهتمامه بالبحث عن الإله الحق.. فمنهم من اهتدى ومنهم من عجز عقله عن تصوره.. ومنهم من أسلمه جهد البحث إلى شرك الضلال في الخيالات والأوهام..بيد أنهم جميعا كانوا مجتمعين على قاسم مشترك أعظم إلا وهو (الإيمان بفكرة الإله الحق المجرد عن صفات المادة، من حيث يشعرون أولا يشعرون( 1).
إذن، فإن أولئك النفر ممن خليت عقولهم مظاهر التفكير الفلسفي. لا سيما القديم منه وذهبوا إلى إنكار الخالق متوهمين بأن ما ذهبوا إليه يعكس النتائج التي خلص إليها كمال العقل الإنساني متمثلا بالفلسفة والفلاسفة، إن أولئك النفر ليسوا على شيء ولو يسير من الحقيقة فيما يتوهمون وحري بهم أن يصبروا أنفسهم مع أهل الفكر حتى تنكشف لهم أغراض هؤلاء وليتأكدوا من أن (الإيمان بالله) كان وراء كل النظريات التي تمخض عنها الذهن العلمي للبشر ابتداء من بواكير خلجات البحث عن الحقيقة في أعماق التاريخ السحيق حتى يومنا هذا الذي نصبح ونمسي فيه على دراسة الذرة وما يلازمها من خصائص وأسرار (وأن الفلسفة بحر على خلاف البحور، يجد راكبه الخطر والزيع سواحله وشطئانه والآمال والإيمان في لججه وأعماقه.. كما يقولن.. أو كما يقول باكون : القليل منها يبعد عن الله أما الكثير منها فيرد إلى الله(2).
فيما تقدم بعض ملاحظات تختلف في الذهن عن مادة الكتاب وموضوعه لم أرد بها وفاء حقه علي ولا أداء واجبي نحوه ولكنها قطرات سالت على شباة القلم بين يدي رغبة أرجو تحقيقها في مستقبل أطمح أن يكون قريبا وأقدم فيها الشيخ ندين الجسر في الإطار الذي هو له أهل من الكرامة والمكانة والعلم.
على أنه قبل أن أرفع القلم عن هذه العجالة جدير بي أن أعرب عن شعور الطمأنينة غذ أرى مثل كفاءة الشيخ نديم الجسر تضع ثقلها في ميدان يكاد يكون خاليا إلا من خصوم الحق ورسالة الخلود شاغلا بذلك فراغا لا يمكن أن يسد غيره مسده وممهدا لمن يتحسس في ذاته الغيرة والكفاية أن يشاركه في شرف الوقوف عند حياض العقيدة إلى أن يرتد إلى العقول الحائرة قرارها والقلوب الخائفة أمنها ليدور الزمن دوريته التي تعود بنا إلى حيث تركنا السلف من العزة والمتعة وبهرة الحضارة.

(1) ص 24 من قصة الإيمان.
(2) ص 207 من قصة الإيمان.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here