islamaumaroc

الملكة الفنية -1-

  دعوة الحق

العددان 81 و82

ما أحسب أننا قادرون على أن نعرف الملكة الفنية تعريفا دقيقا محيطا بكل خصائصا ومميزاتها جامعا لكل جهاتها ونواحيها لأنها من قوى العقل والنفس والوجدان التي تستعصي على كل تعريف دقيق، كسائر قوانا المعنوية، التي مهما بذلنا من جهد في وصفها، لا نستطيع أن نبلغ  منها ما نبلغه من المحسوسات من حيث الإيضاح والبيان.
والأمر ما شاءت الطبيعة أن تحيط ملكاتنا الروحية والعقلية بكثير من الغموض والإبهام، وأن تجعلها نباهة على الباحث، ما أن يخيل إليه أنها في قبضته، حتى تتراءى له بعيدة بعيدة، في ضبابيتها المحيرة للعقول.
أتكون نفوسنا التي هي بين جنبينا وألصق بنا من كل شيء، تمتنع علينا إذ نحاول أن نهتك الحجب عن أسرارها، ونشتشف في مظاهرها أبعادها العميقة ؟ على حين أن الظواهر المحسوسة الخارجية نستطيع أن نحيط بها علما، فندرس قوانينها ونردها إلى مصادرها الحقيقية.
أيكون السر في ذلك أن نفوسنا أقوى وأوسع من لغتنا، لأن هذه مجموعة من الرموز التي لا تفي بالتعبير عن ذات أنفسنا مهما بذلنا من جهد ؟ أم يكون السر في ذلك أن يبقى الناس مختلفين في المسائل المعنوية، ليكون هذا الاختلاف نعمة أي نعمة على الأدب والفن ؟
مهما يكن من أمر، فستظل ملكاتنا الروحية موضوع اليوم والغد، وكل وقت وحين، يتعاقب الباحثون عليها دائما، لتستفيد ن تجاربهم وتنوع ثقافاتهم، فتظهر جوانبها جانبا بعد آخر، دون أن ينفد الحديث عنها، لكونها قوى لا منتهية، ولها من الحرية في التنوع والتكيف، ما يجعلها تمتنع على كل قانون عام، أو قاعدة ضابطة فأهل الفن من أدباء وشعراء، ومنهم من يمشي على أرض البشر، ومن لا يحسن السير غلا فوق السحب. من يرينا الحياة جنة وأرقة الظلال، ومن يحيلها جحيما للتعذيب والتنكيل.
من يغرينا بمتع الحياة لننهيها قبل فوات الأوان، ومن يصدنا عنها ويعجب منا متى رغبنا في ازدياد. من يدعونا إلى الركون إلى الراحة النفسية، لقطف ما تدلي إلينا من ثمار شجرة الحياة، وترك ما ابتعد ؟ ومن يدعونا إلى منازل الدهر، ومصاولة الأيام ؟ فالدنيا لا تؤخذ إلا غلابا، على حد تعبير الشاعر العظيم. منهم من يجعلنا في صلح مع من نعايشهم من الناس، نمد لهم في حبل الوصال، ونتنادى معهم إلى كلمة سواء، ومنهم من يريدنا أن نكون حربا عليهم، لا نضع فيهم ثقتنا، ولا نبوح لهم بأسرارنا، وإنما نجعل بيننا وبينهم حجابا كثيفا ن الصد والإعراض.
منهم من يدعونا إلى الخير والفضيلة، ومن يحمل في عيوننا الشر، وقد يستنبت من الشر زهورا فواحة بالعطر.
وبعيدا جدا أن نستطيع الإحاطة بكل أصناف الشعراء والأدباء، مهما حاولنا جاهدين، لأن لكل أديب شخصيته الخاصة التي لا تطابق بينها وبين شخصية أديب آخر.
وما كان الأدباء ليتنوعوا هذا التنوع الخصب العجيب، لولا تنوع ملكاتهم الفنية واختلاف طبائعها واتجاهاتها، متأثرة في ذلك بمزاج الأديب ونفسيته وتجاربه في الحياة، وحظه من الذكاء، ومقدار ما أوتيه من لطف الإحساس، ورهافة الذوق، وقوة العاطفة، وفعالية الفكر.
وذلك ما يجعل تحليل الملكة الفنية يكتسي أهمية خاصة، وتكتنفه مزالق وعرة، لأنها شيء غامض من جهة، ومتعدد الطبائع والأشكال من جهة أخرى.
وغنها لجوهر رفيع لطيف، يمس مسا رفيقا، ولا يهجم عليه هجوما عنيفا، يؤخذ بالاحتيال الفني اللبق الذكي، ولا يؤخذ المنطق الصارم والتسلط الذهني. لذلك فأنت قد تقرأ أحيانا بعض الدراسات النفسية، لبعض الملكات الروحية، فتجد الباحث العالم قد قعد القواعد وقنن القوانين، ولكنك تبحث في قواعده وقوانينه عن الملكة الروحية، فلا تظفر بها، لأنها لا تخضع لقوة العلم، وجهامة المنطق، ومن ثم تجد القاعدة والقانون في يدك جسما جامدا متحجرا يعوزه الروح، وتنقصه بواعث الحياة.
وعندي أن الملكات الروحية – ومنها الملكة الفنية – ينبغي أن نفهمها بقدر ما نستشعرها ونعيها بقدر ما نهتز لها، تكون لها فكرة في عقولنا، وعاطفة في نفوسنا، وهذا لا يتأتى إ إذا انتهجنا في دراستنا منهجا أدبيا، لا علميا محمضا. أفما جاءنا أنها إذ ترسم في الخاطر، وتنطبع في الخيال وتتوهج في النفس، وتتمثل للذهن، بنكهتها وأشرافها وحرارتها تكون أقرب إلى الاستيعاب الصحيح، مما لو حنطت في تعريف "تعريف جامع مانع" ؟ أفما جاءنا أنها من القوى العنوية التي ينبغي أن تعاش عند تفهمها والنفاذ إلى أسرارها البعيدة ؟ وأن تعاش معناه أن تتحول إلى تجربة نعانيها بكل ما يصاحبها من ألوان المشاعر وضروب الأحاسيس، وبكل ما تثيره فينا من ردود الأفعال المختلفة، وبكل ما تستدعيه إلى خيالنا، ونسوقه إلى خاطرنا من أحلام وأطياف وذكريات.
ولكن هل أزعم للقارئ أني قادر على أن أقرب إليه الملكة الفنية كما أفهمها، وأهتز لها، وأتعاطف معها، وأتذوقها، وكما تنطبع في نفسي، وتتمثل لخاطري، وتعيش في دمي وأعصابي ؟ هل أزعم لنفسي أن ذلك في إمكاني ؟ وكيف والقلم قاصر، واللغة عاجزة، والمطلوب عزيز المنال، عظيم الكبرياء، دون الوصول إليه حجب من وراء حجب ؟ ومع ذلك فلنحاول أن نلمس الملكة الفنية لمسات خفيفة وأن ندغدغها في مثواها الرفيع، علها تبوح لنا بشيء من أسرارها، وتتفضل فتهبنا قبسا من سناها الفاتن.
بيد أن لي طلبا إلى القارئ أرجو إلا يخيبني فيه وهو أن يملأ بخياله فجواتي، ويساعدني بخواطره على إتمام الصورة التي أحاول رسمها للملكة الفنية. ليكن معي هذه المرة لا مجرد قارئ، ولكن منتجا أيضا. ورب قارئ ما يلبث أن يجد نفسه يشارك الكتاب إنتاجهم،  إذ يملأ ما بين سطورهم بتأملاته الخالقة، وخواطره المبتكرة. وهيهات أن يستطيع كاتب يصل إلى ما يريد، دون مساعدة القارئ الذي يتجاوب معه، ويكون شريكه في الابتكار والإبداع، بل إني لأذهب على أبعد من ذلك، فأزعم أن العمل الأدبي لا يستقيم له وجود، إلا إذا انتقل إلى الطرف المتلقي الذي يتجاوب معه على نحو ما، ويأخذ منه ويعطيه، ويتأثر به ويؤثر فيه. ومن هنا جاءت فكرة كون الكاتب لا يكتب لنفسه، وإنما يكتب للآخرين، لكون الاستجابة التي يلقاها العمل الأدبي عندهم هي التي تحدد أبعاده وتدعم كيانه ..
بعد هذا ما هي الملكة الفنية ؟
لا نريد في تعرفنا على الملكة الفنية أن نفلسف الموضوع، فنذهب بعيدا مع الباحثين الذين تصدوا له فأوغلوا به في صميم الدراسات العلمية والفلسفية. وإنما نريد أن نكون بسطاء نتناول الفكرة تناولا فيه عقوبة، بحيث لا يجهدنا ولا يجعل العرق يتصبب من جبيننا. وخبر ما ينبغي أن نفعله، هو أن نحاول التمس الملكة الفنية في آثارها على التجارب الفنية علنا نستشفها من خلالها.
لنفرض أن شاعرا ساقته الصدف إلى شاطئ البحر، في أمسية اعتدل فيها الهواء، وصفا الجو، وراقت الطبيعة، فرأى الشمس وهي تغيب من وراء الأفق، تاركة على صفحة البحر بقايا أشعتها الذهبية التي تنسحب رويدا رويدا، لتخلف الكون من وراءها مسحورا مفتونا وقد اشتمل عليه الذهول. وضمن هذا الكون المسحور كان اعرنا يجلس على صخرة من صخور الشاطئ، متواريا عن الدنيا في غلالة رقيقة من أحلامه المسحورة الجميلة. وعندما استيقظ منها كانت التجربة الشعورية قد اكتملت، لتوحي إليه قصيدة يصف فيها المنظر الرائع الجميل. فالمنظر لا يبقى عنده مجرد مشهد طبيعي تصحبه بعض المظاهر الخاصة، بل يتحول إلى عالم يعج بالأسرار، على قدر نصيب الشاعر من قوة الوجدان الفني، ومبلغ استعداده الروحي، لالتقاط شتى الخواطر، والرؤى والأحلام الشعرية. فالمشهد رمز للخلود، أو رمز للفناء. فيه مثار حب قديم، وذكريات طواها الزمان في ليه الطويل، فيه صدى أمل حبيب لم يتحقق، أو لم رجع لحن جميل عاد من رحلة بعيدة. أو فيه معنى وحدة الوجود وتعاطف الكائنات، تتجلى فيه أسمى معاني الحياة في نظافتها، إذ لم تلوثها أدران المادة التي يتقاتل الناس من أجلها، فكأنها اغتسلت في ماء البحر، أو استجمت في أشعة الشمس، إلى غير ذلك من الخواطر التي يمكن أن تشمل على الشاعر في موقفه من ذلك المشهد الطبيعي الأخاذ. وقد يبلغ الشاعر من الامتلاء بروعة المشهد إلى حد أن يندمج فيه ويرى كل ما فيه رمزا لعواطفه الخاصة.
ثم تأتي صياغة كل هذه التجارب النفسية في قالب من اللفظ.
وهنا ننظر فنرى عجبا. الألفاظ التي يعرفها الخاص والعام، وتظل الألسن تلوكها كل وقت وحين، تصنع المعجزات، وتكون الآيات البينات. فكان في الألفاظ أرواحا محبوسة، ما أن يفتح الشاعر مغاليقها حتى تندفع متوبثة بدوافع الحياة الكامنة فيها، لتجعل من العمل الأدبي كائنا حيا متطورا، يجدد شباب النفس التي تتلقاها، ويخرجها من حالتها العادية ليزح بها في عالم من المشاعر المتدفقة، يحلق بها في عنان السماء، أو يغوص بها في مجاهل الأعماق، وتلك الأرواح فيها من خصائص الروح الإنساني الشيء الكثير.فهي إما صاخبة وإما هادئة مبتسمة أو عابسة. فبهارقة النسيم العليل، أو جهامة الحجر الصلد. مندفعة تكهرب الأسلوب، أو متأنية تجعله يسير الهويني ملتفتا إلى عطفية تيها ودلالا تمس جراح النفوس الحزينة فتكون لها بلسما، أو تلسعها وتخزها وخز الإبر. تكون ورودا في جنينة أو شررا يتطاير من فوهة بركان. تبدد شيئا من ظلمات الحياة، أو تزيدها ظلاما فوق ظلام، تدعو إلى السلام الروحي، أو تستحث على استعمال العنف والقسوة. تكون نغما حلوا ينبعث عن كمان، أو تكون زئير أسود اقتحم عليها عرينها المنبع المهيب. وما اللفظ إلا ما يستطيع الأديب أن ضع فيه من ذات نفسه من كا ما ألمعنا إليه من ألوان الحس والوجدان، وإلا ما يكتسبه اللفظ من مجموع الخصائص الذوقية والشعورية والفكرية للأديب، هذه التي تتركب منها قوة نفسية وفكرية، يقدر بها على أن يركب الأشياء ويحللها على نحو خاص ليصل إلى ابتكار صور فنية رائعة جديدة. تستمد روعتها وجدتها من رصيد الأديب، ومن تجاربه الخاصة في الحياة، ومن محصوله الأدبي الواسع، وطول معاشرته لكبار الأدباء وفحول الشعراء، وما تلك القوة التي تملك فعل السحر إلا ما تصطلح على تسميته بالملكة الفنية.
هل نكون بهذا قد وصلنا إلى حقيقة الملكة الفنية ؟ ما أظن أننا حققنا من ذلك شيئا كثيرا. ولعلها قد ازدادت غموضا، فعلينا إذن أن نحاول محاولة أخرى، علنا نخطو خطوة تقربنا منها ولا أقول تصلنا بها، فنحن لحد الآن لم نجرؤ على أن نقتحم عليها حرمها المصون، المطوق بحراس من الضباب والأحلام والأوهام والألغاز التي ليس إلى حلها من سبيل. ومن حسن حظنا أن هذه الغانية اللعوب. القريبة البعيدة، السهلة الممتنعة، يفضحها عطرها الفواح، وشذاها العبق الذي يملأ أحلام الشعراء وأخيلة الفنلنين. وهو دليلنا إليها، تتخذ منه وسيطا بيننا وبينها، فكأن عمر بن أبي ربيعة كان في مثل موقفنا قال :
فدل عيها القلب ريا
شاعر أراد أن يكتب مسرحية شعرية تستمد موضوعها من التاريخ، وتعلمون معنى العمل الذي كلف نفسه. أنه البعث !! نبش قبور الموتى، ونفخ روح الحياة في الأجسام الهامدة التي صارت حطاما، ليكسوها اللحم، ويجري في عروقها الدم، ومن ثم تتحرك وتتحدث، وتسعد وتشقى، وتنبسط وتنقبض، وتحك وتبكي، وتصح وتمرض، ويكون فيها ضعفها البشري، وقوتها الإنسانية، في مواجهة الأحداث التي تحيط بها، وتبادل التأثير بينها وبين الظروف التي تكتنفها. لا يحركها الشاعر كما تحرك الدمى في مسرح الأطفال، وإنما تكون أناسي حقيقيين بكل مقوماتهم وما يكون بين شخوصهم من فروق في الطبع والمزاح والعقلية، ما بين امرأة ورجل كبير وصغير، وسيد وخادم، وصديق وعدو الخ. والفترة التاريخية التي تجري فيها الأحداث، يجب إعادتها إلى الحاضر المشهود بكل ملابستها ودوافعها وظروفها حتى لنتوهم أننا نعيش في الحاضر نفسه متى شاهدنا المسرحية أو قرأناها.
هذا العمل الضخم الذي على الشاعر أن يقوم به، والذي لم نبسط من جوانبه إلا القليل، ليس به، والذي لم نبسط من جوانبه إلا القليل، ليس بالمطلب السهل. إنه طاقة هائلة من الخلق والإبداع. يتطلب قوة أدبية عند الشاعر. قوة مركزة تكونت عناصرها من قريحة وقادة، وذكاء حاد، وطبع قوي، وخيال قادر على التحليق في كل جو، وذوق رقيق الحساسية، لطيف، لا تفوته همسة، ولا تجوز عليه إشارة، يقرأ الخواطر في الصدور، ويترجم خفقات القلوب، ويعي ما ضمت عليه الشفاه ويستشعر نجوى الضمائر، وأحاديث النفوس.
تلك القوة الأدبية التي تصنع هذه المعجزة، وتخلق هذا العمل الذي كله سحر وفتنة، هي الملكة الفنية. الآنوقد لمست الملكة الفنية في بعض آثارها يمكنك أن تعرفها بالتعريف الذي تشاء. فقل إنها قوة الخلق والابتكار، أو قا إنها محموع المزايا الفكرية واشعورية والذوقية والخيالية للأديب مركزة في جوهرة لامعة، أو قل إنها فيض النفس الملهمة، أو القبس الإلهي في الروح الإنساني. فكل هذه التعاريف سوا، ما دمنا قد أمسكنا يذيل الغانية اللعوب، فإذا بيدنا مضمخة بعطرها الساحر الفواح.
لكن لنكن على حذر. فما أكثر ألوان العطور التي تراوح بينها هذه الغانية المتفننة. فتارة ينبعث عنها عطر قرنفلة، وتارة عطر سوسنة، وتارة عطر بنفسجة، وطورا عطر ياسمينة قد يكون عطرها قويا يزكم الأنوف، وقد يكون بالغ اللطف، لا تستنشقه إلا أدق الأنوف حساسية.
وهي – أي الملكة الفنية – تظهر في أدق أجزاء العمل الأدبي كما تظهر في معالمه الكبيرة. في اللمة الخفيفة من قلم الأديب، في الومضة الذهبية التي تمر بسرعة البرق، في الخاطر الربع، في الطيف الشعري العابر، في جرس كلمة، في ظ لفظ، في نبضة حرف. لمسة قلم تجعلها تهب أحسن ما عندها، ولمسة قلم تصدها عن البدل والعطاء. سريع التقلب لا تستقر على حال، تستجيب لمطالب الاديب حتى لتجعل من حروفه وكلماته ورودا وأزهارا في حديقة غناء، وتنقبض حتى ليحسب صاحبها أنها ولت عنها إلى غير رجعة، توحي بأروع الخواطر والتأملات، حين لا يكون الأديب متهيئا للإنتاج، وقد يستدعيها وقت تهيئه فلا تلتفت إليه بوجهها الجميل. تارة لا يحلو لها أن تظهر إلا في أبهى حللها وكامل زينتها وكورا تكتفي ببسيط الثوب وقليل الزينة، وهي دائما رائعة في حالة تبرجها، وحالة بساطتها على السواء، بل قد تكون أرق شفافية وكشفا عن جوهرها الرفيع، عندما تستغني عن كل مظهر مزخرف، أو إشارة أنيقة، أو حلية قوية السطوع. لها حالات تكون فيها ملكة ونورا يحفها جلال الملك، وتحيطها أبهو السلطان، فتفرق علينا نوعا من الخشوع أمام جلالها المالك للنفوس، ولها حالات تكون فيها طفلة تقفزها هنا وتثب هناك، وتملآ الجو من حولها خفة ومرحا. وقد تجدها مومنة خاشعة، أو ماجنة متبرجة. مترفعة في برجها العاجي تبعث منه بأفضلها، أو متواضعة تندس بين الناس، وتمشي في الشارع، وتغشى الأسواق، قد يجاهد للحصول عليها العالم "التحرير" والمثقف "الكبير" فلا يظفر منها بشيء، فكما اشتد  في طلبها، اشتدت في الإعراض عنه، بينما قد تهب نفسها لأبسط مخلوقات الله علما وثقافة. ديمقراطية في مولدها، تولد في أوسع الأوساط غنى وجاها ترفا، كما تولد في أشدها فقرا وضيقا وإملاقا. لا فرق عندها بين القصر والكوخ، والشبع والجوع، وسماء العز وحضيض الذل. يكون مولدها السعيد محاطا بهالة من الضجيج والصخب، وتدرج في طريق محفوف بالورد، تتخذ مثواها شرنقة من ناعم الحرير. ويكون مولدها الشقي في غير جلبة ولا ضوضاء، طريقها صخور وأشواك ودموع وزفرات، ومثواها التراب والطين. لكن النعمة قد تورثها الكل، وتشيع فيها الميوعة، وتحول بينها وبين كثير من تجارب الحياة، على حين أن الفقر وطول الحرمان قد يكسبها صلابة، ويهبها كثيرا من حرارة النضال.
وياما أورع ما يستطيع الأديب أن يصنعه إذ يمتلك الملكة الفنية، أو تملكه على أصح تعبير !! فاللغة تبوح لها بأسرارها، والبيان يسلس له قياده، والكائنات تتعانق في خياله ويتجاوب بعضها مع بعض والخواطر الفنية تنثال عليه من كل زاوية من زوايا الحياة والكون. من لفتة جيد، من رشاقة قد، من نبرة صوت، من خصلة، من رمشة عين، من هدوء الليل، من صخب النهار، من عظمة البحر، من سعة الصحراء، من قصف الرعود، من دبيب النمل، من عقيدة المؤمن، من شك الملحد، من كل ما تتسع له الحياة المادية والروحية من مغازي وأسرار. لكنها تملك قوة السحر، بها تفجر الماء الزلال من الحجر الصلد، وتصنع من التراب تبرا، ومن العي فصاحة، ومن الجمود حركة. الشيء البسيط تمسه ينقلب إلى ينبوع نور، والموضع البالي العتيق ترنو إليه يتحول إلى هيكل للإبداع والفن. لها قدرة عجيبة على أن تجمل القبيح وتقبح الجميل، وتلبس الباطل ثوب الحق، والحق ثوب الباطل، وتذل السعادة، وتدقق برد السعادة في جحيم الشقاء. تسلك سبلها إلى التسور في عنان السماء، ودوافع الحياة في أعماق الأرض، وموطن الخرافة في ضمير الشعب، وهواجس النفس في قرارة الإنسان. تسمع صلوات الملائكة، كما تسمع وسواس الشياطين ومن كل ذلك تصوغ عملها العجيب الخالد على مر الايام، ما دلمت هناك نفس تشعر، وقلب يخفق.
وتختلف السبل التي تسكها الملكة الفنية. فهناك سبيل الشعر، وسبيل القصة، وسبيل المسرحية، وسبيل المقالة، وما إلى ذلك واجهات مختلفة لشيء واحد، وأسماء عديدة لمسمى فرد. ولذلك كانت هذه الفنون الأدبية بينها روابط نسب وأواصر قرابة. ففي الشعر شيء من القصة، وفي القصة فبس من الشعر، وفي المسرحية شيء غير قليل من الشعر ومن القصة معا. أليس الشعر هو قصة العواطف الإنسانية انتظمت في وزن وقافية ؟ أليست القصة مجالا فسيحا لتحرك نفس العواطف، كما تعمل في نفوس الأفراد، وتوجه سلوكهم. أليس في المسرحية كثير من خصائص الشعر، عندما تعتمد الخطوط العريضة، وتترك الجزئيات والتفاصيل، وعندما تشحن الألفاظ بطاقة هائلة م المشاعر، لكون المجال أمامها محدودا، تماما كما يفعل الشعر ؟ ولو ذهبنا نقارن بين الأجناس الأدبية على هذا المنوال لأتينا بأمثلة كثيرة، كلها دليل على أن الملك الفنية – وإن تعددت سبلها – كل لا يتجزأ. بل لو شئنا نوسع ن دائرة الموضع، لذهبنا وراء الفنون الجميلة الأخرى، من موسيقى ورسم ونحت، لنبحث في لفائفها، فنجد أن لها صلة كبرى بتلك الفنون الأدبية، وأنها تأخذ منها وتعطيها الشيء الكثير الأمر الذي يدل على القرابة الفنية الموجودة بينها جميعا، وعلى أن الملكة الفنية – في معناها الواسع الشامل – تلتقي فيها مجموع تلك الفنون.
ألا بوركت من شجرة كثيرة الفروع، دانية القطوف، حلوة الثمار. ولكن لتحتفظ بشبابها ورونقها يجب تعهدها بالسقيا، وإلا أسرع إليها الذبول، وجف فها ماء الحياة، وقد تصبح أثرا بعد عين. نعم قد يجاهد المتأدب لتكون الملكة الفنية، فإذا ظفر بها أهلها وتركها تتغذى من نفسها، فلا تلبث أن تدوي، وتغتالها شتى عوامل الضعف، حتى إذا تبقى منها شيء كان كرجع صدى بعيد، أو كنشوة الروح أثر إفاقتها من حلم جميل، أو كدهشة.

وغداء الملكة الفنية ليس منحصرا في ثقافة الكتب وحدها، بل إن كل ما في الحياة يصلح لها غداء، لأن لها من المرونة والطواعية ما يساعدها على أن تستمد من كل شيء مادة غذاء. وتملك من قوة الاستعداد ما تستطيع به أن تحول تلك المادة  إلى ريش في جناحها، وسعه في أبعادها، ونكهة في طعمها،  تماما كما يفعل الجسم الإنساني، إذ يستفيد من طعامه الصالح حدة في البصر، ودما في العروق، وقوة في الفكر، ومتانة في العضلات، ونشاطا في العمل وتطورا في مدارج الحياة.
ولكن الكثيرون يهيمون بالملكة الفنية، فتشغلهم عن كل شيء إلا عن نفسها، فيدعون المزيد من الدراسة والتثقيف، لكونها ملأت عليهم دنياهم، وملكت عليهم نفوسهم، بهمساتها الشاعرية ووساوسها الأخاذة، ومغازلاتها المعسولة. فكم من مثقف ما إن أحس براعمها تتفتح يف نفسه، ودبيبها يسري في دمه، وإشراقها يتألق في عينيه، هجر كل درس، ملقيا بنفسه في أحضانها، متخذا منها ليلاه التي لا يبغي بها بديلا، يصوغ منها النشيد تلو النشيد، ويشتق منها القصيد تلو القصيد. يسبل عينيه على طيفها الجميل إذا نام، ويفتحهما على محياها الرائع إذا أصبح. لكن لا تلبث أن تأخذ في الضعف، إذ يعوزها عمق الفكر، وسند الرأي، وأسس العالم، فتتداعى للانحلال، وقد تتحول إلى ما يشبه حشرجة الروح في جسم أوشك أن يودع الحياة.
وما أعرف قوة تضارعها في القوة على الخلود والبقاء، في نصوصها الأدبية الممتازة، فهي تتوسد قوافي الشعراء، وتتهادى في حلل بيانهم. وتلبس فقرات الكتاب، وتطل من كلماتهم، محتفظة بقوتها وفعاليتها على مر الأيام. قد يسحب عليها الزمان ذيل النسيان إلى حين، ولكن ما أن يعيدها الزمان إلى ذاكرته، حتى تنتفض من جديد، وتكون مصدر خير وبركة للباحثين والدارسين، تصنع أقدارهم وتفتح مواهبهم، وتفجر طاقاتهم. كم بيننا وبين الملك الظليل من أحقاب وأحقاب، ومع ذلك فنحن عندما ندرس شعره، ونتذوق ما فيه من سخاء الطبع وقوة الشاعرية، لا نملك إلا أن نتجاوب معه، ونهتز لما هزه من صروف وأحداث.. وكم بيننا وبين أسير أغمات من مراحل وأطوار، وع ذلك فنحن عندما ننشد شعره في منفاه البائس، ونراه يبكي مصيره الأليم، نكاد نشعر أننا المعتمد بن عباد، ونهم بلمس القيود الثقيلة التي نخالها تقيد منا الأيدي والأقدام..
وأروع ما في الخلود إلا يخطر ببال الأديب أن يكون من الخالدين، كما أن أروع ما في العظمة إلا يخطر ببال العظيم أن يكون من العظماء.
ولكن ما هي الوسائل الكفيلة بتكوين الملكة الفنية ؟ أتكون لها كل هذه القيمة، ولا نحاول أن نعرف وسائل تكوينها ؟
إن قضية التكوين هذه، هي قضية كل أديب ناشئ، هي محور نضاله الأدبي الشاق الطويل فمنذ الخطوات الأولى في حياته الأدبية، تكون كعبته التي يتوجه نحوها هي الملكة الفنية، لأنها مفتاح كل الأبواب المغلقة في عالم الأدب والفن، وكلمة السر الموصلة إلى جوهر الإبداع. بدونها يعيش الأديب متكئا على غير وعالة عليه، فإذا هو امتلكها أصبح مستقلا في نظرته ولهجته وأسلوبه ونكهته، وبذلك يكون طرازا خاصا بين الأدباء، لا يذوب في زحمتهم ولا يرتبط بعجلتهم. ومن ثم نرى كل الأدباء الناشئين هائمين في البحث عنها، بين السطو، ومن تحت الكلمات، وخلال موسيقى الأساليب الرفيعة، في ومضة ذهنية يوحي بها بيت من الشعر، في هزة عاطفية تثيرها كلمة شيقة، في خاطر عبقري صادر عن بضعة حروف مشرقة.
وتشاء طبيعة هذه الملكة إلا أن تكون بعيدة عن المتناول، لا تسلم نفسها في جولة سريعة، وغنما تتطلب للحصول عليها ثمنا غاليا، هي عروس فاتنة تكون من نصيب من يبذل فيها أغلى المهور. وما مهرها إلا أن يهبها الأديب نفسه، بدمه وأعصابه وكل مقوماته الروحية.
وهي غيور بطبعها، لا تقبل معها ضرة تشاركها في شخص الأديب، وهذا هو السر في كوننا نرى غالبا أن من يجمع بين المطالب الأدبية، والمشاغل الدنيوية الزائدة على ضروراته اليومية يفشل في مصيره الأدبي.
مرة أخلى ما هي وسائل تكوين الملكة الفنية ؟
ذلك ما سيكون موضوع المقال المقبل بحول الله.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here